بيئة

أزمة الحمضيات في الساحل السوري: بين الجفاف وارتفاع التكاليف وفوضى التسويق

أزمة الحمضيات في الساحل السوري: بين الجفاف وارتفاع التكاليف وفوضى التسويق

بقلم هلا يوسف

صرخات ونداءات متكررة أطلقها مزارعو الساحل السوري حول مشكلة قديمة ما تزال ترافقهم حتى اليوم. ففي الوقت الذي يستنكر فيه المواطنون ارتفاع أسعار الحمضيات في بلد اشتهر تاريخياً بإنتاجها، يطالب المزارعون بمعالجة العوامل التي جعلت كثيراً من مواسمهم أشجار بلا ثمار. وبين شكوى المستهلك من الغلاء ومعاناة المزارع من صعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج، تظهر مفارقة قاسية يعيشها هذا القطاع الذي يعد من أبرز ركائز الزراعة في الساحل السوري، حيث ارتبط اسم مدن مثل اللاذقية وطرطوس لعقود طويلة بزراعة الليمون والبرتقال واليوسفي، قبل أن يدخل هذا الإرث الزراعي اليوم في أزمة عميقة تمسّ المزارعين والمستهلكين على حد سواء.

هذه الأزمة لم تأتِ من عامل واحد، بل هي نتيجة تداخل مجموعة من الظروف البيئية والاقتصادية والإدارية، تراكمت خلال السنوات الماضية حتى وصلت إلى ما يشبه الحلقة المفرغة التي تهدد مستقبل هذا القطاع الحيوي.

الجفاف وارتفاع التكاليف الزراعية

يؤكد عدد من مزارعي اللاذقية أنهم اضطروا في السنوات الأخيرة إلى اقتلاع أشجار الحمضيات واستبدالها بمحاصيل أخرى، بسبب الجفاف الذي ضرب سوريا، خصوصاً خلال العام الماضي. ولم يكن الجفاف العامل الوحيد في تراجع الإنتاج، إذ ترافق مع ارتفاع كبير في أسعار الأسمدة والمبيدات الزراعية، إضافة إلى الحرائق التي طالت مساحات من الغابات والبساتين في الساحل، وبعضها كان مزروعاً بالحمضيات.

ويشير أحد المزارعين إلى أن أرضه عانت من الجفاف لسنوات، ما اضطره إلى حفر بئر ارتوازي بكلفة مرتفعة لتأمين مياه السقاية. لكن كثيراً من المزارعين لم يتمكنوا من تحمل هذه التكاليف، فاختاروا التحول إلى زراعات أخرى أو الاتجاه نحو البيوت البلاستيكية وزراعة الخضار الموسمية التي تتميز بسرعة الإنتاج وارتفاع الطلب في الأسواق.

كما أصبح تأمين مياه الري عبئاً إضافياً على المزارعين. فقد ارتفعت تكلفة ساعة السقاية إلى نحو خمسين ألف ليرة سورية، مع الالتزام بدور محدد لتوزيع المياه، مما يعني أن تكاليف الري وحدها قد تصل إلى نحو مليون ليرة في بعض المواسم الزراعية، دون احتساب أثمان الأدوية الزراعية والشتول التي شهدت بدورها ارتفاعات كبيرة. لذلك يجد كثير من المزارعين أنفسهم في نهاية الموسم راضين بربح ضئيل، أو حتى بالخروج دون ديون.

أزمة التسويق والفجوة بين المزارع والمستهلك

لا تتوقف صعوبات مزارعي الحمضيات عند حدود الإنتاج، بل تمتد أيضاً إلى مرحلة التسويق. فقد ارتفعت تكاليف جمع الثمار ونقلها إلى أسواق الهال، كما ارتفعت أسعار صناديق التعبئة، الأمر الذي يضاعف أعباء المزارع ويحد من قدرته على تحقيق أرباح عادلة.

وفي الوقت الذي تباع فيه الحمضيات في أسواق المحافظات بأسعار تتراوح بين نحو 15 و22 ألف ليرة سورية لليمون، وبين 10 و13 ألف ليرة للبرتقال الجيد، يبيع المزارع محصوله للتجار بأسعار تتراوح بين 3000 و4000 ليرة فقط. ويذهب الربح الكبير بين السعرين إلى حلقات الوساطة والنقل والعمولات المختلفة.

هذا الواقع جعل المزارع والمستهلك الحلقة الأضعف في سلسلة التسويق. فالمزارع يحتاج إلى ضعف السعر الذي يحصل عليه تقريباً لتغطية تكاليف اليد العاملة والصناديق البلاستيكية وأجور النقل والعمولات. ومع استمرار هذه الظروف، لجأ بعض المزارعين إلى اقتلاع أشجار الحمضيات واستبدالها بزراعات استوائية مثل الموز بحثاً عن عائد أسرع يؤمن احتياجات أسرهم.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور شادي جليلكو أن أزمة الحمضيات تعكس خللاً عميقاً في السياسات التسويقية، حيث اكتفت الحكومات المتعاقبة بحلول مؤقتة دون معالجة أساس المشكلة. ويشير إلى أن غياب مراكز حديثة لفرز وتوضيب المحصول يقلل من فرص التصدير إلى الأسواق الخارجية التي تشترط معايير جودة محددة، ما يحرم الاقتصاد السوري من مصدر مهم للقطع الأجنبي.

الآفات الزراعية وتراجع الدعم الحكومي

من الناحية العلمية، يوضح الدكتور المهندس ياسر العلي، المختص في وقاية النبات، أن تراجع إنتاج الحمضيات يعود أيضاً إلى ضعف التسميد الناتج عن ارتفاع أسعار الأسمدة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض مناعة الأشجار وجعلها أكثر عرضة للإصابة بالآفات الزراعية مثل صانعة الأنفاق وذبابة الفاكهة. ويضيف أن سعر كيس السماد الواحد أصبح يساوي تقريباً تعب موسم كامل، بينما تباع المبيدات اللازمة لمكافحة الآفات بأسعار مرتفعة للغاية.

كما يحذر العلي من التوسع العشوائي في زراعة المحاصيل البديلة مثل الموز والمانغا، إذ إن هذه الزراعات تستهلك كميات كبيرة من المياه تفوق قدرة الأحواض المائية في الساحل، ما قد يؤدي مستقبلاً إلى تملح التربة وجفاف الآبار الجوفية.

ويشير عدد من الخبراء إلى أن الأزمة تفاقمت أيضاً نتيجة تراجع دور الدولة في دعم الإنتاج الزراعي. فقد انخفض دعم المازوت الزراعي وارتفع سعره بنسبة كبيرة قبل سقوط النظام بفترة قصيرة، كما توقفت في بعض المحافظات بطاقات توزيع المازوت الزراعي وتراجع دعم البذور، الأمر الذي زاد من أعباء الإنتاج على المزارعين.

الأمطار بين الأمل والحذر

انتقد العديد من المواطنين حديث المزارعين عن الجفاف، مشيرين إلى وجود موسم مطري جيد هذا العام. وفي الحقيقة أشارت بيانات وزارة الزراعة إلى أن الهطولات المطرية في معظم مناطق سوريا حتى بداية شباط 2026 تجاوزت نصف المعدل السنوي، وهو ما قد يساهم في تخفيف آثار الجفاف الذي شهدته البلاد خلال السنوات الماضية. كما أدت الأمطار الغزيرة إلى جريان العديد من الأودية وعودة المياه إلى مجاري الأنهار وتفجر الينابيع، ما قد ينعكس إيجاباً على مخزون المياه السطحية وارتفاع منسوب المياه في الآبار.

إضافة إلى ذلك، ساعدت الأمطار في تنقية الأجواء من الملوثات وتحسين جودة الهواء، كما منحت الغابات الساحلية المتضررة من الحرائق فرصة للتجدد الطبيعي.

لكن في الوقت نفسه يحذر خبراء من المبالغة في التفاؤل، إذ إن الجفاف ظاهرة تراكمية تمتد آثارها لسنوات. ويرى الخبير الاقتصادي محمد العلبي أن حصر الأزمة في العامل المناخي فقط يعد تبسيطاً للمشكلة، لأن جذورها ترتبط أيضاً بالسياسات الاقتصادية والإدارية. ويؤكد أن غياب البيانات الدقيقة حول المساحات المزروعة وتكاليف الإنتاج والإنتاجية يجعل من الصعب وضع سياسات زراعية فعالة.

بينما يرى الخبير التنموي والزراعي أكرم العفيف أن الحكم على الموسم الزراعي اعتماداً على أمطار بداية الشتاء وحدها يعد سابقاً لأوانه، إذ إن توزيع الأمطار زمنياً خلال الموسم هو العامل الحاسم في استفادة المحاصيل منها. ويشير إلى أن حصاد مياه الأمطار يعد من أهم الحلول لتعزيز الأمن المائي والزراعي.

باختصار، تواجه زراعة الحمضيات في الساحل السوري تحديات عديدة، تتنوع بين آثار الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف البنية التسويقية وتراجع الدعم الحكومي، وغياب السياسات الزراعية المناسبة للواقع. وبالتالي أصبحت الحلول متقاسمة بين المزارع والتاجر والحكومة. فمنظومة الإصلاح يجب أن تكون متكاملة، وحماية هذا القطاع لا يعني فقط حماية مصدر الرزق لآلاف المزارعين، بل تمثل أيضاً خطوة أساسية نحو تعزيز الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الوطني.

اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.