بيئة

تدمير جسري الرقة.. حين يدفع المدنيون ثمن المواجهات العسكرية

تدمير جسري الرقة.. حين يدفع المدنيون ثمن المواجهات العسكرية

بقلم: ريم ريّا

تدمير جسري الرقة على نهر الفرات أعاد خلط الأوراق في مدينة لم تتعافَ أصلاً من آثار الحرب الطويلة. فالجسران لم يكونا مجرد ممرين إسمنتيين، بل شريانيين حيويين يربطان ضفتي المدينة، ويؤمنان حركة الأهالي والتجارة بشكل يومي.

ومع خروجهما عن الخدمة، وجد آلاف المدنيين انفسهم أمام واقع أكثر تعقيداً، رغم محاولة احتواء أزمة تدمير الجسرين عبر طرح القوارب كبديل مؤقت لعبور النهر، لكن هذا الخيار يبقى قاصراً عن تعويض بنية تحتية حيوية سواء من حيث السلامة أو القدرة الاستيعابية وحتى استدامة الحياة اليومية في مدينة تقوم حياتها على الربط بين ضفتيها.

واستهداف الجسور اليوم، يعيد للأذهان هجمات داعش عليها سابقاً التي كانت بهدف عزل المدينة وإرباك الحياة المدنية، ما يخلق تشابهاً في النتائج بالرغم من اختلاف الفاعلين والدوافع، وما يفتح نقاشاً أوسع حول كلفة العمليات العسكرية على السكان المدنيين، ومن يتحمل تبعاتها فعلياً.

تدمير جسري الرقة من قبل قسد

بتاريخ 18 كانون الثاني، فجرت عناصر تنظيم قسد جسري الرشيد القديم والجديد في مدينة الرقة، في أعقاب تقدم الجيش العربي السوري نحو مدينة الطبقة، وسيطرتها على عدة قرى وبلدات غربي المحافظة، لتعيد للأذهان ما فعله تنظيم داعش وتكرره. الأمر الذي يعد انتهاكا لأحكام القانون الدولي الإنساني، فتدمير البنية التحتية ومخالفة قواعد الضرورة العسكرية ومبدأ التناسب من الأمور المعاقب عليها بالقانون الدولي.

فمحافظة الرقة تحوي نوعين من الجسور، أولهما الجسور المشيدة على نهر الفرات كجسور عبور، والنوع الآخر الجسور الموجودة عند أقنية الري الزراعية، وعددها أكثر من 50 جسراً. واستهداف تنظيم قسد للجسور الاستراتيجية في الرقة يعد جريمة بحق المدنيين لا يبررها أي نشاط عسكري أو دفاعي.

اقرأ أيضاً: هل تُشعل الأيادي الخفية نار الحرب في سوريا؟.. الرقة ودير الزور على فوهة بركان

أهمية الجسور التي تم استهدافها.. وتبعات ذلك

شكل جسرا الرشيد القديم والجديد في الرقة أهمية استراتيجية كبرى سواء من الناحية العسكرية أو الخدمية المدنية، فهما المعبران الرئيسيان اللذان يربطان بين ضفتي نهر الفرات. وقد أدى تفجير جسري الرشيد القديم والجديد إلى قطع حركة المشاة والمركبات بين ضفتي النهر، ما وضع السكان أمام صعوبات يومية في التنقل وتلبية الاحتياجات الأساسية.

ويعود بناء جسر الرقة القديم إلى عام 1942، من قبل السلطات البريطانية أثناء دخولها إلى سوريا مع القوات الفرنسية بقيادة شارل ديغول أثناء الحرب العالمية الثانية، ويبلغ طوله نحو 630 متراً.

وما زاد الواقع مرارةً، تضرر المعابر، إذ اضطر العديد من السكان إلى استخدام قوارب برسوم مرتفعة، بينما حاول آخرون العبور عبر بقايا الجسور، في مشاهد تعكس اتساع رقعة المعاناة وتفاقم الصعوبات في وجه السكان. ونتيجةً لذلك تلجأ الشاحنات التي تفوق حمولتها أكثر من أربعة أطنان إلى الطريق القديم الواصل بين الرقة والطبقة مروراً بجسر سد المنصورة “البعث سابقاً”، الواقع على بعد 35 كيلومتراً غرب الرقة، فتقطع المسافة ذاتها من الطرف الآخر لنهر الفرات للوصول إلى الريف الجنوبي، الذي يبعد 15 كيلومتراً فقط عن المدينة، وذلك بسبب تدمير جسر الرقة الجديد المخصص للحمولات الثقيلة.

إن هذا التحول ألقى عبئاً على جسر المنصورة، الذي شهد ازدحاماً متواصلاً بسبب تنقل السكان عبره من وإلى المدينة، كونه الطريق الوحيد الواصل بين المدينة والريف الجنوبي على نهر الفرات. كما أن التدمير دفع العديد من الأهالي إلى العبور عبر القوارب البدائية بين الضفتين. وصرّح أحد السكان أن يحتاج للتنقل مسافات طويلة ليصل من جهة إلى أخرى في المدينة ما زاد من معاناته وهو صاحب محل منتجات غذائية، فبات يعاني من التنقل ومن استقدام البضائع على حدٍ سواء.

كذلك، لم تقف معاناة الأهالي عند حركة النقل فحسب، بل تعدتها إلى انقطاع المياه عن مدينة الرقة بالكامل، والسبب أن شبكات المياه الصالحة للشرب تمتد عبر البنية التحتية والإنشائية للجسر القديم، والتي تم تدميرها بشكل كامل بفعل استهدافها من قبل تنظيم قسد.

فعلى المستوى الاستراتيجي، استهداف هذه الجسور يؤدي إلى قطع الإمداد الحيوي للتزود اللوجستي والتحرك العسكري، كما تتحكم بالوصول بين ضفتي النهر والمناطق الاستراتيجية. كذلك، تستخدم  الجسور كأدوات للضغط والسيطرة، أو كأهداف عسكرية رئيسية، حيث يتيح تأمينها أو تعطيلها فرض السيطرة على حركة القوات والإمدادات.

وأما استراتيجياً، فقد تأثر انسياب الاحتياجات الأساسية للمدينة، ولا سيما إلى الضفة الشرقية، وتم إعاقة وشل حركة التنقل بالكامل سواء بالنسبة للمدنيين أو بالنسبة لحركة تنقل البضائع. ما فاقم معاناة المدينة التي لم تخرج حتى اليوم من تبعات الحرب، وما تزال بنيتها التحتية مدمرة بشكل شبه كامل.

وأدانت العديد من الجهات المحلية والإقليمية استهداف جسري الرقة، من بينها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والتي أكدت أن إقدام قسد على هدم الجسور في الرقة يثير مخاوف جدية من الناحيتين القانونية والإنسانية.

لافتةً إلى أن الجسور تصنف كمرافق مدنية بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز استهدافها إلا إذا تحققت شروط كونها هدفاً عسكرياً مشروعاً، مع مراعاة مبادئ الضرورة والتناسب، واتخاذ جميع الاحتياطات لتجنب الإضرار بالمدنيين. وأضافت أن تدمير الجسور أثناء الانسحاب لا يعد خطوة محايدة، بل يتسبب بأضرار مباشرة للمواطنين، أبرزها تعطيل الوصول إلى المراكز الطبية والخدمات الأساسية، وعرقلة حركة التنقل الآمن، وإطالة أمد النزوح.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع واشنطن كبح الاشتباك وهي الداعم الأكبر لـ «قسد»؟!

كلفة إعادة جسري الرشيد في الرقة.. وهل هناك حلول غير القوارب؟

استناداً إلى أن كلفة إعادة تأهيل جسر الرشيد الجديد من قبل الإدارة الذاتية عام 2025، بلغت نحو مليون و700 ألف دولار، وهي كلفة شاملة لأعمال إنشائية على جسر قائم جزئياً، يمكن تقدير تكلفة إعادة بناء جسري الرشيد كتقييم أولي بما لا يقل عن 3.5 إلى 4 ملايين دولار. ذلك مع افتراض اختلاف حجم الضرر وارتفاع أسعار المواد وكلفة العمل والتأمين، لاسيما أن البيئة حالياً غير مستقرة أمنياً، ناهيك عن الحاجة المحتملة لأعمال تأسيس وتدعيم حسب حجم تضرر البنية التحتية. هذا التقدير لا يشمل أي إضافات تشغيلية أو حماية عسكرية للموقع، ما يعني أن الرقم مرشح للارتفاع  في حال استمر التوتر.

وأما عن الحلول المؤقتة إلى جانب القوارب وفي ظل تعقيدات إعادة الإعمار حالياً، يمكن اللجوء إلى حلول مؤقتة أقل كلفة وأسرع تنفيذ، كإنشاء جسور عسكرية مسبقة الصنع، أو ممرات عائمة مُدعمة ومثبتة هندسياً، وربما تحسين حركة المعابر البرية وتأهيل بنيتها التحتية بصورة إسعافية حالياً، مع تحسين شبكات الطرق الداخلية لتخفيف الضغط على العبور.

إن هذه الحلول المؤقتة، قابلة للفك والنقل في حال تجددت المواجهات العسكرية، لكنها تحد من شلل الحياة اليومية دون المخاطرة الآن باستثمارات ومشاريع كبيرة في منطقة لا تزال غير مستقرة حتى الآن.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.