بقلم: ريم ريّا
عصفت العديد من التغييرات الاجتماعية والاقتصادية في سوريا على مدى الأعوام الماضية، حتى باتت جريمة السرقة إحدى أبرز التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه الدولة والمجتمع معاً. إذ لم تعد حادثة عابرة يمكن تجاهلها، بل باتت في صدارة الإحصاءات الجنائية مقدمةً نفسها كظاهرة متجذرة مرتبطة بعدد من العوامل المركبة.
تشير بيانات رسمية وغير رسمية إلى ارتفاع ملحوظ في وتيرة السرقات في مختلف المدن السورية، ما يعكس هشاشة النسيج الاجتماعي وتراجع قدرة المؤسسات الأمنية على مواجهة الأسباب الجذرية للظاهرة. هذا المقال يستعرض واقع السرقة في سوريا، والإطار القانوني المعتمد لمكافحتها، العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الفرد نحو ارتكابها. إضافةً إلى عرض تجارب دولية يمكن الاستفادة منها في صياغة سياسات مواجهة فعالة.
إحصائيات 2024 – 2025 وارتفاع متواصل في معدلات السرقة في سوريا
تشير البيانات الرسمية والتقارير الإعلامية المحلية، إلى ارتفاع حاد في جرائم السرقة داخل المدن السورية خلال عامي 2024 – 2025، مع مؤشرات تظهر استمرار المشكلة على خلفية عوامل أمنية واجتماعية واقتصادية.
في العاصمة دمشق، أفاد مصدر قضائي مسؤول، بأن معدلات السرقات ارتفعت بنحو 30% في العام 2024 مقارنة بالعام 2023. مع رصد ارتفاع واضح في عمليات سرقة، مثل: كسر زجاج السيارات وسرقة كابلات وأسلاك كهربائية وغيرها من الممتلكات. كما أشار المصدر أن 60% من مرتكبي هذه الجرائم هم من الأحداث، ما يعكس تأثير الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية على الفئات الشابة والفتية. وحسب تصريحات المحامي العام في دمشق حينها، قال أنه، ينظّم يومياً ما بين 50 و70 ضبطاً من مختلف الجرائم، أكثرها سرقات ونشل، مع تسجيل 15 إلى 20 ضبطاً يومياً لجرائم السرقة وحدها في دمشق.
أما في حلب وريفها، أظهرت بيانات الشرطة المحلية تسجيل 1496 حادثة سرقة منذ بداية 2024 وحتى منتصف شهر أيار من العام نفسه، مع توقيف 150 شخصاً للاشتباه في ارتكاب جرائم متعلقة بالسرقة ومحتويات المركبات وسرقة المحروقات وأغطية القنوات وغيرها من الأفعال التي تضر بالممتلكات العامة والخاصة.
في سياقٍ متصل، وفق مؤشرات قام بها موقع “Numbeo” العالمي لمؤشر الجريمة لعام 2025، لا تزال سوريا من بين الدول ذات المعدلات المرتفعة للجريمة ضمن المنطقة العربية، حيث يظهر مؤشر الجريمة في سوريا عند حوالي 68.1 نقطة في 2025 (مقابل مستويات قياسية أقل في دول عربية مستقرة مثل قطر والإمارات). هذا الرقم يظهر استمرار شعور السكان بانعدام الأمان في الفضاءات العامة والخاصة، لاسيما خلال الفترات الليلية والمناطق ذات الرقابة الأمنية الضعيفة. وتشير بيانات أكثر تفصيلاً إلى أن دمشق وحدها سجلت مستويات مرتفعة من مؤشر الجريمة بنحو 69.1 نقطة على مؤشر Numbeo في 2025، ما يعكس زيادة إدراك السكان لوقوع السرقات وغيرها من الأشكال الإجرامية في الحياة اليومية.
لكن اللافت، هو الانتشار الواسع للحوادث في المناطق الحضرية، تحديداً سرقة أسلاك الكهرباء في أحياء متعددة عام 2025 كان أبرزها أحياء مدينة حلب، والساحل السوري لم يسلم من الأمر سواء الريف أو المدينة، والحال ليس مختلفاً في دير الزور وحماة. هذا الفعل تسبب بخسائر بملايين الليرات لمؤسسة الكهرباء السورية. في مؤشر على أن جرائم السرقة لم تقتصر على ممتلكات الأفراد، بل طالت بنى تحتية حيوية تؤثر على الخدمات العامة.
تشير البيانات، إلى أن الارتفاع في معدلات السرقة ما زال مستمراً منذ العام الماضي 2025، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، لا إحصائيات رسمية بعد، لكن تتالى كتابة الضبوط الشرطية والأخبار الصحفية عن حوادث السرقة في عموم البلاد.
اقرأ أيضاً: في محافظة اللاذقية.. المكياج في قفص الاتهام والقانون خارج القاعة
الإطار القانوني السوري في مكافحة جرائم السرقة
ينظم المشرع السوري جريمة السرقة ضمن “قانون العقوبات العام” الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949. وقد خصص لها فصلاً كاملاً يبدأ من المادة 621 وما بعدها، واضعاً بذلك تصنيفاً دقيقاً يراعي فيه: طبيعة الفعل، وسيلة ارتكابه، الظروف المحيطة به، شخصية الفاعل لاسيما في حال كان من الأحداث.
يقوم هذا الإطار على مبدأ “التدرج العقابي”، بحيث يتناسب الجرم وجسامته وخطورته على الأمن العام مع العقوبة المفروضة. إذ تنص المادة 621 من قانون العقوبات، على تعريف السرقة بأنها “أخذ مال منقول مملوك للغير دون رضاه بقصد التملك”، ويستفاد من هذا النص أن جريمة السرقة تقوم على ثلاث أركان رئيسية، الركن المادي: فعل الأخذ أو الاختلاس، الركن المعنوي: نية التملك، محل الجريمة: مال منقول مملوك للغير. غياب أي من هذه العناصر يُسقط الوصف الجرمي للسرقة.
كما نظم المشرع السرقة الجنحية البسيطة في المادة 634، ونص على: “كل سرقة لا تتوافر فيها ظروف مشددة ولم تذكر في نص خاص، تعاقب بالحبس مع الشغل من شهر إلى سنة، وبالغرامة حتى مئتي ليرة سورية”.
يشمل هذا النوع السرقات البسيطة ذات القيمة المحدودة، ويُظهر توجّه المشرّع إلى عدم المبالغة في العقوبة عندما لا يشكل الفعل خطورة اجتماعية جسيمة. كما حددت المواد 628 و629 حالات تشديد العقوبة ضمن إطار الجنحة، ورفعت الحد الأدنى للعقوبة إلى الحبس مع الشغل سنة على الأقل عند توافر ظروف معينة، أبرزها:
- وقوع السرقة ليلاً.
- ارتكابها بواسطة الكسر أو الخلع أو التسلق.
- أن يكون السارق مقنّعاً أو حاملاً سلاحاً ظاهراً أو مخبأً.
- إذا كان السارق خادماً أو مستخدماً أو عاملاً وسرق مال مخدومه أو مال الغير في مكان العمل.
- السرقة بالنشل أو الصدم أو في وسائل النقل العامة.
في هذه الحالات، يعتبر القانون أن الخطر لا يكمن في قيمة المال فحسب، بل في طريقة الاعتداء على الملكية العامة والخاصة. ومن أخطر أشكال السرقة، السرقة الموصوفة (الجناية)، نظمتها المواد 622 حتى 625. وترتقي السرقة إلى مصاف الجناية إذا اقترنت بظروف بالغة الخطورة، مثل:
- السطو على المساكن أو الأماكن المقفلة.
- السرقة بالعنف أو التهديد أو استعمال السلاح.
- السرقة التي تقع ليلاً مع تعدد الفاعلين والتقنع.
- السرقة التي تقع في زمن اضطرابات، عصيان، أو نائبة عامة.
- سرقة السيارات أو لوحاتها.
وتنص هذه المواد على عقوبات تصل إلى لأشغال الشاقة المؤقتة من 15 إلى 20 سنة. أو الأشغال الشاقة المؤبدة في الحالات الأشد خطورة. ويعكس هذا التشديد اعتبار المشرع أن هذا النوع من السرقات لا يمس الأفراد فقط، بل يهدد النظام والأمن العام.
كما نظم القانون السوري، الحوادث المتعلقة بسرقة الطاقة الكهربائية وعاقب عليها بالحبس لمدة ستة أشهر إلى سنة. أما السرقة المرتكبة من قبل الأحداث فلا تفرض ملاحقة جزائية على من لم يتم السابعة من عمره، في حين تطبق تدابير احترازية على من أتم السابعة من عمره أبرزها الإيداع في دور إصلاح. أما الأحداث بين 15 – 18 سنة، فتخفض العقوبة إلى النصف من العقوبة المقررة للبالغين عند ارتكاب الجنايات، لكن في حال الأحداث يُغلب الطابع الإصلاحي على العقابي.
يظهر لنا من عرض الإطار القانون السوري لمكافحة السرقة، أن القانون في سوريا وفرّ إطاراً تشريعياً شاملاً ومتدرجاً، وشدد العقوبات على السرقات الخطيرة والمنظمة وراعى قضايا الأحداث. لكن المشكلة أن فعالية هذا الإطار تبقى مرهونة بحسن التطبيق، وسرعة الفصل القضائي، ففي حال أرادت الجهات المعنية كبح السرقة وفق الإطار القانوني، يتحتم عليها الإسراع في تطبيق الأمرين آنفي الذكر (التطبيق القانوني، الشق القضائي).
إلى جانب العمل على تكامل القانون وتوازيه مع اتباع سياسات اجتماعية واقتصادية وقائية، كالرعاية الاجتماعية ومكافحة البطالة. فالقانون، مهما اشتد لا يمنع الجريمة في حال ترك وحيداً في مواجهة الفقر والتفكك الاجتماعي والبطالة.
جريمة السرقة والمجتمع.. كيف يمكن ضبطها؟
إن الأدبيات البحثية في علم الجريمة بتعدد وجوهها، تكشف وتؤكد لنا أن المجتمع يشكل خط الدفاع الأول في مكافحة الجرائم لاسيما جريمة السرقة تحديداً. وهنا لا بوصفه مكملاً للقانون فقط بل كعامل وقائي مستقل.
فقد خلصت دراسة “Community Crime Prevention: A Review and Synthesis of the Literature” الصادرة عن مكتب برامج العدالة التابع لوزارة العدل الأميركية (Office of Justice Programs – DOJ) عام 2008 إلى أن المجتمعات التي تمتلك شبكات تواصل محلية فعالة، ولجان أحياء نشطة مع توفر الثقة المتبادلة بين السكان، تسجل انخفاضاً ملحوظاً في معدلات السرقات مقارنةً بالمناطق التي يغيب عنها التنظيم المجتمعي، حتى مع تشابه الظروف الاقتصادية.
تدعم نتائج الدراسة الأمريكية، نموذج Chicago Area Project الذي انطلق عام 1934 في الولايات المتحدة بقيادة باحثين من جامعة شيكاغو، والذي أثبت عبر عقود أن الاستثمار في الشباب، وبناء شبكات دعم محلية، وتعزيز الشعور بالانتماء، يقلل من الجرائم ضد الملكية دون الحاجة إلى تصعيد أمني دائم.
ليأتي علم الاجتماع ويؤكد ما سبق، من خلال دراسة عالم الاجتماع روبرت سامبسون وزملائه في بحثهم الشهير “Neighborhoods and Violent Crime: A Multilevel Study of Collective Efficacy” الصادر عام 1997 عن جامعة هارفارد، إذ أكدوا فيها أن ما يعرف ب “الفاعلية الجمعية”، بمعنى أبسط، استعداد السكان للتدخل الإيجابي وحماية المجال العام، يرتبط بشكل عكسي بمعدلات الجريمة ومن ضمنها السرقة، بغض النظر عن مستوى الفقر.
أما على الصعيد الأوروبي، أظهرت دراسة تم نشرها عام 2023 في مجلة Security Journal حول برامج الوقاية المجتمعية في السويد أن تحسين بيئة الأحياء، وتنظيم قنوات إبلاغ مجتمعية، وتعزيز الشراكة بين السكان والسلطات المحلية، أدى إلى تراجع سرقات الممتلكات في “نقاط الخطر” بنسبة تجاوزت 20% خلال عامين من التطبيق.
انطلاقاً، من نتائج الدراسات التي قمنا بعرضها، ولنعتبرها أدلة ممكن البناء عليها، فإنه لا يطلب من المجتمع دور رمزي أو أخلاقي فقط “واعظ”، بل تترتب عليه مسؤوليات عملية واضحة، مثل تنظيم ذاته بدءاً من الحي. وفي سوريا تحديداً يجب كسر ثقافة اللامبالاة الدخيلة على المجتمع السوري، والمتمثلة في غياب المساعدة أو التحرك في حال لم يكن التعرض للموقف بشكل شخصي. وعلى السوريين أن يعوفوا أن مسؤولية حماية الفضاء العام لا تقع فقط على الدولة، بل عليهم كأفراد، وعلى الأسر تقع مسؤولية دعم ونجدة الشباب المعرضين للانحراف لا نبذهم وشحنهم أكثر. يجب الاعتراف أن ظاهرة السرقة تهديد جماعي وليس حادثة فردية، فحين ينسحب المجتمع من دوره لا يكفي القانون وحدة.
مقاربات ناجحة لمكافحة السرقة في المنطقة
أظهرت التجارب الإقليمية أن النجاح في خفض معدلات السرقة لا يرتبط بعامل واحد، بل بحزمة من السياسات المتكاملة. على سبيل المثال، دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد أعلنت شرطة الشارقة أن عدد الجرائم المبلغ عنها انخفض بنسبة 22% في النصف الأول من عام 2025، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وأشارت الجهات المختصة إلى أن انخفاض عدد البلاغات يعود إلى عمل رجال الأمن على مدار الساعة، ووجود نقاط تفتيش متطورة في مختلف المناطق، والدوريات الميدانية، وخطط الانتشار الميداني الشاملة.
كما تصدرت الإمارات الدول العربية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي منها “قطر”، مؤشر الدول الأكثر أماناً لعام 2025، فيما جاءت الامارات بالمركز الـ 25 عالمياً، وذلك وفق مؤشر السلام العالمي الذي نشرته منصة (Movingto) البرتغالية للأبحاث والاستشارات القانونية وشؤون الهجرة، في تموز 2025، ويقيس معدل الجريمة في كل دولة ومدى الاستقرار السياسي، والسلامة الصحية والبيئية.
في السياق ذاته، حصلت الإمارات على إجمالي 71 نقطة للتصدر على جميع البلدان العربية من حيث معدل الأمان، و73 نقطة في معدل الجريمة، و74 نقطة في الاستقرار السياسي، و70 نقطة في السلامة الصحية، و72 نقطة في السلامة البيئية، لتتفوق على جميع دول الخليج مثل قطر، وسلطنة عُمان، والكويت، والسعودية، والبحرين.
وبمؤشر آخر، صنفت الإمارات أكثر الدول أماناً في العالم في منتصف عام 2025، إذ جاءت في المركز الأول بعد أن سجلت 85.2 نقطة في مؤشر الأمان الصادر عن منصة (Numbeo) المعنية بجمع البيانات من المستخدمين حول العالم. تعود أسباب انخفاض معدل الجريمة في الإمارات بما فيها السرقة، إلى قوانينها الصارمة، وقوة شرطتها، وسياستها التي لا تتسامح مطلقاً مع الجريمة، إلى جانب استخدامها لتقنيات المراقبة المتقدمة.
وتطل المغرب كنموذج عربي أيضاً شهد انخفاضاً لمعدلات الجريمة بشكل عام والسرقة بشكل خاص، فقد كشفت المديرية العامة للأمن الوطني عن مؤشرات ونوعية جرائم 2025، وقالت أن سنة 2025 سجلت 95% كمعدل للزجر في المظهر العام للجريمة.
أفادت المديرية العامة للأمن في المغرب، بأنّ سنة 2025 سجلت استقراراً وثباتاً في إجمالي عدد القضايا المسجلة التي ناهزت 779 ألفاً و8 قضايا، بينما تم تسجيل تراجع ملحوظ بنسبة أقل من 10% في مؤشرات الجريمة العنيفة التي تمس بالأمن العام “أمن المواطنات والمواطنين”. وأشارت إلى تراجع إحصائيات مختلف قضايا السرقة المشددة، حيث انخفضت السرقات تحت التهديد بنسبة 24%، والسرقات بالعنف 6%، والسرقات بالكسر وغيرها من ظروف التشديد بحوالي 12%. وتم تسجيل هذه السنة 95 %كمعدل للزجر في المظهر العام للجريمة، وهو المستوى الذي شهد منحى تصاعدياً خلال السنوات التسعة الأخيرة.
يرجع هذا التقدم في المغرب إلى الجهود الأمنية المعمول بها على أرض الواقع والمستندة إلى القانون في التطبيق، فقد أفادت مصالح الأمن الوطني في العام الماضي 2025، أنها عملت على استهداف وتفكيك الشبكات الإجرامية المتخصصة في هذا النوع من الجرائم، حيث تم تفكيك 1.112 شبكة إجرامية وتوقيف 1.737 شخصاً يرتبطون بها، إضافةً إلى حجز 166 سيارة و112 دراجة نارية استعملت في تنفيذ هذا النوع من الجرائم.