الكاتب: أحمد علي
يعود قانون الإدارة المحلية رقم 107 إلى واجهة النقاش السوري بوصفه مرآة صغيرة لعلاقة أكبر بين المركز والأطراف، وبين وعد اللامركزية كما كُتب على الورق وبين ما عاشته البلديات والمجالس على الأرض. والقرار الذي أعلن عنه مؤخراً حول تشكيل لجنة لتعديل القانون، مع تحديد أفق زمني لا يتجاوز ثلاثة أشهر، لا يطرح سؤالاً قانونياً فحسب، بل يضع أمام دمشق اختباراً سريعاً لمعنى الإصلاح في ملف الخدمات والتنمية والثقة العامة معاً، فهل نحن أمام معالجة تقنية لثغرات معروفة، أم أمام إعادة ضبط سياسية للإدارة المحلية في لحظة تتغير فيها أولويات الدولة وتوازناتها؟
تعديل القانون 107 ومبررات اللحظة
الخطوة الرسمية التي أعادت النقاش إلى نقطة البداية جاءت من وزارة الإدارة المحلية والبيئة عبر إعلانها بدء اجتماع اللجنة المكلفة بتعديل وتطوير القانون 107 لعام 2011، وهي لجنة تقول الوزارة إن هدفها رصد الثغرات التي ظهرت في التطبيق، من تداخل الصلاحيات إلى نقص الموارد الذاتية للوحدات الإدارية، ثم صياغة مقترحات أكثر مرونة وتوحيداً للمعايير بين المحافظات بما يساعد على إدارة الموارد وتجاوز تعثر التنسيق بين المستويين المركزي والمحلي، مع توقع أن تمتد أعمال اللجنة لثلاثة أشهر قبل بلورة التعديلات.
توقيت اللجنة لا ينفصل عن قرارات تنفيذية سبقتها وأعطت مؤشراً على اتجاه عام، أبرزها قرار تفويض المحافظين بممارسة مجموعة من صلاحيات الوزير، كما أوردته وكالة الأنباء الرسمية سانا وملخصته الوزارة نفسها، وهو تفويض يتصل بتشكيل المكاتب التنفيذية وتوزيع أعمالها، وبالتصديق على عقود الإنفاق الاستثماري والجاري، وبعقود البيع والإيجار والاستثمار في الوحدات الإدارية، إضافة إلى ملفات شؤون العاملين وغيرها، وقد قُدم ذلك بوصفه مساراً لتسريع الإجراءات وتعزيز ما سمي اللامركزية الخدمية.
من هنا يمكن فهم عبارة الثلاثة أشهر باعتبارها فترة انتقال من تفويض يوسع قدرة المحافظين على القرار اليومي إلى تعديل يطال قواعد اللعبة نفسها، وهذا الانتقال هو ما يفسر دهشة كثيرين ممن اعتادوا سماع إشارات رسمية تعتبر القانون 107 بحد ذاته إطاراً جيداً للامركزية الإدارية، إذ إن الإعلان عن التعديل يعني ضمناً الاعتراف بأن جاذبية النص لم تمنع تراكم الإشكالات، أو أن اللحظة السياسية والاقتصادية فرضت إعادة ترتيب العلاقة بين المجالس والوزارات بما يتجاوز الإدارة الروتينية.
وعد اللامركزية في النص
يستمد القانون 107 ثقله من أنه لا يقدم اللامركزية بوصفها شعاراً عاماً، بل يوزعها على مواد خدمية ومالية وتنظيمية، حتى إنه ينص على خطة وطنية للامركزية يفترض أن تُصدر ضمن إطار زمني، وأن تُترجم ببرنامج لنقل الاختصاصات إلى المجالس المحلية.
في بنية القانون نفسها، تظهر اللامركزية عبر تعريف الوحدات الإدارية بوصفها شخصيات اعتبارية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتشمل المحافظة والمدينة والبلدة والبلدية، كما يثبت فكرة أن المجلس المحلي هو تمثيل لإرادة الناخبين عبر الاقتراع العام والسري والمباشر، وهي عناصر تمنح اللامركزية بعداً مشاركاً لا يقتصر على نقل ملفات من مكتب إلى آخر.
وعندما يصل القانون إلى اختصاصات المجالس، يمنحها مساحة واسعة تشمل إدارة شؤون الإدارة المحلية ضمن السياسة العامة للدولة، والعمل على قطاعات تمتد من التخطيط والخدمات الأساسية إلى البيئة والنقل وغيرها، وهو اتساع يُفترض نظرياً أن يجعل المجلس المحلي مركز ثقل في التنمية وليس مجرد وسيط شكاوى.
وهذه الصورة تفسر لماذا صار القانون 107 مرجعاً متكرراً في النقاش السوري على اختلاف الأطراف، ولماذا تُعامل مواده أحياناً كحل وسط بين من يطلب لامركزية موسعة ومن يصر على مركزية صارمة، وهي نقطة أشار إليها تحليل بحثي سابق حين اعتبر أن المجالس المحلية التي كانت خارج سيطرة الحكومة خلال سنوات الحرب استندت إلى المرسوم 107 لتأسيس شرعيتها التنظيمية.
التطبيق الصعب وتناقض الوعود
المسافة بين النص والتطبيق هي قلب الحكاية، وهي أيضاً المفارقة التي تجعل دمشق تعيد فتح القانون بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عنه. وقد رصدت تقارير بحثية أن القانون 107 الذي صدر عام 2011 كان يفترض أن يسهل اللامركزية ويؤسس لإدارة محلية، لكن القليل تغير لأن تطبيقه بقي محدوداً إلى حد كبير، مع استمرار تأثير أدوات السيطرة المركزية على المؤسسات المحلية خلال سنوات الحرب وما بعدها.
تظهر التناقضات كذلك في تفاصيل تبدو تقنية لكنها سياسية في أثرها، مثل العلاقة بين المحافظ والمكتب التنفيذي والمجلس المحلي، فالقانون يجعل المحافظ رئيساً للمكتب التنفيذي لمجلس المحافظة، ويجعل تصديق تشكيل المكاتب التنفيذية وتوزيع الأعمال مرتبطاً بقرار الوزير أو من يفوضه، ما يعني أن حلقات اللامركزية تمر عبر مفاتيح مركزية قابلة للتفعيل أو التعطيل وفق السياق.
من زاوية أخرى، يضع خبراء الحوكمة المحلية مسألة الموارد في صدارة الإشكال، إذ يعترف الخطاب الرسمي نفسه بضعف الموارد الذاتية للوحدات الإدارية، وهو ضعف يفرغ السلطات الواسعة من مضمونها إذا بقيت المجالس عاجزة عن التمويل أو عن إدارة العقود بكفاءة، وفي هذا السياق أثارت وسائل إعلام سورية تساؤلات حول إن كانت تفويضات المحافظين خطوة ضمن تطبيق القانون 107 أم أنها إجراء إجرائي مؤقت لا يبدل جوهر اللامركزية كما وعد بها النص.
في الخلفية الأوسع، ترى ورقة سياسات مشتركة بين SALAR وLUGARIT أن مشهد الحوكمة المحلية في سوريا بات شديد التفتت، وأن ضعف سلطة الدولة المركزية أفرز نماذج بديلة وهجينة عبر المحافظات، ما يجعل أي إصلاح تشريعي فعالاً فقط إذا أخذ في الحسبان هذا التنوع وربط القانون بواقع الموارد والمشاركة المحلية.
ما الذي تريده دمشق؟
تقول القراءة الرسمية إن دمشق تريد لامركزية إدارية أكثر فاعلية من خلال إزالة ازدواجية الصلاحيات ورفع القدرة المالية والتنموية للوحدات الإدارية، وهو ما عبّر عنه مسؤول في وزارة الإدارة المحلية عندما ربط التعديل بمعالجة التداخل بين المركز والمحافظات وبزيادة استقلالية الوحدات في إدارة شؤونها.
لكن القراءة السياسية لا تختفي خلف الألفاظ الإدارية، فالإدارة المحلية ملف حساس لأنه يلامس وحدة القرار والسيادة، ولذلك برزت في الإعلام الرسمي مقاربة تعتبر القانون 107 نفسه حلاً يعزز مشاركة الناس دون فتح الباب لنماذج فيدرالية أو حكم ذاتي، وكان قد وصف الرئيس أحمد الشرع القانون بأنه يضمن تطبيق اللامركزية بنسبة كبيرة ويشكل أساساً لحماية وحدة الدولة ومنع مشاريع الانفصال.
إلى جانب ذلك، تظهر مؤشرات على بُعد انتخابي وإداري في النقاش، إذ تحدث تقرير في إحدى الصحف العربية عن وجود مشروع للانتخابات المحلية على طاولة الوزارة وربط خطوة توسيع صلاحيات المحافظين ومسار التفويض بمشروع تعديل القانون 107، ما يعني أن التعديل قد يكون تمهيداً لإعادة إطلاق المجالس أو إعادة تعريف دورها وشروط عملها قبل أي استحقاق انتخابي محلي.
مسارات تعديل محتملة ومعلنة
ما هو معلوم حتى الآن أن الوزارة تتحدث عن اتجاهين متلازمين، اتجاه يطمح إلى توحيد المعايير بين المحافظات وتحسين إدارة الموارد، واتجاه يعالج تداخل الصلاحيات بما يسمح بتجاوز عقبات التنسيق بين المركز والمحلي، وهي أهداف أعلنتها الوزارة في بيانها عن اللجنة.
على مستوى أكثر تفصيلاً، تتكرر في المواد الصحفية إشارتان، الأولى تتعلق بترشيق الإجراءات عبر نقل صلاحيات التصديق على العقود وبعض شؤون العاملين إلى المحافظين، والثانية تتعلق بإعادة النظر في تمكين المجالس المحلية نفسها في صنع القرار، وهي ثنائية تترك سؤالاً مفتوحاً حول الفائز الحقيقي من تعديل القانون 107، هل هو المواطن الذي يريد خدمة أسرع ومحاسبة أوضح، أم المحافظ الذي يحصل على مفاتيح أوسع في إدارة المال والعقود؟
غياب مسودة معلنة للتعديلات يجعل أي حديث عن مواد محددة ضرباً من الاستباق، لكن الخيط الناظم في معظم التحليلات هو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من وضوح الصلاحيات لا من توسيعها فقط، ومن بناء قواعد تمويل محلية شفافة لا من الاكتفاء بتحريك عقود الإنفاق، ومن إعادة تعريف العلاقة بين المجلس المنتخب والجهاز التنفيذي بحيث لا تتحول المشاركة إلى شكل بلا أثر ولا تتحول اللامركزية إلى إدارة أسرع بلا مساءلة.
إصلاحات مفيدة ومحاذير واقعية
أهم ما يمكن أن تقدمه الأشهر الثلاثة هو اختبار لنمط الإصلاح لا لعدد المواد المعدلة، فخبراء دوليون عملوا على الحكم المحلي في سوريا يرون أن المشهد تحول خلال سنوات الصراع إلى فسيفساء من ترتيبات رسمية وغير رسمية وهجينة، وأن العودة إلى مركزية صلبة لا تبدو قابلة للحياة أو مرغوبة، بينما تتطلب المرحلة رؤية تدريجية مبنية على واقع المحافظات وتنوع تجاربها.
هذا النوع من القراءة يطرح أجندة إصلاحية عملية يمكن لدمشق أن توظفها عند تعديل القانون 107، مثل إصدار آليات تنفيذ مرنة تراعي اختلاف الموارد والقدرات بين المحافظات، وربط نقل الصلاحيات بمعايير شفافة للبيانات والمحاسبة، وتوسيع قنوات المشاركة المحلية بما يتجاوز النخب التقليدية، وهي نقاط حذرت منها ورقة SALAR وLUGARIT عندما أشارت إلى أن تآكل المشاركة المجتمعية وغياب الشفافية يولدان فجوة بين النص والواقع، وأن الوحدات الإدارية تظل ضعيفة ما دامت تعتمد بشدة على تخصيصات المركز وتفتقر للاستقلال المالي.
في المقابل، تظهر محاذير لا تقل أهمية، فالتعديل السريع قد يتحول إلى إعادة هندسة فوقية للصلاحيات من دون قبول اجتماعي، وقد يوسع سلطة مستويات تنفيذية على حساب تمثيل محلي فعلي، وقد يعيد إنتاج تداخل الصلاحيات بصياغات جديدة إذا لم تُحسم علاقة المحافظ بالوزارات وعلاقة المجلس بالمكتب التنفيذي، كما أن تحويل اللامركزية إلى إدارة أسرع فقط قد ينجح في تقليص الروتين لكنه لا يضمن مساراً لمساءلة عادلة عن المال العام.
خلاصة الكلام أن تعديل القانون 107 ليس حدثاً قانونياً معزولاً، بل هو محاولة لإعادة تعريف الدولة محلياً خلال ثلاثة أشهر كما تقول الوزارة، وما إذا كانت هذه المحاولة ستصبح جسراً إلى لامركزية أكثر تمكيناً أو مجرد إعادة توزيع للصلاحيات داخل الهرم نفسه، سيتوقف على شفافية المسودات، وعلى قدرة التعديل على تحويل الوعد المكتوب إلى مؤسسات تمثل الناس وتمتلك موارد وتعتمد الشفافية وتخضع للمساءلة.
اقرأ أيضاً: المركزية واللامركزية.. أيهما الأصلح لسوريا ما بعد الأسد؟!