بيئة

البطالة في سوريا أرقام صادمة ومسارات مفتوحة على المجهول

البطالة في سوريا أرقام صادمة ومسارات مفتوحة على المجهول

بقلم: ريم ريّا

باتت البطالة في سوريا واقعاً يعيشه ملايين السوريين بتفاصيله الثقيلة. بعد عقدٍ من انتهاء الصراع السوري، وباقتصاد مثقل بالخسائر الهائلة سواء على مستوى البنية التحتية أو البنية الإنتاجية، وضعف بالاستثمار، وتسجيل تراجع بالعملة أقل ما يمكن وصفه بالحاد، لم تعد البطالة في هذه البلاد مجرد مؤشر اقتصادي يذكر على شكل نسب مئوية في التقارير الإخبارية والإحصاءات الميدانية، بل شبحاً يطارد شباب هذه البلاد.

على أرض الواقع، سوق العمل عاجز عن استيعاب القوى العاملة المتزايدة، فهو بشق الأنفس يتعامل مع المنخرطين فيه. ومع دخول سوريا مرحلة جديدة منذ أواخر عام 2024، زادت التوقعات بحصول تحسن تدريجي في البلاد، لكن سرعان ما أوقف الواقع هذه الطموحات، وكشف عن أزمة اقتصادية أعمق بكثير من أن تحل بوقت قصير. فالبطالة باتت من أبرز التحديات التي تهدد الاستقرار المجتمعي وتعيق أي مسار للتعافي الاقتصادي.

خط سير البطالة في سوريا حتى العام الحالي 2026

البطالة في هذه البلاد لم تخلق من فراغ، فمن يتتبع المسار الاقتصاد ويراقب سوق العمل السوري يلاحظ أن هذه الظاهرة ليست أزمة طارئة، بل حالة متصاعدة بشكل تدريجي عبر سنوات. لنعد إلى التسعينات من القرن الماضي تحديداً عام 1991، حيث كانت النسبة تقارب 6%، ثم مع عام 2010 ارتفعت إلى نحو 10% وفق الإحصائيات المصرح عنها، قبل أن تدخل البلاد  مرحلة الانهيار الاقتصادي بعد عام 2011 إذ تجاوزت البطالة 30% بحلول العام 2020، بسبب توقف قطاعات واسعة من الإنتاج.

ومع دخول سنوات 2024 و2025، لوحظ بشدة مفارقات واضحة في الأرقام، فقد أشارت بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن البطالة بلغت نحو 13% في عام 2024، لترتفع في عام 2025 إلى 14%، مع توقع استقرارها عند هذا الحد في العام الحالي 2026. لكن التقديرات الميدانية تشير فعلياً إلى أن المعدلات الحقيقية للبطالة في سوريا قد تتجاوز 60% في بعض المناطق، تحديداً مع انتشار العمل غير الرسمي الذي يشكل نحو 83% من سوق العمل.

في السياق ذاته، سجلت البطالة بين فئة الشباب على التحديد في عام 2025 نسبة تقارب 33.1%، وهي من أعلى النسب المسجلة على الإطلاق في المنطقة، وهذا يدل على خلل هيكلي عميق ومؤشر لاضطراب في سوق العمل. فالجامعات السورية تسجل آلاف الخريجين سنوياً، لكن بلا فرص عمل حقيقية. فضلاً عن عودة مئات آلاف اللاجئين منذ بداية 2025 ما زاد الضغط على سوق العمل السوري، في وقت لم تستعد فيه القطاعات الاقتصادية قدرتها الاستيعابية، فتوسعت البطالة ولم تعد تقتصر على فئة معينة بل شملت شرائح متنوعة من المجتمع السوري سواء من النساء أو الرجال.

اقرأ أيضاً: سوق العمل في سوريا بين الواقع والاحتمالات المستقبلية

العوامل التي أدت إلى البطالة في سوريا

في الحقيقة، الوضع في سوريا معقد اجتماعياً واقتصادياً، ما يؤدي لتداخل أسباب البطالة في البلاد، إذ يصعب فصل عامل واحد عن الآخر. لكن إن أردنا البحث في أهم العوامل التي أدت إلى تدهور الحال إلى هذا الحد، فنبدأ بالدمار الواسع الذي طال قطاعي الزراعة والصناعة، إذ خرجت آلاف المنشآت الصناعية من الخدمة وتضررت بعض المدن الصناعية بشكل كبير، وتضررت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ما أدى إلى فقدان عدد كبير من مصادر الرزق لملايين السكان.

وأتت أزمة الطاقة والمحروقات لتفرض نفسها على الواقع السوري المتأزم خلال فترات الحرب، ما رفع تكاليف الإنتاج والنقل وجعل إعادة تشغيل المصانع وإقلاعها أمراً فوق استطاعة الكثير من المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، فالبيئة الاقتصادية الحاضنة لهذه الكفاءات والبنية التحتية المؤهلة للاقلاع باتت شبه مدمرة.

من عوامل انتشار البطالة أيضاً، معاناة الاقتصاد السوري المنهك من ضعف البيئة الاستثمارية وغياب التمويل، بالتزامن مع التوترات الأمنية وغياب الاستقرار السياسي في البلاد لمدة 14 عاماً، ما دفع رؤوس الأموال للتردد والهرب. ناهيك عن وجود البطالة المقنعة، فكان هناك العديد من العاملين في وظائف لا تتطلب فعلياً هذا العدد، لا سيما في القطاعات العامة،حيث يظهر الأفراد كعاملين على الورق، لكن في الحقيقة إنتاجيتهم منخفضة، ما يخفي جزءاً من البطالة الفعلية بدل معالجتها.

يضاف إلى العوامل السابقة، تراجع المستوى التعليمي خلال سنوات الحرب وانعدامه في بعض المناطق، ما ساهم في إنتاج جيل يعاني من ضعف المهارات ويفتقر للتدريب والتأهيل الجيد، ما زاد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق السورية. كما أن عودة اللاجئين والنازحين فاقمت الضغط على سوق العمل في ظل اقتصاد متهالك يحتاج ترميم، وغير قادر على التوسع ضمن حدود السرعة المطلوبة.

تأثير البطالة على المجتمع السوري

لا تقتصر آثار ظاهرة البطالة على الاقتصاد وسوق العمل فحسب، بل تطال بشكل مباشر بنية المجتمع ككل. فارتفاع معدلات البطالة في سوريا أدى إلى تراجع مدخول السوريين بشكل حاد، إذ باتت الرواتب في أغلب الأحيان لا تغطي الاحتياجات الأساسية ولا تستمر السيولة بيد المواطن بعد منتصف الشهر، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات والسكن “إيجارات أو بيع” بشكل مستمر.

هذا الواقع دفع العديد من الأسر في البلاد، إلى الاعتماد على الحوالات الخارجية أو اللجوء إلى العمل في أكثر من وظيفة لتأمين الحد الأدنى من المعيشة. كذلك أدت البطالة إلى تأخير الزواج لدى نسبة كبيرة من الشباب، وساهمت إلى جانب عوامل أخرى في زيادة معدلات الفقر وظهور أنماط غير مستقرة من العمل، على سبيل المثال، تحولت المشاريع الصغيرة من نشاط ثانوي تكميلي إلى مصدر دخل أساسي. ومن أشد آثار ظاهرة البطالة على المجتمع السوري، أنها دفعت بعض الفئات إلى الانخراط في أنشطة غير مشروعة بسبب غياب البدائل الاقتصادية.

في الوضع الحالي في سوريا، أضعفت البطالة الشعور بالاستقرار والانتماء، ما رفع من مستويات القلق والإحباط بين فئات المجتمع السوري خاصةً فئة الشباب، الذين وجدوا أنفسهم ورغم التحصيل العلمي المرتفع والشهادات التعليمية خارج إطار سوق العمل. كما أن البطالة مؤخراً باتت تشكل تهديداً مباشراً على السلم الأهلي، فتهميش فئات واسعة من المجتمع قد يؤدي إلى تفككه وتزايد معدلات الجريمة والفساد.

ختاماً، معالجة البطالة في سوريا تحتاج إلى خطط مستدامة، وجهود مكثفة ومستمرة. ففي واقع اقتصادي واجتماعي كسوريا، مواجهة البطالة لا تتم بحل سحري أو من خلال التصريحات الرسمية بالعمل على خفضها فقط، بل من خلال البدء بمعالجة مواطن الخلل وإعادة تأهيل البنية التحتية وتحفيز الإنتاج في قطاعي الزراعة والصناعة. إلى جانب تحسين البيئة الاستثمارية وتقديم تسهيلات لرؤوس الأموال. فضلاً عن الاستثمار بالتعليم والتدريب المهني لردم الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، إضافةً إلى تقديم دعم للمشاريع الصغيرة والمتوسطة كأحد المسارات الواقعية لخلق فرص عمل سريعة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.