شركات

الليرة الجديدة بين الثقة والتعثر: لماذا مُددت مهلة استبدال العملة؟

الليرة الجديدة بين الثقة والتعثر: لماذا مُددت مهلة استبدال العملة؟

الكاتب: أحمد علي

لا تبدأ أزمة العملة من الورقة التي يحملها الناس في جيوبهم. تبدأ من الثقة التي تجعلهم يقبلونها بلا سؤال، ومن السوق الذي يحدد قيمتها كل صباح، ومن المصرف الذي يفترض أن يكون المكان الطبيعي لحفظ المال لا محطة قلق. لهذا لا يبدو تمديد مهلة استبدال الليرة السورية القديمة حتى نهاية حزيران 2026 إجراءً فنياً فحسب. إنه إشارة إلى أن الانتقال إلى الليرة الجديدة يمضي، لكنه لا يمضي بالسهولة التي افترضتها الخطة الأولى.

العملة لا تتغير بالأصفار وحدها

دخلت الليرة الجديدة التداول مع بداية كانون الثاني 2026، بعد حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة. وفق الآلية المعلنة، تعادل كل ليرة جديدة 100 ليرة قديمة، من دون أن يعني ذلك تغييراً مباشراً في القوة الشرائية. المقصود، في الخطاب الرسمي، هو تبسيط الأرقام، وتسهيل التعاملات، وسحب كتلة نقدية قديمة ارتبطت بسنوات التضخم والتراجع الحاد في قيمة العملة.

لكن حذف الأصفار لا يحل المشكلة وحده. الرقم يصبح أقصر، أما العبء المعيشي فيبقى على حاله إذا لم تتغير الأسعار والدخول والإنتاج وسعر الصرف. المواطن الذي كان يدفع مبلغاً كبيراً بليرة قديمة سيدفع مبلغاً أصغر شكلاً بليرة جديدة، لكنه سيقيس النتيجة بما يشتريه فعلاً لا بما يراه على الورقة. هنا تصبح الليرة الجديدة امتحاناً للثقة أكثر منها تمريناً حسابياً.

كانت الخطة تقوم على فترة تعايش بين العملتين، ثم سحب القديمة تدريجياً. لاحقاً مُددت المهلة ستين يوماً اعتباراً من 1 نيسان، ثم أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية تمديداً جديداً لمدة ثلاثين يوماً، من 1 حتى 30 حزيران 2026. المصرف ربط القرار بالتقدم الجيد في عملية الاستبدال، وبالحاجة إلى إتاحة وقت إضافي للمواطنين عبر فروع المصارف وضمن الضوابط القانونية. هذه الصياغة هادئة، لكنها تقول ما يكفي. العملية تقدمت، لكنها لم تكتمل بالسرعة المطلوبة.

لماذا احتاجت المهلة إلى تمديد؟

توضح الأرقام جانباً من السبب. نقلت تقارير عن المصرف المركزي أن ما جرى استبداله وصل إلى نحو 56 بالمئة من الكتلة النقدية القديمة حتى مطلع أيار، بعدما كانت تقديرات سابقة تتحدث عن 35 بالمئة من كتلة نقدية قديمة قُدرت بنحو 42 تريليون ليرة سورية. وتحدثت بيانات منشورة عن تدفقات يومية إلى المصارف تراوحت بين 12 و13 مليار ليرة قديمة، مع توجه لافتتاح مراكز إضافية في مناطق مثل الحسكة والرقة.

هذه ليست أرقاماً صغيرة. لكنها تعني، في الوقت نفسه، أن جزءاً واسعاً من النقد بقي خارج القنوات المصرفية خلال الأسابيع الأولى. هناك أموال في البيوت. وهناك مناطق لا تصل إلى المصارف بسهولة. وهناك مواطنون لا يثقون تماماً بإدخال مدخراتهم إلى النظام المصرفي، أو يخشون السؤال عن مصدر المال، أو لا يعرفون التفاصيل الدقيقة لآلية الاستبدال. في اقتصاد عاش طويلاً على النقد المباشر، تصبح العودة إلى المصرف خطوة نفسية قبل أن تكون إجراءً مالياً.

المشكلة أعمق من طباعة أوراق جديدة وتوزيعها. يجب أن تصل الورقة الجديدة إلى كل محافظة وبلدة وسوق، وأن تعود الورقة القديمة من كل يد إلى المصرف، من دون أن يشعر الناس بأن أموالهم مهددة أو أن الوقت ضيق. هذه عملية ضخمة في بلد خرج من سنوات طويلة من الاضطراب، وضعف الخدمات، وتفاوت السيطرة الإدارية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

كلما طال تعايش العملتين زادت الحاجة إلى وضوح أكبر في الفواتير والأسعار والحسابات. المحال التجارية والموظفون والزبائن يعيشون مرحلة تحويل مستمرة بين القديم والجديد. الخطأ وارد، والاستغلال وارد أيضاً. لذلك لا تكفي البيانات العامة عن نسب الاستبدال. المطلوب أن يعرف المواطن ماذا يحدث بعد 30 حزيران، وكيف يتصرف إذا بقيت لديه مبالغ قديمة، وما الضمانات التي تمنع تحويل نهاية المهلة إلى ضغط اجتماعي جديد.

بين المرونة وكلفة الانتظار

يمكن النظر إلى التمديد بوصفه قراراً ضرورياً. فإغلاق المهلة قبل أن يتمكن عدد كافٍ من الناس من استبدال أموالهم كان سيعني عملياً معاقبة الفئات الأضعف، خصوصاً من يعيشون بعيداً عن المراكز المصرفية أو من يحتفظون بمبالغ صغيرة لا تستدعي، في نظرهم، رحلة طويلة إلى المصرف. من هذه الزاوية، يعطي التمديد رسالة مطمئنة نسبياً: لن تُبطل أموال الناس على عجل.

لكن التمديد يحمل كلفة أيضاً. فكل تمديد إضافي قد يضعف انضباط الجدول الزمني إذا لم يُشرح بوضوح. قد ينتظر البعض مهلة جديدة. وقد يستخدم آخرون حالة الانتظار لفرض خصومات غير رسمية على العملة القديمة أو رفع أسعار بذريعة الارتباك. السياسة النقدية تحتاج إلى مرونة، لكنها تحتاج أيضاً إلى موعد نهائي لا يبدو قابلاً للتمدد بلا نهاية.

التحدي الحقيقي هو أن لا تتحول الليرة الجديدة إلى تغيير شكلي. نجاحها لا يقاس بجمال التصميم ولا بحذف صفرين، بل بقدرتها على الاستقرار في السوق. فإذا بقيت الأسعار تتحرك بسرعة، وإذا ظل الناس يحتفظون بالدولار أو الذهب كملاذ أكثر أماناً، وإذا بقيت المصارف بعيدة عن الحياة اليومية، فلن تكون المشكلة في اسم العملة بل في البيئة التي تعمل داخلها.

لهذا يحتاج المصرف المركزي إلى ما هو أكثر من تمديد المهلة. يحتاج إلى حملة معلومات دقيقة، ومراكز كافية، وسقوف واضحة، وإجراءات سهلة للناس العاديين، مع رقابة على التسعير خلال مرحلة التعايش. كما تحتاج الحكومة إلى ربط الإصلاح النقدي بسياسات إنتاج وسعر صرف وثقة مصرفية. فالعملة لا تُحمى من داخل المصرف فقط، بل من قدرة الاقتصاد على إعطاء معناها اليومي.

الخلاصة أن تمديد مهلة استبدال العملة السورية حتى نهاية حزيران ليس فشلاً كاملاً ولا نجاحاً مكتمل الشروط. هو خطوة بينهما. يخفف ضغط الوقت، لكنه يكشف صعوبة الانتقال من اقتصاد نقدي مرهق إلى نظام أكثر تنظيماً. فإذا انتهت المهلة بسلاسة، وبقيت الثقة حاضرة، سيُقرأ التمديد كقرار واقعي. أما إذا بقيت الليرة الجديدة معلقة بين الشك والسوق المرتبك، فسيظهر أن المشكلة لم تكن في المهلة، بل في الثقة التي لم تُستبدل بعد.

اقرأ أيضاً: مصرف سوريا المركزي يمدد مهلة استبدال العملة لمدة شهر إضافي

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.