بقلم: ريم ريّا
بعد التفاؤل والانتعاش، يعيش القطاع الزراعي السوري مفارقة قاسية هذا الموسم. أمطار غزيرة، عواصف مبشرة، نسب هطول تجاوزت في بعض المناطق 100 بالمئة من المعدل السنوي، وتفاؤل حذر بإنقاذ مواسم أنهكها الجفاف. لكن هذا التفاؤل يصطدم بواقع آخر أكثر صلابة: كهرباء متوفرة جزئياً وأغلب الوقت، لكنها مسعّرة على نحو يجعل استخدامها أقرب إلى العقاب الاقتصادي منه إلى الخدمة العامة.
هنا يطرح المواطنون والمزارعون على حدٍ سواء، سؤالاً بات يتردد همساً وعلانية: هل صار توفر الكهرباء نقمة على السوريين؟
في بلد تحوّلت فيه الكهرباء من حق مشروع ومدعوم إلى امتياز يمنح، ثم إلى عبء اقتصادي، تبدو الزراعة اليوم وكأنها تُدفع دفعاً إلى حافة العزوف، لا بفعل المناخ وحده ذلك، بل كلفة الطاقة أيضاً باتت تهدد أساس العيش نفسه.
ارتفاع تعرفة الكهرباء وشكوى المزارعين.. صدمة بلا مقابل
شهد العام المنصرم 2025، إصلاحات جذرية في تعرفة الكهرباء في سويا، شملت إلغاء معظم أشكال الدعم السبقة، واعتماد نظام تسعير هرمي قائم على شرائح الاستهلاك. ووفقاً لما يؤكده مهندسون وخبراء طاقة، فقد بلغ سعر الكيلووط الساعي في الشريحة الدنيا حتى 300 ك.و.س نحو 600 ليرة سورية، بعد أن كان يتراوح بين 10 و150 ليرة سورية قبل عام 2011 وحتى عام 2023. أما الشرائح الأعلى، لا سيما تلك التي تتجاوز 600 ك.و. س، فقد وصلت إلى 1.400 ليرة سورية، في حين حُملت بعض الاستخدامات الزراعية والتجارية أسعاراً تصل إلى 1.700 – 1.800 ليرة سورية للكيلوواط الساعي.
لكن المشكلة التي يطرحها المزارعون لا تتعلق بالرفع بحد ذاته وحسب، بل بتزامنه مع ضعف ساعات التغذية الكهربائية في بعض المناطق، وانخفاض القدرة المركبة لإنتاج الكهرباء من 21.7 تيراواط / ساعة عام 2021 إلى 20.1 تيراواط / ساعة عام 2022، ما يجعل أي زيادة في السعر غير مقرونة بتحسن في الخدمة، عبئاً خالصاً بلا مقابل.
مزارعون كثر اضطروا للاعتماد على مولدات خاصة ذات تكاليف تشغيل مرتفعة، أو للتحول القسري من الزراعة المروية إلى الزرعة البعلية. بالرغم من أن البعلية لا تضمن استقرار الإنتاج في ظل تقلبات المناخ.
اقرأ أيضاً: كلمتان عن أسعار الكهرباء والاحتجاجات.. و«صبر الشارع الاستراتيجي»!
بالأرقام.. كلفة الري والعبء المالي بفعل زيادة التعرفة الكهربائية
تشير بيانات وزارة الزراعة وخبراء القطاع الزراعي إلى أن المساحة المزروعة في سوريا بلغت عام 2023 قبل حوالي ثلاث سنوات تقريباً، 4.033.399 هكتاراً، منها 2.951.475 هكتاراً زرعة بعلية، و1.081.925 هكتاراً زراعة مروية. هذا التوزيع يعكس توجهاً اضطرارياً لتقليل الاعتماد على الري، لا خياراً إنتاجياً.
من ضمن القصص المأساوية للمزارعين بفعل ارتفاع تعرفة الكهرباء مؤخراً، قصة مزارع يملك 400 دونم وتعتمد أرضه على بئر واحد تعمل بمحرك ديزل استطاعته 110 حصان. ويمتد موسم الري من آذار حنى نهاية تشرين الأول، أي ما يقارب ثمانية أشهر، ويبلغ استهلاك الغطاس الكهربائي نحو 95 كيلوواط / ساعة.
ووفقاً للتعرفة الحالية البالغة 1.700 ليرة سورية لكل كيلوواط/ ساعة، ستكون كلفة الري في الساعة: 165.500 ليرة سورية، وكلفة الري في اليوم: 3.972.000 ليرة سورية، كلفة الري في الشهر: 119.160.000 ليرة سورية. لتصبح كلفة الري لموسم يمتد ثمانية أشهر: 953.280.000 ليرة سورية، أي ما يقارب “مليار ليرة سورية” لكلفة الري فقط، وذلك دون احتساب: البذور، الأدوية الزراعية، الأسمدة، اليد العاملة إن وجدت، الحراثة، النقل، العبوات غلى جانب عمولات تجار الجملة.
بضاف إلى كل ذلك، كلفة تحويل البئر من محرك الديزل إلى النظام الكهربائي يكلف بعض المزارعين نحو 15 ألف دولار أميركي. في قرار كان ينظر إليه في السابق على أنه خيار استراتيجي لتقليل المخاطر ولارتفاع أسعار المحروقات، قبل أن يتحول إلى عبء مضاعف بعد رفع التعرفة.
خسائر القطاع الزراعي.. رغم تحسن الهطولات الموسم تحت التهديد
تشير تقديرات عام 2025، إلى تضرر المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح والشعير. فقد بلغ إنتاج القمح نحو 414 ألف طن فقط، من مساحة تفوق 364 ألف هكتار، مقارنةً بإنتاج كان يتجاوز 3.9 ملايين طن سنوياً قبل عام 2011 أي تراجع يقارب 90%. كما انخفضت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي من 26% قبل الحرب إلى نحو 10% حالياً. مع تسجيل تراجع لنسبة العاملين في القطاع الزراعي من 28% إلى 17%.
ترتبط هذه الخسائر إلى جانب الجفاف، بارتفاع تكاليف الطاقة، وتدهور شبكات الكهرباء والبنية التحتية. ما أجبر المزارعين على الاعتماد على محركات الكهرباء والمولدات الخاصة، والتي ارتفعت كلفتها التشغيلية مؤخراً إلى درجة كبيرة. وقد أشارت البيانات إلى أن مشروع مروي متوسط الحجم قد يتحمل أعباء إضافية تصل إلى مئات الملايين من الليرات خلال موسم الري الممتد لعدة أشهر.
فضلاً، عن تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، التي تشير إلى أن تدهور نظم الري والبنية التحتية ورفع تكاليف الإنتاج الزراعي بنحو 16 مليار دولار أميركي، فيما يحتاج القطاع الزراعي إلى إعادة بناء استثمارات تقدر بـ 17 مليار دولار، بما في ذلك تحديث البنية التحتية لشبكات الكهرباء والمضخات، وتطوير نظم الري الحديثة لتقليل استهلاك الطاقة.
بناءً على المعطيات السابقة، يمكن القول إن رفع تعرفة الكهرباء وحده يضاعف الأعباء التشغيلية على المزارعين، ويزيد من الخسارة التراكمية للقطاع الزراعي بشكل بنيوي ومتسارع، ما يهدد جدوى الزراعة المروية بالكامل ويجعل أي موسم أمطار غزيرة معرضاً للفشل بسبب القيود المالية على تشغيل المياه.
هل يمكن إنقاذ الزراعة قبل انطفائها؟
في الحقيقة، وأمام هذا الواقع لا يبدو أن الحل يكمن في العودة العمياء للدعم الشامل، ولا في تحميل المزارع كامل كلفة “إصلاح” قطاع الطاقة، كما يبرر مسؤولو الكهرباء ارتفاع التعرفة بأن هذه الأسعار ليست “ارتفاعاً للتعرفة” بمعنى الكلمة بل “إصلاحاً” لها.
الحلول المنطقية التي يمكن طرحها تتلخص في، وجود تعرفة كهربائية خاصة بالري الزراعي تراعي موسمية الاستهلاك وطبيعة الإنتاج، إلى جانب إيجاد نظام شرائح منصف للفلاحين يختلف عن التجاري والصناعي، فضلاً عن ربط أي رفع للتعرفة بتحسين فعلي لساعات التغذية شامل لكل المناطق. إلى جانب، إعادة تفعيل دور المصرف الزراعي، من خلال قروض حسنة دون فوائد لتغطية تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج، مع دعم التحول إلى الطاقة الشمسية الزراعية ضمن برنامج تمويل واقعي لا شكلي.
بالمحصلة، الزراعة في سوريا ما زالت تشكل ربع الاقتصاد الحقيقي، بالرغم من الانكماش ولا يمكن التعامل معها كقطاع هامشي. فتسعير الكهرباء دون مراعاة خصوصية الزراعة يعني إطفاء الحقول قبل أن تثمر. فالمزارعون لم يخطئوا حين تحولوا للكهرباء سابقاً، كان القرار عقلانياً وقتها، الخطأ حصل لاحقاً عندما رُفعت التعرفة فجأة، من دون تعرفة خاصة للزراعة، ودون تحسين ساعات التغذية. اليوم المزارع عالق بين خيارين كلاهما سيء: ديزل يستنزف السيولة وكهرباء تستنزف الدخل.