أخبار سوريا

الانفتاح الدولي على دمشق: الكثير تغيّر وبعض الأشياء لم تتغيّر؟!

الانفتاح الدولي على دمشق: الكثير تغيّر وبعض الأشياء لم تتغيّر؟!

الكاتب: أحمد علي

تبدو السياسة الخارجية في أوقات التحول اختباراً عملياً لمتانة الدولة، لأنها تكشف قدرة السلطة على عقد تفاهمات، وطمأنة شركاء، واحتواء خصوم، من دون أن تفقد السيطرة في الداخل. ويقدّم تحليل سياسات صادر عن المركز العربي للدراسات السورية المعاصرة، من إعداد الباحث سامر بكور، سرداً لمرحلة السنة الأولى بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود قيادة يصفها بالانتقالية برئاسة أحمد الشرع.

يركّز التحليل على كيفية تغيّر مقاربات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، مقابل إعادة تموضع روسي وحذر صيني، ودور أممي ينتقل من إدارة أزمة إلى مرافقة انتقال سياسي مشروط، مع إعادة تقييم منظومة العقوبات ودورها في مرحلة ما بعد الحرب.

إعادة هندسة السياسة الخارجية السورية

يرى الكاتب أن إعادة هندسة السياسة الخارجية السورية لم تُبنَ على إعلان تحالفات ثابتة، بل على براغماتية تفاوضية تحاول فكّ العزلة عبر بوابات متعددة. فبدلاً من اصطفاف واحد كما في مرحلة سابقة، تتجه دمشق، وفق الدراسة، إلى تنويع الشركاء بين واشنطن وبروكسل ولندن وعواصم عربية، مع إبقاء خطوط اتصال مع موسكو وبكين. والهدف في هذا المسار هو استعادة الشرعية الدولية وجذب التمويل وفتح قنوات إعادة الإعمار، مع الحفاظ على قدرة مناورة تمنع تحوّل الشراكات إلى وصاية أو إلى التزام سياسي داخلي لا تريده السلطة سريعاً.

وتشير القراءة إلى أن شروط الانفتاح لا تأتي من الخارج فقط. فكلما توسعت الشراكات، ارتفع سقف الأسئلة حول «حماية الأقليات»، وضبط الفصائل، ومكافحة الفساد، وتحديد مصير العدالة الانتقالية. لذا يصبح النجاح الدبلوماسي نفسه مصدراً للضغط، لأن المانحين والمؤسسات الدولية لا يواصلون الدعم من دون مؤشرات على حوكمة أكثر شمولاً وتقليل الانتهاكات. ضمن هذا السياق، تبدو إعادة هندسة السياسة الخارجية السورية محاولة لبناء شرعية عبر الخارج، لكنها شرعية مشروطة لا تعفي من اختبار الداخل ولا تختصر طريق الاستقرار.

واشنطن بين الشراكة والعقوبات

بحسب ما يورده التحليل، انتقلت المقاربة الأميركية من تعريف سورية بوصفها نظاماً معادياً خاضعاً للعقوبات، إلى صيغة شراكة أمنية اقتصادية مشروطة. يوضح الكاتب أن إدارة بايدن ركزت في المرحلة الأولى على منع انهيار أمني واسع وضمان استمرار المساعدات الإنسانية، مع إبقاء التنسيق العسكري قائماً في الشمال الشرقي حيث الوجود الأميركي منذ 2014. ثم يصف التحليل أن عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة مطلع 2025 أعادت أولوية أسلوب الصفقات، وربطت تخفيف العقوبات بتنازلات سياسية وأمنية محددة من دمشق.

ويستشهد المقال بخطوات مرتبطة بتراخيص وإعفاءات أصدرتها وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، مع إبقاء العقوبات الموجهة ضد رموز النظام السابق ومنتهكي حقوق الإنسان والشبكات المرتبطة بإيران أو التنظيمات المصنفة إرهابية.

كما ينقل تقارير عن تقليص القواعد الأميركية وإعادة تجميع القوات، وعن تعاون عملي ضد تنظيم «داعش» أكدته بيانات القيادة المركزية الأميركية وتغطيات صحفية. هكذا تتشكل علاقة لا تصل إلى تطبيع كامل، لكنها تفتح نافذة اقتصادية وأمنية ضمن سقف من الشكوك حول الشرعية السياسية، وتحوّل العقوبات إلى أداة تفاوض تمنح مكاسب مؤقتة وتضع في المقابل شروطاً يمكن العودة إليها إذا تعثر المسار.

أوروبا ولندن وشروط الرفع

يرسم التحليل انتقالاً أوروبياً بريطانياً من العزلة إلى الانخراط المشروط، مع اختلاف في اللغة والأدوات. فالتحرك الأوروبي، وفق قرارات يستشهد بها المقال، اعتمد نهجاً تدريجياً قابلاً للرجعة، علّق أو رفع قيوداً واسعة في قطاعات مثل الطاقة والنقل والمصارف، مع الإبقاء على قدرة العودة إلى العقوبات إذا تراجع مسار الانتقال السياسي أو تصاعدت الانتهاكات.

ويربط الكاتب هذا المسار بمؤتمرات دعم سورية التي تجمع تعهدات مالية كبيرة، وتقدّم خطاباً يصر على ملكية سورية للعملية السياسية، وعلى أن التعافي الاقتصادي يجب أن يترافق مع التزامات تتعلق بالشمولية والحوكمة وحماية المدنيين.

أما المملكة المتحدة، فمزجت بين حزم دعم إنساني معلنة ومراجعة نظام العقوبات الوطني بعد بريكست، بما يسمح بتخفيف قيود قطاعية مع استمرار استهداف أفراد تُنسب إليهم انتهاكات. ويقرأ الكاتب هذا المسار بوصفه محاولة لتقليل أثر العقوبات على الاقتصاد السوري الناشئ من دون التخلي عن أدوات الضغط الحقوقي.

وفي الحالتين، لا يبدو رفع العقوبات نهاية المساءلة، بل إعادة ترتيب لها، حيث يترافق تخفيف القيود الواسعة مع قابلية فرض عقوبات مستهدفة جديدة إذا وقعت انتهاكات أو تراجعت ضمانات الشمولية.

موسكو شريك حذر جديد

يلفت التحليل إلى أن روسيا واجهت، وفق توصيف المقال، ضربة سياسية بعد سقوط حليفها، لكنها اختارت عدم القطيعة. ركزت موسكو على حماية مصالحها العسكرية في قواعدها، وفتحت قنوات اتصال مع القيادة الجديدة للحفاظ على حضورها في شرق المتوسط، مع إدراك أن انكفاءها سيعني خسارة عقود ومواقع نفوذ.

وفي المقابل، تحاول دمشق، كما يعرضها الكاتب، الاستفادة من روسيا من دون العودة إلى ارتهان كامل، وهو ما يعزز منطق التنويع الذي تقوم عليه إعادة هندسة السياسة الخارجية السورية. ويبقى ملف وجود بشار الأسد في روسيا، ومطالبة دمشق بتسليمه، عاملاً يحد من عمق التقارب ويُبقي العلاقة ضمن شراكة وظيفية حذرة.

الصين والأمم وإدارة المخاطر

وفق التحليل، اختارت الصين مقاربة منخفضة الرمزية، تراقب ولا تستعجل الاعتراف الكامل، وتضع أولوية لمكافحة الإرهاب وحماية مصالحها، مع استعداد معلن للمساهمة عندما تتضح الشروط. ويعزو الكاتب هذا الحذر إلى حساسية ملف المقاتلين الأجانب وإلى أن سورية ليست ضمن أولويات بكين الاقتصادية الأولى، ما يجعل أي انخراط كبير مشروطاً بطمأنات أمنية وربحية واضحة.

وهذا التردد قد يحرم دمشق من رافعة اقتصادية ضخمة، لكنه أيضاً يقلل خطر تبعية مبكرة لشريك واحد، ويترك مساحة أكبر للاعتماد على شركاء عرب وغربيين في المدى القريب.

أما الأمم المتحدة، فيعرض المقال انتقال دورها من إدارة أزمة طويلة إلى مرافقة انتقال مشروط، مع دعوات داخل منظومة حقوق الإنسان لمراجعة أثر العقوبات على التعافي، وقرارات في مجلس الأمن تعيد توصيف المرحلة وتوازن بين السيادة ومتطلبات الاستقرار. ويشير التحليل إلى أن ملفات إقليمية، مثل العلاقة مع تركيا في الملف الكردي، وأمن الحدود، وتوترات الجولان، وحدود النفوذ الإيراني، تظل حاضرة في حسابات الانفتاح.

لذلك ينتهي الكاتب إلى أن إعادة هندسة السياسة الخارجية السورية قد تفتح أبواباً سريعة للدبلوماسية والاقتصاد، لكنها تظل قابلة للارتداد إذا لم تُترجم إلى مؤسسات داخلية أكثر ثباتاً ومسار عدالة واضح يخفف فجوة الثقة.

اقرأ أيضاً: العلاقات السورية الصينية منذ «بدء التكوين» حتى هذا الحين!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.