ألعاب

العدالة الانتقالية في سوريا: من كشف الحقيقة إلى جبر الضرر… هل تكفي المسارات الستة؟

العدالة الانتقالية في سوريا: من كشف الحقيقة إلى جبر الضرر… هل تكفي المسارات الستة؟

الكاتب: أحمد علي

لا تبدأ العدالة بعد الحرب من قاعة المحكمة وحدها. تبدأ من سؤال أمّ عن ابن لم يعد، ومن بيت صودر ولم يرجع، ومن ناجٍ يعرف اسم جلاده لكنه لا يعرف إن كان القانون سيصل إليه. لهذا تبدو العدالة الانتقالية في سوريا أكبر من ملف حقوقي، وأصعب من شعار سياسي. إنها اختبار للبلد كله، هل يستطيع الخروج من ذاكرة الدم من دون أن يدفن الحقيقة، وهل يستطيع منع الانتقام من دون أن يمنح الإفلات من العقاب اسماً جديداً؟

العدالة الانتقالية في سوريا والمسارات الستة

تتشكل العدالة الانتقالية عادة من عدة مسارات متداخلة. في الحالة السورية، يمكن اختصارها بستة عناوين كبرى، كشف الحقيقة، المحاسبة، ملف المفقودين والمختفين قسراً، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار والمصالحة المجتمعية. هذه ليست خطوات متتابعة مثل درجات السلم. هي مسارات تعمل معاً، وإذا تعطل واحد منها شدّ البقية إلى الخلف.

أُنشئت في سوريا عام 2025 هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وهيئة وطنية للمفقودين، بعد سقوط نظام الأسد وبدء المرحلة الانتقالية. كُلّفت الأولى بمعالجة انتهاكات الماضي ودعم المساءلة والمصالحة، فيما كُلّفت الثانية بالعمل على مصير المفقودين والمختفين وتوثيق الحالات وتقديم الدعم القانوني والإنساني للعائلات. هذه خطوة مؤسسية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جدية المسار. الهيئة قد تكون بداية، وقد تتحول إلى واجهة إذا ضاق تفويضها أو غابت استقلاليتها أو لم تُفتح أمام الضحايا والمجتمع المدني.

المسار الأول هو كشف الحقيقة. لا يمكن لسوريا أن تبني سردية وطنية فوق إنكار واسع. الحقيقة هنا لا تعني قصة واحدة تفرضها السلطة، بل عملية توثيق واسعة تعترف بما جرى، في السجون، والمقابر الجماعية، والمناطق المحاصرة، ومواقع القصف، ومراكز الاحتجاز، وأماكن الاختفاء. يحتاج السوريون إلى أسماء، وتواريخ، وسلاسل أوامر، ومصائر. من مات؟ من اختفى؟ من أمر؟ من نفذ؟ ومن استفاد من آلة القمع؟ من دون هذه التفاصيل، يبقى الماضي قابلاً للتلاعب، وتبقى الذاكرة سلاحاً في يد كل طرف.

لكن الحقيقة لا تنفصل عن ملف المفقودين. هذا هو الجرح الأعمق. تقديرات عدد المفقودين في سوريا تتراوح بين 120 ألفاً و300 ألف وفق ما نُقل عن رئيس الهيئة السورية للمفقودين، مع احتمال أن يكون الرقم أعلى، بينما تعمل مؤسسة أممية مستقلة أُنشئت عام 2023 على التنسيق مع الهيئة السورية لبناء سجل شامل وشبكة طب شرعي والبحث عن مصير المختفين. هذا المسار ليس إدارياً. هو مسألة إنسانية يومية. عائلة المفقود لا تستطيع أن تغلق باب الانتظار، ولا أن تحسم الميراث، ولا أن تبدأ الحداد، ولا أن تثق بدولة لا تجيبها عن السؤال الأول.

المحاسبة هي المسار الثاني، وربما الأكثر حساسية. لا عدالة انتقالية بلا مساءلة، لكن المساءلة في سوريا لا يمكن أن تكون عشوائية أو انتقائية. هناك فرق بين من خطط للقتل والتعذيب والاختفاء، ومن خدم في جهاز خوفاً أو اضطراراً، ومن ارتكب جرائم موثقة تحت أي راية كانت. العدالة تحتاج إلى سلم واضح للمسؤولية، يبدأ بالجرائم الأشد، ولا يساوي بين مستويات الفعل. المحاكمات الواسعة غير المدروسة قد تشل النظام القضائي وتدفع بعض الأطراف إلى الاحتماء بالسلاح. أما العفو العام المفتوح فيقتل الثقة من أصلها.

لهذا يجب أن تكون المحاسبة دقيقة، لا انتقامية. القضاء العادل أبطأ من الغضب، لكنه أكثر ثباتاً. يحتاج إلى أدلة محفوظة، وقضاة محميين، ودفاع قانوني، وشهود لا يخافون، وتعاون دولي مع ملفات الولاية القضائية العالمية التي بدأت قبل سقوط النظام. وإذا لم يكن القضاء السوري قادراً وحده في المرحلة الأولى، يمكن التفكير بدوائر متخصصة أو آليات مختلطة، بشرط ألا تتحول العدالة إلى تصفية سياسية.

المسار الثالث هو جبر الضرر. كثيراً ما يُختزل هذا المسار بالتعويض المالي، لكنه أوسع من ذلك. جبر الضرر قد يعني إعادة بيت، أو تعويض عائلة، أو علاج ناجٍ من التعذيب، أو دعم امرأة فقدت معيلها، أو منحة تعليم لطفل معتقل سابق، أو اعتذاراً رسمياً، أو نصباً تذكارياً، أو إلغاء آثار قانونية ظالمة صادرة بحق ضحايا. في سوريا، لا يمكن للدولة أن تعوض كل شيء. حجم الخراب أكبر من خزائنها. لكنها تستطيع أن تبدأ بالأولوية الأخلاقية، الاعتراف بالضرر، ثم بناء برامج عادلة وشفافة للفئات الأكثر تضرراً.

جبر الضرر من دون كشف الحقيقة يتحول إلى مبلغ بارد. وكشف الحقيقة من دون جبر ضرر يتحول إلى ألم موثق. لذلك يحتاج المساران إلى بعضهما. من يعرف أن ابنه قُتل تحت التعذيب لا يريد شهادة وفاة عادية فقط. يريد اعترافاً، ومحاسبة، وحقاً في الذاكرة، وضماناً ألا يمر ابنه كرقم في أرشيف كبير.

المسار الرابع هو إصلاح المؤسسات. هذا هو المسار الذي يحدد إن كانت العدالة ستمنع تكرار الجريمة أم ستكتفي بوصفها. الأجهزة الأمنية، القضاء، الشرطة، السجون، الجيش، والبيروقراطية التي كانت تنتج الخوف أو تغطيه، لا يمكن أن تبقى كما هي مع تغيير الأسماء واللافتات. الإصلاح يعني تدقيقاً في المسؤوليات، وإبعاد المتورطين في الانتهاكات الجسيمة، وتدريباً جديداً، ورقابة مدنية، وفتح السجون أمام التفتيش، وحظر الاعتقال السري، وربط الأجهزة بالقانون لا بالأوامر المغلقة.

هذا المسار هو الأصعب لأنه يهدد مصالح داخل الدولة الجديدة والقديمة معاً. كثيرون يفضلون عدالة رمزية لا تقترب من البنية. لكن السوريين يعرفون أن الرعب لم يكن نتيجة أفراد فقط، بل نتيجة نظام عمل، تقارير، أفرع، أوامر، قضاة استثنائيين، وسجون بلا رقابة. إذا لم يتغير النظام الذي أنتج الانتهاك، ستبقى العدالة نصفية.

المسار الخامس هو ضمانات عدم التكرار. هذه العبارة تبدو قانونية، لكنها في الواقع تعني شيئاً بسيطاً، ألا يعود السوري إلى الخوف نفسه بعد سنوات. الضمانات تبدأ بالدستور والقانون، لكنها لا تنتهي عندهما. تشمل حرية الإعلام، واستقلال القضاء، وحق التنظيم، والتعليم الذي يعترف بما جرى، ورقابة البرلمان، وتوزيع السلطة، ومنع احتكار السلاح خارج الدولة، وحماية الأقليات، وفتح المجال العام أمام الضحايا لا أمام المنتصرين فقط.

هنا تلتقي العدالة الانتقالية مع السياسة. لا يمكن ضمان عدم التكرار في دولة مغلقة. ولا يمكن منع الثأر في دولة لا تسمع الضحايا. ولا يمكن بناء مصالحة في ظل خطاب يبرر انتهاكات طرف ويتجاهل انتهاكات طرف آخر. لذلك حذرت منظمات حقوقية من أن حصر تفويض العدالة الانتقالية بانتهاكات جهة واحدة فقط قد يقصي ضحايا آخرين، ويضعف ثقة المجتمع بالمسار كله.

المسار السادس هو المصالحة، لكن هذه الكلمة يجب أن تُستخدم بحذر. المصالحة ليست دعوة للنسيان. وليست صورة تجمع شيخاً وضابطاً وناجياً أمام الكاميرا. المصالحة الحقيقية تأتي بعد الاعتراف، وبعد الحد الأدنى من المساءلة، وبعد وقف التهديد. أما المصالحة المبكرة، المفروضة من فوق، فقد تتحول إلى ضغط على الضحايا كي يصمتوا باسم السلم الأهلي.

في سوريا، المجتمعات لا تحمل الذاكرة نفسها. هناك مناطق عاشت حصاراً وقصفاً، وأخرى عاشت خوفاً من الانتقام، وأخرى سُحقت بين سلطات متعددة. لذلك لا توجد وصفة واحدة للمصالحة. بعض القرى تحتاج إلى حوار محلي. بعضها يحتاج إلى حماية أمنية. بعضها يحتاج إلى عودة ممتلكات. وبعضها لا يستطيع البدء قبل معرفة مصير المفقودين. المصالحة لا تبدأ من عبارة “لنفتح صفحة جديدة”، بل من السؤال الصعب، ماذا كُتب في الصفحة القديمة، ومن يتحمل مسؤوليته؟

هل تكفي المسارات الستة؟ الجواب المباشر، لا. لا تكفي إذا بقيت عناوين. وتكفي جزئياً إذا تحولت إلى خطة وطنية قابلة للتنفيذ، بميزانية، وقانون، ومواعيد، وهيئات مستقلة، ومشاركة واسعة للضحايا. العدالة الانتقالية ليست قائمة أمنيات. هي إدارة دقيقة للصراع بين الذاكرة والاستقرار، بين حق الضحية وخوف المجتمع من انفجار جديد، بين الحاجة إلى المحاسبة والحاجة إلى استمرار الدولة.

المشكلة أن سوريا لا تملك رفاهية الانتظار. كل تأخير في ملف المفقودين يقتل عائلات مرة أخرى. كل تأخير في المحاسبة يفتح باب الانتقام. كل تأخير في إصلاح المؤسسات يسمح للعادات القديمة بأن تلبس ثوباً جديداً. لكن السرعة غير المحسوبة خطرة أيضاً. العدالة المتسرعة قد تتحول إلى ثأر، والعدالة البطيئة قد تبدو إفلاتاً من العقاب. بين الاثنين تحتاج البلاد إلى تدرج واضح ومعلن.

الخلاصة أن العدالة الانتقالية في سوريا ليست ملفاً جانبياً في المرحلة الانتقالية. هي قلبها. من دونها ستبقى الدولة الجديدة مهددة بالماضي، وسيبقى السلاح مبرراً بالخوف، وستبقى العائلات تبحث وحدها. المسارات الستة ضرورية، لكنها ليست ضمانة بحد ذاتها. الضمانة هي أن تُبنى حولها إرادة سياسية، واستقلال قضائي، ومشاركة للضحايا، ورقابة مجتمعية، ودعم دولي لا يصادر القرار السوري.

البلد لا يحتاج إلى عدالة مثالية كي يبدأ. يحتاج إلى عدالة صادقة. عدالة تقول الحقيقة، تحاسب بميزان، تجبر الضرر قدر الإمكان، تبحث عن المفقودين بلا مساومة، وتصلح المؤسسات التي صنعت الخوف. عندها فقط يمكن للانتقال أن يصبح أكثر من تغيير سلطة. يمكن أن يصبح خروجاً حقيقياً من زمن الجريمة إلى زمن الدولة.

اقرأ أيضاً: إحاطة جنيف: ماذا عن “مؤشر الشرعية” في سوريا.. من العدالة الانتقالية إلى إصلاح الأمن!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.