لم يكن ملف المنشآت السياحية المتوقفة بعيداً يوماً عن التصريحات الحكومية في سوريا، ففي كل فترة يعود الحديث عن: “إعادة التفعيل” و”تحريك المشاريع المتعثرة” و”إحياء القطاع السياحي” فيما تبقى معظم هذه المنشآت خارج الخدمة ولسنوات طويلة.
ومع إعلان وزارة السياحة السورية نيتها مجدداً إعادة تشغيل المنشآت السياحية المتوقفة منذ عام 2006 يعود الملف إلى الواجهة وسط تساؤلات متكررة حول ما إذا كانت هذه الخطط ستنتقل أخيراً من التصريحات الرسمية الموسمية إلى التنفيذ الفعلي أم أن القطاع السياحي لا يزال يدور في دائرة الوعود المؤجلة؟
منشآت متوقفة منذ 2006.. ماذا حدث؟
تشير وزارة السياحة السورية إلى أن عدداً من الفنادق والمنشآت السياحية التابعة للقطاعين العام والخاص بقيت خارج الخدمة منذ عام 2006 لعدة أسباب تراكمت قبل الحرب السورية وازدادت بعدها بشكل كبير.
وتضم المنشآت السياحية المتوقفة فنادق ومجمعات ترفيهية ومنتجعات ساحلية، إضافة إلى مشاريع استثمارية تعثرت بسبب التمويل أو بسبب الإجراءات الإدارية أو حتى لضعف البنية التحتية، فضلاً عن أن بعض المشاريع توقفت نتيجة خلافات استثمارية ولاحقاً بسبب دخول البلاد في أزمات اقتصادية.
وخلال السنوات التي سبقت الحرب كانت الحكومة السورية السابقة قد تحدثت عن مجموعة من الخطط لتوسيع الاستثمار السياحي من جهة ولرفع حجم الاستثمارات من جهة أخرى، إلا أن الكثير من هذه المشاريع لم يكتمل أو بقي حبراً على ورق بسبب التعقيدات الإدارية وضعف التمويل.
ومع اندلاع الحرب بعد عام 2011 تعرض القطاع السياحي لضربات قوية خاصة مع تراجع أعداد السياح بشكل كبير وتضرر عدد كبير من المنشآت بشكل مباشر أو غير مباشر في حين أن هناك مناطق سياحية خرجت بالكامل من الخدمة بسبب المعارك.
خسائر ثقيلة وأرقام غير مكتملة
تظهر الأرقام الرسمية التراجع الكبير الذي أصاب القطاع السياحي خلال السنوات الماضية ففي عام 2019 صرح وزير السياحة السوري السابق محمد رامي مرتيني أن 1468 منشأة سياحية قد خرجت عن الخدمة منذ بداية الحرب عام 2011 بينها 365 فندقاً و1103 مطاعم بالإضافة إلى تضرر 403 منشأة بشكل كامل أو جزئي مما يعكس حجم الخسائر التي تعرض لها القطاع السياسي خلال سنوات الخرب الطويلة.
وتجدر الإشارة إلى أن وزارة السياحة السورية في الحكومة الحالية لم تصدر حتى الآن أرقاماً رسمية حديثة تحدد بدقة عدد المنشآت السياحية المتوقفة أو الخارجة عن الخدمة ضمن خططها في إعادة التفعيل، حيث اكتفت التصريحات بالإشارة إلى “منشآت ومشاريع متعثرة”.
وفي مقابل هذه الأرقام كانت مديرية السياحة في دمشق قد أعلنت أواخر عام 2025 أن العاصمة وحدها تضم قرابة 1075 منشأة سياحية مرخصة تتضمن 748 تشمل مطاعم وجبات سريعة وصالات شاي ومقاهٍ في حين وصل عدد منشآت المبيت إلى 327 منها 183 فندقاً بمستويات مختلفة و44 فندقاً تراثياً ويتمركز معظم هذه المنشآت في دمشق القديمة وذلك في محاولات حكومية لإعادة تنشيط القطاع السياحي بعد سنوات من التراجع.
خطة إعادة التأهيل
أكد وزير السياحة السوري مازن الصالحاني خلال مشاركته في المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص أن الوزارة بدأت بالفعل بالتواصل مع المستثمرين لإعادة تفعيل الفنادق والمنشآت السياحية المتوقفة منذ عام 2006.
وأوضح الوزير أن الوزارة كانت قد أطلقت مؤخراً برامج تدريبية مجانية عبر المعهد الفندقي بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كما تم تخصيص ألف منحة مجانية لتأهيل الكوادر البشرية اللازمة للقطاع السياحي.
وقد أشارت التصريحات الرسمية إلى أن الوزارة تعمل على وضع جداول زمنية لإعادة تشغيل المشاريع السياحية المتعثرة بحيث سيتم تقديم تسهيلات للمستثمرين الراغبين بالانضمام إلى القطاع السياحي، بالإضافة إلى امتلاك خطة تهدف إلى إعادة إطلاق المنشآت القديمة من خلال إعادة تأهيلها لتواكب متطلبات السياحة الحديثة.
تحديات كبيرة أمام عودة القطاع السياحي
على الرغم من الخطط الطموحة التي تصدرها وزارة السياحة إلا أن إعادة إحياء القطاع السياحي في سوريا ليس أمام طريق معبّد فالقطاع لا يزال يواجه تحديات كبيرة ومعقدة أبرزها البنية التحتية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة إن كان على مستوى الطرق أو الكهرباء أو المياه أو حتى شبكات النقل والخدمات.
كما أن آثار العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا تعتبر من أبرز العقبات التي تعيق جذب الشركات والاستثمارات الأجنبية خاصة أن المستثمرين يبحثون عن بيئة مستقرة أمنياً ومالياً، في الوقت الذي تحتاج به المنشآت السياحية إلى رؤوس أموال كبيرة وضخمة لإعادة تشغيلها بعد سنوات من التوقف وذلك وسط أزمات اقتصادية ومعيشية وما يرافقها من ارتفاع في تكاليف البناء.
وبناء على ذلك، فإن مستقبل القطاع السياحي في سوريا يرتبط بقدرة الخطط التي يتم مناقشتها حالياً على الانتقال من مجرد تصريحات إلى تنفيذ فعلي في ظل تحديات اقتصادية واستثمارية وبنية تحتية شبه مدمرة، وما بين محاولات إعادة تشغيل المنشآت السياحية المتوقفة وبين استقطاب الاستثمارات الجديدة يظل السؤال مفتوحاً حول إمكانية استعادة هذا القطاع لعافيته؟
اقرأ أيضاً: عن السياحة في سوريا: مؤشرات اليوم تنبِّئنا بوقائع الموسم القادم