مشاهير

الإعلان الدستوري السوري.. ما نفّذ وما تعثر وما بقي معلّقاً!

الإعلان الدستوري السوري.. ما نفّذ وما تعثر وما بقي معلّقاً!

الكاتب: أحمد علي

يصلح العام الأول في حياة أي وثيقة انتقالية امتحاناً مبكراً لصدقها العملي، لأن النصوص في المراحل المضطربة لا تكتسب قيمتها من الوعود الكبيرة وحدها، بل من قدرتها على ضبط السلطة وفتح مسارات واضحة نحو الاستقرار.

من هذا المدخل تقرأ الدراسة التي أعدها الدكتور ابراهيم دراجي عن حصيلة ما أنجز من الإعلان الدستوري السوري بعد مرور عام على صدوره، لا بوصفها نصاً رمزياً يملأ فراغاً عابراً، بل بوصفها مرجعية كان يفترض أن تحمل جزءاً من عبء الانتقال السوري. والنتيجة التي ترسمها الدراسة متوازنة بوضوح، إذ لا تتحدث عن نجاح كامل ولا عن إخفاق شامل، ولا تسقط في حماسة التبرير أو قسوة الإدانة السهلة في العرض والتقدير، بل عن وثيقة بدأت تترك أثراً في بعض المجالات، وتعطلت أو تباطأت في مجالات أخرى، بسبب بطء استكمال البنية المؤسسية واختلال التوازن بين السلطات وضغط السياق الأمني والاقتصادي والسياسي.

الإعلان الدستوري السوري تحت المجهر

تنطلق الدراسة من فكرة مركزية مؤداها أن الإعلان الدستوري السوري لا يقاس بما يقوله فقط، بل بما يفعله خلال سنته الأولى، ولهذا اعتمدت منهجية تصنيفية تقسم النصوص إلى ثلاث دوائر، دائرة شهدت تفعيلًا فعلياً، ودائرة دخلت مرحلة التنفيذ الجزئي، ودائرة بقيت معطلة أو ناقصة التفعيل.

أهمية هذا المنهج أنه يتجنب الأحكام العامة السريعة، ويقترب من السؤال الأهم، أي كيف تحركت مواد الإعلان داخل واقع انتقالي مثقل بالإرث السابق وبالهشاشة الراهنة. ووفق الدراسة، فإن هذا الاختبار المبكر يكشف اتجاه المرحلة نفسها، لأن ما يتحرك سريعاً يعكس أولويات السلطة، وما يتأخر يكشف حدود التصميم المؤسسي أو حدود الإرادة السياسية أو كليهما معاً.

من الوثيقة إلى الفاعلية

في جانب التفعيل الواضح، تبرز المادة 48 الخاصة بتهيئة الأرضية القانونية للعدالة الانتقالية بوصفها أكثر المواد حركة خلال العام الأول. فالدراسة ترصد بدء مراجعة القوانين الاستثنائية، وإلغاء قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة بين 2012 و2024، وتخفيف بعض أدوات الملاحقة الأمنية المرتبطة بالقضاء العسكري، وفتح باب مراجعة بعض الأحكام الغيابية. فهذا المسار، كما تعرضه الدراسة، لا يعني إغلاق الملف ولا اكتمال العدالة، لكنه يعني انتقالاً حقيقياً من التعهد الدستوري إلى إجراءات ذات أثر ملموس، مع بقاء أسئلة التعويض الكامل والضمانات القانونية وعدم إعادة إنتاج أدوات الاستثناء مطروحة بقوة في صلب النقاش العام.

وبموازاة ذلك، تسجل المادة 7 حضوراً تنفيذياً بارزاً، من خلال المرسوم المتعلق بالمواطنين السوريين الكرد، وتعليمات إدخال اللغة الكردية إلى التعليم الرسمي، وآليات منح الجنسية للمشمولين بالتدابير الجديدة. فهنا ترى الدراسة أن الإعلان الدستوري السوري أظهر قدرة على تحويل الاعتراف بالتنوع إلى سياسات إدارية وتعليمية وقانونية، لا إلى خطاب رمزي فقط.

خطوات التنفيذ غير المكتمل

غير أن الصورة لا تتوقف عند النصوص التي تحركت بوضوح، فالدراسة تضع المادة 49 الخاصة بالعدالة الانتقالية في خانة التنفيذ الجزئي، لأن الهيئة المعنية أُنشئت وبدأت العمل، لكن من دون قانون مكتمل يحدد ولايتها وصلاحياتها وعلاقتها بالمؤسسات الأخرى، ومن دون تأسيس تشاوري واسع مرتكز على الضحايا كما يفترض النص.

وبالمنطق نفسه، تعد الدراسة أن مسار تشكيل مجلس الشعب بدأ ولم يكتمل، وهو ما جعل السلطة التشريعية ناقصة البنية والشرعية التمثيلية، وأبقى وظائف أساسية معلقة. كما يظهر ملف الجمعيات بوصفه مثالاً آخر على التحرك الناقص، إذ بدأت مشاورات جدية لإعداد قانون جديد، وانفتح النقاش نسبياً على منظمات المجتمع المدني، لكن القانون نفسه لم يدخل حيز النفاذ خلال السنة الأولى، ومعنى ذلك أن الإعلان الدستوري السوري أنتج بدايات مؤسسية مهمة، لكن هذه البدايات لم تتحول بعد إلى أطر مستقرة مكتملة.

مساحات التعثر المؤسسي الأوضح

في المقابل، تشير الدراسة إلى مواد بقيت أسيرة الوعد أكثر من الفعل، ويأتي في مقدمتها مبدأ الفصل بين السلطات، لأن غياب مجلس شعب مكتمل وعدم إنشاء المحكمة الدستورية العليا أبقيا التوازن المؤسسي هشاً، ووسعا الحضور العملي للسلطة التنفيذية. كما بقي قانون الأحزاب خارج دائرة الإنجاز، مع أن الحياة السياسية المنظمة لا تستقيم من دونه، وبقيت المادة 12 المتعلقة بدمج اتفاقيات حقوق الإنسان في البنية القانونية الداخلية ضعيفة الأثر عملياً، رغم ما كان يمكن أن تمنحه من سند معياري وتشريعي للقضاء والإدارة، إذ لم تتبعها مراجعة تشريعية أو توجيهات مؤسسية واضحة.

وتضيف الدراسة إلى ذلك عدم تسمية نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، وما أثاره ملف العفو العام من إشكال دستوري في ظل غياب السلطة التشريعية، فضلاً عن تعطل آلية تعديل الإعلان نفسها بسبب ربطها بمجلس لم يكتمل تشكيله. وهنا تبدو المشكلة، وفق الدراسة، مركبة، فهي ليست عجزاً عن تنفيذ مواد متفرقة فقط، بل ضعفاً في البنية التي يفترض أن تحمل الإعلان الدستوري السوري كله.

سياق يفسر ولا يبرر

تحرص الدراسة على عدم قراءة هذه الحصيلة خارج سياقها، فالسنة الأولى جرت تحت وطأة توترات أمنية وملفات سيادية مفتوحة وهشاشة اقتصادية وضغط اجتماعي ثقيل، مع وجود ملايين النازحين واللاجئين، إضافة إلى صعوبة الانتقال الذهني والسياسي من منطق الثورة إلى منطق الدولة. وهذه العوامل تفسر جانباً من بطء بعض المسارات، ولا سيما تلك التي تحتاج إلى استقرار أوسع أو موارد أكبر. لكن الدراسة ترفض تحويل السياق إلى عذر شامل، وتؤكد أن بعض الخطوات المتأخرة لم تكن تتطلب استقراراً كاملاً بقدر ما كانت تحتاج إلى أولوية سياسية وإرادة مؤسسية أوضح، وإلى انتقال أكثر رسوخاً من منطق إدارة الضرورة اليومية إلى منطق بناء المؤسسات المقيدة للسلطة والحامية لدوامها.

ولذلك تنتهي القراءة إلى أن التحدي الفعلي في المرحلة المقبلة لا يكمن في الدفاع عن النص أو مهاجمته، بل في استكمال المؤسسات القادرة على حمله، وإعادة بناء التوازن بين السلطات، حتى ينتقل الإعلان الدستوري السوري من مرحلة التفعيل الانتقائي إلى مرحلة المرجعية الحاكمة فعلاً.

بهذا المعنى، تكشف الدراسة أن السنة الأولى لم تحسم مصير الوثيقة، لكنها كشفت نمط اشتغالها وحدودها، فقد فتحت مواد محددة أبواباً مهمة نحو العدالة الانتقالية والاعتراف بالتنوع، بينما بقيت المواد المرتبطة بالتشريع والرقابة والتوازن المؤسسي أبطأ نفاذاً وأكثر تعرضاً للتعثر.

ختاماً، القيمة الحقيقية لأي انتقال لا تقاس بعدد النصوص المعلنة، بل بمدى قدرة الدولة على منحها أدوات التنفيذ والضمان، وهذه هي الخلاصة التي تخرج بها الدراسة، وهي أيضاً السؤال المفتوح الذي سيحكم السنوات التالية، لأن صلاح أي وثيقة انتقالية لا يكتمل إلا حين تصبح قادرة على تنظيم الاختلاف وضبط السلطة وإنتاج الثقة العامة في وقت واحد.

اقرأ أيضاً: إحاطة جنيف: ماذا عن “مؤشر الشرعية” في سوريا.. من العدالة الانتقالية إلى إصلاح الأمن!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.