مقال رأي – أوديت الحسين – بين «لازم يحترمونا» و«هذه حريتي الشخصية».. سوريا وخطر التحول «لغيتوات اجتماعية»
كل عام، ومع حلول شهر رمضان، يعود النقاش ذاته إلى الواجهة. يظهر صوت يقول: «يجب احترام الصائمين وعدم الأكل علناً/جهاراً من غير الصائمين». وفي المقابل يظهر صوت آخر يقول: «هذه حرية شخصية ولا يحق لأحد فرض الصيام على الآخرين، والأكل لا يفترض به جرح مشاعر أحد يختار الصيام». وبين هذين الموقفين يتحول النقاش سريعاً إلى توتر اجتماعي، وأحياناً، وبفعل عوامل مساعدة كثيرة، إلى اتهامات متبادلة. لكن هذا العام بالتحديد، يبدو أن هذا الموضوع يثير قلاقل أكبر بين السوريين، وهو أمر يستحق أن نوليه الاهتمام، ليس من باب الهجوم على أحد، ولا على فكر أحد، بل من باب محاولة فهم ما يحصل بعيداً عن شدّ العصب الذي يحدث عبر السوشيال ميديا، خاصة أنّ ما يحدث قد يوصلنا في النهاية إلى «غيتوات اجتماعية».
المثير للاهتمام أنّ رمضان هذا حمل معه توتراً أعلى من رمضان الماضي في هذا الخصوص، رغم أنّ رمضان الماضي كان فيه انفلاتات أمنية أعلى من الحالي.
في الحقيقة إذا أردنا التعامل مع المسألة بجدية، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه ليس: من المنتصر في هذا الجدل؟ بل: كيف يمكن إدارة الاختلاف في مجتمع متنوع دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى صراع فاعل أو خامد؟
الدين والناس…
لا بدّ لاستكمال الصورة أن نتطرّق إلى رأي الإسلام – السنّي – في مسألة الإفطار العلني في رمضان، والسبب في ذلك أنّ الذين يدافعون عن منع الإفطار العلني في سوريا اليوم، ويطالبون بمعاقبة من يخالفه، ينطلقون من رؤية يدّعون بأنّها «إسلامية-سنيّة».
الصيام في الإسلام عبادة فُرضت على المسلمين تحديداً، وهو ما يظهر بوضوح في النص القرآني نفسه. يقول القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183). الصيغة هنا صيغة خطاب محددة في القرآن، إذ يبدأ التكليف بعبارة «يا أيها الذين آمنوا»، أي أن الفريضة موجّهة إلى المؤمنين أنفسهم. ولهذا يتعامل المفسرون مع الآية بوصفها فرضاً دينياً على المسلمين، باعتبارهم المخاطَبين بالنص.
وبالمعنى نفسه، لا يظهر في القرآن نص يفرض الصيام على غير المسلمين أو يطلب منهم إخفاء طعامهم في نهار رمضان. فالنص يحدد الواجب الديني للصائم، لكنه لا يضع تنظيماً مباشراً لسلوك غير الصائمين. ويأتي هذا الفهم منسجماً أيضاً مع قاعدة قرآنية عامة في التعامل مع المعتقدات، وهي قوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» (البقرة: 256).
بل عند البحث عن أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، نجد حديثاً يدور عن مسلمين مؤمنين بعضهم غير صائم لأنّهم على سفر، وعن التسامح فيما بينهم. روى أنس بن مالك: «سافَرْنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فمنَّا الصائمُ ومنَّا المُفطِرُ ومنَّا المُقصِرُ، فلم يَعِبْ واحدٌ منَّا على صاحبِه» (أخرجه بخاري ومسلم).
من هنا يمكن فهم أن النقاش الذي يظهر في المجتمعات المسلمة حول الأكل العلني في رمضان لا يعود في جوهره إلى نص ديني صريح، بل إلى تداخل ثلاثة مستويات مختلفة: النص الديني الذي يحدد الفريضة، والاجتهاد الفقهي الذي حاول تنظيم المجال العام في المجتمعات المسلمة، ثم العرف الاجتماعي الذي تشكل عبر الزمن حول حرمة الشهر ومكانته في الحياة العامة. وعندما تختلط هذه المستويات الثلاثة ببعضها، يتحول النقاش أحياناً من مسألة اجتماعية قابلة للنقاش إلى صراع يُنسب خطأً إلى الدين نفسه.
ينبغي التمييز هنا بين النص الديني وبين الاجتهادات الفقهية التي ظهرت لاحقاً لتنظيم الحياة الاجتماعية. ففي هذه المسألة لم يتشكل موقف فقهي واحد تماماً، بل انقسم الفقهاء إلى اتجاهين، ولكل اتجاه تأويلاته واستدلالاته من النصوص والواقع التاريخي للمجتمعات الإسلامية.
فبعض الآراء الفقهية مالت إلى منع الأكل العلني في المجتمع المسلم خلال نهار رمضان، لا بوصف ذلك إلزاماً لغير المسلم بالصيام، بل باعتباره حماية لما اعتُبر حرمة عامة للشهر في المجال الاجتماعي، وأن على غير المسلمين أن يدركوا شرائع المسلمين، ومن أهمّ هؤلاء الشيخ ابن عثيمين.
في المقابل، ذهب عدد من علماء الدين المعاصرين إلى التشديد على أن هذه المسألة لا ينبغي أن تتحول إلى تضييق على الناس أو إلى فرض ديني غير مباشر. وقد عبّر شيخ الأزهر أحمد الطيب عن هذا الاتجاه بوضوح عندما قال إن التضييق على غير المسلمين في رمضان بسبب الأكل «لا يليق ولا يمت إلى الإسلام من قريب أو بعيد»، وهي عبارة تختصر رؤية دينية معتدلة ترى أن الإيمان لا يُفرض بالإكراه الاجتماعي.
هذا التمييز مهم، لأنه يوضح أن النقاش لا يدور حول أصل العقيدة بقدر ما يدور حول كيفية تنظيم المجال العام في مجتمع متعدد، حيث تتجاور فيه المعتقدات المختلفة وأنماط الحياة المتنوعة.
عندما تتحول العادات إلى معركة
في الواقع الاجتماعي، لا تُدار هذه المسألة غالباً بهذا القدر من الهدوء. ما يحدث عادة أن تتحول العادة لدى البعض إلى معيار، ثم يتحول هذا المعيار إلى أداة ضغط اجتماعي.
يرى بعض الصائمين أن الأكل العلني تقليل من قيمة شعيرتهم، ولهذا يستفيدون من الوضع المواتي لوجودهم في السلطة، ويفرضون الأمر بطرق قسرية «الأنباء تأتي من جميع أنحاء سوريا لتؤكد أنّ بعض السلطات المحلية والأمنية اعتبرت هذه المسألة ذات أولوية شديدة، ولاحقت الناس عليها، لدرجة أنّ بعض الملاحقات طالت أشخاصاً غير مسلمين يعيشون في بيئات ذات أغلبية غير مسلمة-سنيّة، لا يصوم أهلها عادة، مثل موظفة المحكمة في مدينة سلميّة».
لكن في المقابل، يرى غير الصائم أنّ الامتناع عن الأكل في المجال العام يعني فرض عبادة عليه، وتقييد حريته.
يتحرّك الطرفان من دوافع يمكن فهمها. ولو أننا نعيش في دولة مواطنة وقانون، لكان من حقّ الطرفين أن يعبّرا عن رأيهما على شكل اختيار قانون ينظّم هذه الأمور، ويضع حدوداً واضحة لها بحيث لا تكون محلّاً لأيّ تأويل. لكنّ المشكلة اليوم تكمن في ضعف دولة المواطنة وغياب قوانين واضحة صاغها السوريون أنفسهم بشكل جماعي، ليقرروا فيها كيفيّة التعامل مع هذه المسائل، ما يعني أنّ سوريا تصبح بشكل متزايد مكاناً لفرض القوانين بشكل انتقائي، وبروز تيارٍ يجد في استخدام هذا النوع من السلوك فرصة للصعود والشهرة.
الهجرة أو الذهاب إلى «غيتو»
تظهر التجارب الحديثة في المنطقة والعالم بوضوح أن التضييق على الناس في معتقداتهم أو أنماط حياتهم لا يؤدي إلى مزيد من التدين ولا إلى مزيد من الاستقرار الاجتماعي. ما يحدث غالباً هو العكس تماماً.
عندما يشعر الناس بأن المجال العام لم يعد يتسع لهم، فإنهم يسلكون أحد طريقين:
الطريق الأول هو الهجرة إلى الخارج.
سوريون، بينهم كفاءات ومهنيون وطلاب يبحثون عن أماكن يشعرون فيها بأن حياتهم الخاصة ليست موضع رقابة اجتماعية مستمرة.
يكفينا النظر إلى التجربة الإيرانية لنأخذ العبر، هناك ما يجاوز الـ 4 ملايين إيراني هاجروا من بلادهم بعد انتصار «الثورة الإسلامية»، والسبب الرئيسي لهذه الهجرات وفق الكثير من المحللين، خاصة المهاجرين الذين لم يعودوا في أوقات السلم، هو التضييق الاجتماعي.
الطريق الثاني هو الانسحاب الاجتماعي.
الذين لا يستطيعون الهجرة خارجاً، سيسعون لنوعٍ من الهجرة داخل المجتمع نفسه، حيث يبدأ الناس بالميل للعيش داخل دوائر ومدن وأحياء مغلقة تضم أشخاصاً يشبهونهم فقط.
هنا تظهر ظاهرة ما يسمى بـ«الغيتوات الاجتماعية». كل مجموعة تعيش داخل مساحتها الخاصة، وتقل العلاقات بينها وبين بقية المجتمع. ومع الوقت تتحول هذه المسافات إلى شروخ حقيقية.
هذا النوع من الانقسام لا يُرى دائماً في البداية، لكنه مع الزمن يصبح من أخطر ما يهدد المجتمعات.
في الواقع، لا أعتقد بأنّ الذين يستخدمون نفوذهم اليوم ليفرضوا وجهات نظرهم على بقيّة السوريين، بمن فيهم المسلمون-السنّة الذين لا يوافقونهم الآراء، يهمهم قيام الناس بالهجرة إلى الخارج أو الانسحاب الاجتماعي، بل ربّما كانوا – كما يتحدّث بعضهم جهاراً – يتمنون أن يختفي من لا يوافقونهم الرأي من الوجود، لكن في الواقع، هذا ليس بالأمر الذي يجب على الدول وبناتها أن يستهينوا به.
الدرس الذي لم نتعلمه بعد
في الحالة السورية، ليست مخاوفنا نظرية. خلال السنوات الماضية عبّر كثير من السوريين عن قلقهم من أن سياسات التمييز الطائفي الذي اتبعتها السلطة السابقة ستدفع المجتمع نحو مزيد من الانقسام.
لكن السلطة السابقة لم تستمع إلى هذه المخاوف. على العكس، استمرت تقسيم السوريين على أسس طائفية آملة بأن يطيل ذلك في عمرها، ليترافق ذلك مع موجات واسعة من الهجرة. وفي كثير من الحالات تحولت الهجرة نفسها إلى مورد اقتصادي يعتمد على التحويلات المالية من الخارج.
أظهرت التجربة السورية خلال السنوات الماضية أن المجتمع نفسه يجب أن يلعب دوراً أكبر في حماية توازنه الداخلي. وعندما أتحدث عن المجتمع، أقصد هنا: المتدينين الوسطيين، سنّة أو غير سنّة، وغير المتدينين الوسطيين أيضاً، الذين يدركون أن سياسة كسر العضم لن توصل في النهاية إلى خير لهم، مهما بدا بأنّ أصحاب النفوذ وحملة السلاح قادرون على فرض ما يريدون.
إنّ مسؤولية المجتمع اليوم بألّا يسمح للتطرف، والتطرف المضاد، بالفوز. فإذا كان التطرف يسعى إلى فرض نمط واحد من الحياة، فإن الرد يكون عبر إعادة بناء قاعدة اجتماعية تتسع للجميع، وتؤدي إلى بيئة صحيّة يختار فيها المجتمع الواسع، بآليات الإدارة المختلفة، وسائل ممارسة الناس لشعائرها بحرية، وعدم السماح للساعين إلى الشهرة السهلة باستخدام هذه الشعائر كسيفٍ على رقاب العباد.
هذا التوازن ليس مثالياً ولا سهلاً، لكنه الشرط الأساسي لأي مجتمع يريد أن يبقى متماسكاً. المجتمعات القوية ليست تلك التي يختفي فيها الاختلاف، بل تلك التي تستطيع إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع. وسوريا بعد كل ما مرّت به، تحتاج إلى هذه القدرة أكثر من أي وقت مضى.
اقرأ أيضاً: مغامرة في لبنان لن تكون ضد حزب الله بل ضد السعودية وتركيا!
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.