بقلم هلا يوسف
تعاني قرى جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي من نقصٍ مزمن في مصادر المياه، في ظل تضرر البنية التحتية وشبكات الضخ منذ عام 2013 نتيجة القصف وأعمال التخريب والسرقة. وبينما لا تتوافر ينابيع دائمة في المنطقة، تنتشر فيها أكثر من خمسة عشر راماً تشكل مورداً مائياً موسمياً يعتمد عليه الأهالي في تسيير شؤونهم اليومية.
تستخدم مياه الرامات في ري المزروعات، وتنظيف المنازل، والغسيل عند انقطاع المياه الحكومية، كما تعد مصدراً أساسياً لسقاية المواشي. وتنتشر هذه الرامات في عدد من القرى، منها كنصفرة، وبليون، والجوخي، والدعتور، حيث تتحول في مواسم الأمطار الوفيرة إلى خزانات طبيعية تحتفظ بالمياه حتى فصلي الربيع والصيف.
ومع عودة الأمطار والسيول إلى مجاريها هذا الموسم، استعادت الرامات دورها الحيوي، فكانت متنفساً للقرى المجاورة، ومصدراً يروي عطش الأشجار والبساتين، ويسد حاجة الحيوانات.
مقترحات للتوسعة بين الفائدة والمخاطر
يطالب كثير من الأهالي بتوسيع الرامات للاستفادة من مخزونها المائي خلال فصل الصيف، عبر تحويلها إلى بحيرات صغيرة دائمة من خلال تحويل مسارات الأنهار القريبة لتصب فيها، بما يسمح باستمرارها حتى الشتاء التالي. ويرى بعضهم أن إنشاء سد ترابي تجميعي قد يكون حلاً عملياً، مثلما حصل في القريتين، حيث تحولت مياه السيول إلى بحيرة دائمة تربى فيها الأسماك، لتبدو كواحة في قلب منطقة شبه جافة.
في المقابل، تم طرح حلول تقنية أخرى، مثل تبطين قيعان الرامات بلفائف نايلون مقوى تلصق بمواد خاصة لتقليل تسرب المياه إلى باطن الأرض، إضافة إلى إنشاء سياج يحميها من التلوث واختلاط المياه بالوحول.
غير أن ثمة مخاوف جيولوجية تحيط بعمليات التوسعة، إذ إن تفكيك التربة الركامية التي تحفظ المياه داخل الرام قد يؤدي إلى انهيارها وتسرب المياه إلى جوف الأرض. كما أن غياب دراسات دقيقة حول أعلى منسوب يمكن أن تبلغه المياه، واتجاهات المسيلات التي تصب فيها، يجعل أي تدخل إنشائي محفوفاً بالمخاطر.
ما هي الرامات؟
يعرف الباحث الجيولوجي ثابت الكسحة الرام بأنه خزان مائي مفتوح، قد يكون طبيعياً أو صناعياً، يتشكل في المناطق المنخفضة سواء في السهول أو الجبال لتجميع مياه الأمطار والسيول. ومع تراجع مصادر المياه النظامية، أصبحت هذه الرامات حلاً بديلاً يعتمد عليه السكان في سقاية المزروعات والمواشي وبعض الاستخدامات المنزلية.
ويشير الكسحة إلى أن مدة احتفاظ الرام بالمياه لا ترتبط بكمية الأمطار أو حجمه فحسب، بل تتأثر بطبيعة التربة والصخور المكوّنة له. فقاع الرامات قد تكون نفوذة أو كتيمة أو متوسطة النفاذية، وتعد التربة الغضارية الحمراء الغنية بمعدن “الهيماتيت” من أكثر الأنواع قدرة على منع تسرب المياه، إذ تتشبع وتتحول إلى طبقة عازلة تحفظ المياه لفترات أطول، عكس لما يعتقده البعض.
كما تلعب طبيعة الصخور وعمق الرام وشدة انحداره دوراً مباشراً في تحديد كمية المياه المخزنة وسرعة تسربها. وإلى جانب دورها الخدمي، تسهم الرامات في تغذية المياه السطحية وتحقيق توازن بين التغذية والسحب، ما ينعكس إيجابًا على التوازن المائي العام في المنطقة.
بين المنفعة والخطر
على الرغم من أهميتها لا تخلو الرامات من مخاطر حقيقية، خصوصاً في المواقع المنحدرة والعميقة وغير المسيجة. فحوافها غالباً ما تكون بمستوى الأرض، ما يصعب تمييزها، مما يعرض الأطفال والمارة، وخاصة القادمين من خارج القرية، لخطر الانزلاق أو الغرق.
وأكد وليد أصلان قائد عمليات فريق الدفاع المدني في إدلب، أن هذه المواقع تشهد إقبالاً دائماً من الأهالي، سواء للتنزه أو للاستفادة من مياهها، ما يستدعي مراقبة مستمرة وإجراءات وقائية. وقد سجلت السنوات الماضية حوادث انزلاق وغرق، لا سيما في ظل التغير المفاجئ في منسوب المياه ووجود مناطق عميقة غير ظاهرة.
ومن السلوكيات الخطرة التي أشار إليها أصلان: السباحة في أماكن غير آمنة، والقفز المباشر في المياه، والاقتراب من الرامات عند ارتفاع منسوبها، واستخدام مضخات السحب دون تأمين الموقع. ودعا الأهالي إلى مراقبة الأطفال وتوعيتهم، معتبراً أن الانتباه هو خط الدفاع الأول لحماية الأرواح. كما طالب سكان بعض القرى بتعيين حارس وتسييج الأطراف الشرقية والجنوبية للرامات الأكثر خطورة.
وقد شهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية إعادة تأهيل وتشغيل محطات “اللج” بإشراف إدارة منطقة أريحا ومؤسسة المياه في إدلب، وبالتعاون مع منظمة “غول” للإغاثة والتنمية. وشملت الأعمال محطات اللج (1 و2 و3 و4) ومحطة الآبار الثانية، تمهيداً لضخ المياه إلى قرى جبل الزاوية، بما يخدم نحو 300 ألف نسمة.
كما تم اعتماد محطة عين الزرقا كمشروع حيوي يؤمن مياه الشرب لما يقارب 70% من سكان محافظة إدلب، وتمتد تغذيته حتى مدينة معرة النعمان. وتعد قرية “اللج” بخزانها المائي وبحيرتها خطاً فاصلاً إدارياً بين محافظتي إدلب وحماة، وتشتهر بكونها مصدراً رئيسياً لري الأراضي الزراعية في جبل الزاوية ومعرة النعمان، إذ تضم أكثر من 37 بئراً ارتوازية.
في النهاية، يجب استغلال مياه الرامات في جبل الزاوية أفضل استغلال، لكون تلك المنطقة فقرة بالمياه حالياً، فمن ناحية تخفف من قلة المياه، ومن ناحية أخرى تمنح الجهات المعنية كوزارة الطاقة، وقتها لإصلاح البنية التحتية المدمرة. لكن في نفس الوقت يجب الانتباه إلى القيام بعملية التوسعة لها دون خطط مدروسة، مراعية لإجراءات السلامة، لأن ذلك قد يؤدي إلى مخاطر غير متوقعة.
اقرأ أيضاً: قرى ريف سلمية عطشى: بنية تحتية متهالكة وأحلام مؤجلة باستدامة المياه