بقلم هلا يوسف
من ينظر إلى واقع الاقتصاد العالمي اليوم يدرك أنه يمر في مرحلة حاسمة، حيث لا يمكن إنكار تغيير موازين القوة الاقتصادية العالمية المتأثرة في التحولات التقنية في أنظمة الدفع العالمي، والضغوط التي يمر بها الدولار. فلم تعد الولايات المتحدة، على الرغم من مكانتها التاريخية كقوة نقدية رئيسية، محصنة من التأثيرات الاقتصادية الداخلية والخارجية، خاصة مع ارتفاع الدين الوطني، وظهور تكتلات اقتصادية جديدة تسعى إلى التخفيف من الهيمنة الأمريكية. ومن المؤكد أن هذه التحولات تأثيراتها لا تقتصر على الاقتصادات الكبرى فقط، بل تمتد آثارها إلى الدول الصغيرة والمتوسطة مثل سوريا، التي تواجه تحديات أكبر من غيرها لكونها خارجة من حرب مدمرة حديثاً، وتتجه نحو إعادة إعمار اقتصادها عبر إبرام معاهدات واتفاقيات مع الدول الأخرى. في هذا المقال سنتعرف على تحليلات العديد من مراكز الأبحاث العالمية حول وضع الاقتصاد العالمي والأمريكي، وانعكاساته على الاقتصاد السوري.
الأزمة المالية الأمريكية: الدين الوطني وضغوط الاستقرار
على الرغم من استمرار هيمنة الدولار على العالم، وبقاء الولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية الأكبر، إلا أن دينها الوطني بلغ نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ارتفعت تكاليف الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، وظل العجز المالي لديها عند نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الواقع يشير إلى ضغوط مالية متزايدة على الاقتصاد الأمريكي، مع احتمال تباطؤ النمو وانخفاض المرونة المالية لمواجهة الأزمات الطارئة.
ووفق التحليلات الاقتصادية لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، تشير هذه المؤشرات إلى ضغوط مالية كبيرة على الولايات المتحدة، مع وجود مخاطر على استقرار النظام المالي المحلي والعالمي. وأوضح الباحثان وارويك جيه. ماكيبين وماركوس نولاند أن هذه الظروف قد تؤدي إلى عدة سيناريوهات محتملة: فقد يؤدي تراكم الدين إلى أزمات في سندات الخزانة، حيث يؤدي انخفاض ثقة المستثمرين إلى ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع قيمة الأصول، أو إلى أزمات تضخم نتيجة تمويل العجز نقدياً. كما قد يتطلب الوضع الاقتصادي السياسات التقشفية لخفض العجز، بما يضعف الطلب الكلي ويهدد النمو. وفي أسوأ الحالات، قد تواجه الولايات المتحدة تراجعاً في قيمة الدولار أو حتى حالات جزئية للتخلف عن السداد، وهو ما سيكون له انعكاسات عالمية سريعة، بالنظر إلى مركزية الدولار في التجارة والاحتياطيات الدولية.
كما يشير الباحثان إلى أن الولايات المتحدة قد تواجه أزمة تدريجية على المدى الطويل، تؤثر على مستويات المعيشة والمرونة المالية للمواطنين، وقد يكون لها آثار مشابهة لتجارب اليابان والأرجنتين وفنزويلا، لكنها أقل حدة في حالة الإدارة الحذرة للسياسات المالية.
وتتزامن التوترات المالية الأمريكية مع تحديات تجارية وسياسية، مثل فرض الرسوم الجمركية على الصين والهند، وسعي واشنطن للسيطرة على أسواق الطاقة والتكنولوجيا. هذه السياسات تسعى للحفاظ على الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تدفع دول العالم لمحاولة خلق أنظمة دفع وعملات عالمية بعيداً عن الدولار. وهذا ما تحاول القيام به دول البريكس، والدول الناشئة الأخرى.
اقرأ أيضاً: حصرية: الليرة تتحسن.. ولا نية لربطها بالدولار أو الاقتراض من صندوق النقد
تحولات النظام المالي العالمي: دور بريكس والتعددية النقدية
شكلت قمة بريكس+ في ريو دي جانيرو لعام 2025 علامة فارقة في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي. فالمجموعة التي توسعت لتشمل دولاً مثل الإمارات ومصر والصين والبرازيل وروسيا والصين، أصبحت أكثر تعقيداً من حيث التوافق السياسي والاقتصادي بين الأعضاء، لكنها في الوقت نفسه تمثل منصة لتطوير أنظمة دفع متعددة المسارات وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
بحسب أندي شيكتمان، رئيس شركة مايلز فرانكلين للاستثمار، لم يكن الهدف من هذه التحولات استبدال الدولار، بل خلق أدوات مالية بديلة تحمي الدول الأعضاء من المخاطر الناتجة عن العقوبات والضغوط الخارجية. وقد تجلى هذا من خلال المبادرات الجديدة مثل بنك التنمية الجديد، ومنصة الدفع المشتركة بين الدول الأعضاء، بالإضافة إلى مشروع mBridge لإنشاء وحدة تسوية مدعومة جزئياً بالذهب والعملات المحلية، ما يفتح أفقاً جديداً لتسوية المعاملات عبر الحدود بعيداً عن النظام التقليدي لسويفت.
ولا يمكن إنكار الدور الذي لعبه الذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة، بالإضافة إلى استخدام العملات الرقمية المستقرة، وتطوير أنظمة الدفع الفوري، كل ذلك ساهم في وجود تحولاً هيكلياً في طريقة انتقال الأموال عالمياً، وجعل الاقتصادات الكبيرة والصغيرة أكثر تأثراً بالتحولات التقنية والسياسية معاً، وأضعف القدرة الأمريكية على فرض النفوذ المالي الكلي.
انعكاسات التحولات المالية العالمية على الاقتصاد السوري: قيود الواقع وهوامش المناورة
لم تكن سوريا بمنأى عن هذه التحولات الاقتصادية، فمع سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى إبقاء نفوذها المالي العالمي، ومحاربة تحركات الدول الهادفة إلى تقليل الاعتماد على الدولار عبر الرسوم الجمركية، ترجمت سياساتها الاقتصادية إلى آثار مباشرة على الاقتصاد السوري، على الرغم من صغر حجم التبادل التجاري. فقد أبقت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على الواردات السورية عند 41%، لتظل سوريا الدولة الأعلى خضوعاً لهذه الرسوم عالمياً، متقدمة على الصين والمكسيك وكندا. وبحسب بيانات OEC لعام 2023 بلغت صادرات سوريا إلى الولايات المتحدة 11.3 مليون دولار فقط، مقابل 1.29 مليون دولار للصادرات الأمريكية إلى سوريا، ما يعكس فائضاً تجارياً لصالح دمشق بنحو 10 ملايين دولار.
وتتجلى انعكاسات الأزمة المالية الأمريكية والتحولات الجارية في النظام المالي العالمي على الاقتصاد السوري بصورة مزدوجة، لا يمكن اختصارها في حجم التبادل التجاري المباشر بين دمشق وواشنطن، بل تمتد إلى بنية النظام النقدي العالمي الذي تتحرك سوريا داخله بوصفها اقتصاداً هشاً، ومحدود الوصول إلى الأسواق والتمويل، ويخضع لقيود سياسية ومالية متعددة.
فعلى المستوى النقدي، يشكل استمرار هيمنة الدولار بالرغم من الضغوط التي يواجهها، عامل ضغط غير مباشر على الاقتصاد السوري. إذ إن أي تقلبات في قيمة الدولار أو سياسات التشديد النقدي التي ينتهجها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تنعكس مباشرة على الاقتصادات المرتبطة به، سواء عبر ارتفاع تكاليف الاستيراد، أو تقلبات أسعار الصرف، أو زيادة الضغوط التضخمية.
وبالنسبة لسوريا التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الأساسية من الطاقة والمواد الغذائية والمواد الأولية، فإن ارتفاع قيمة الدولار أو تذبذبه يؤدي إلى زيادة كلفة الواردات، وتراجع القوة الشرائية، وتعميق الاختلالات النقدية الداخلية.
أما على المستوى التجاري، فإن الإبقاء على الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة على الواردات السورية، بالرغم من محدودية حجم التجارة، يحمل أبعاداً تتجاوز الأرقام. فهو يكرس عزلة سوريا عن أحد أكبر الأسواق العالمية، ويضع قيوداً إضافية على قدرة المنتجات السورية على النفاذ إلى الأسواق الدولية، ليس فقط بسبب الرسوم نفسها، بل بسبب الإشارات السلبية التي ترسلها هذه السياسات للمستثمرين والشركاء التجاريين الآخرين.
فالدول والشركات غالباً ما تتعامل بحذر مع الاقتصادات التي تعد هشة وضعيفة، ولن يعوض عن ذلك ما يجري التسويق له من أجور وكلف إنتاج منخفضة، ففي المحصلة ستؤدي هذه الرسوم إلى ابتعاد المستثمرين المحتملين الذين يغريهم هذا الانخفاض بسبب اضطرارهم لإضافة هذه الرسوم عند وضع جدوى التصدير، ففي الوضع السوري لن يأتي المستثمرون ليصنعوا للداخل، بل للخارج.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة إعادة الإعمار، حيث تحتاج سوريا إلى تدفقات مالية واستثمارات خارجية طويلة الأجل. فالتحولات الجارية في النظام المالي العالمي، إلى جانب الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي نفسه، قد تؤدي إلى تراجع شهية المخاطرة لدى المؤسسات المالية الدولية، أو إلى تشديد شروط التمويل، ما يحد من قدرة الاقتصادات المتضررة من النزاعات مثل سوريا على الوصول إلى القروض والاستثمارات. كما أن أي اهتزاز في استقرار النظام المالي العالمي أو في قيمة الدولار قد ينعكس على تدفقات رؤوس الأموال عالمياً، وهو ما يضع الاقتصادات الهشة في موقع أكثر ضعفاً.
تكتلات مالية بديلة
بينما، وعلى المقلب الآخر، تفتح التعددية النقدية الصاعدة، وصعود تكتلات مثل بريكس، هامشاً محدوداً لكنه مهم أمام سوريا لإعادة صياغة خياراتها الاقتصادية. فظهور أنظمة دفع بديلة، وتوسع استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وتطوير أدوات تسوية جديدة خارج منظومة “سويفت”، قد يخفف تدريجياً من بعض القيود المفروضة على حركة التجارة والتحويلات المالية، خصوصاً في ظل ما قد يشهده الدولار في المستقبل من انخفاض بقيمته كما هو متوقع، وكما يصرّح ساسة أمريكيين بشكل صريح.
إلا أن الاستفادة من هذه التحولات ليست تلقائية، بل تتطلب بناء هيكلية مؤسسية قادرة على التكيف، وتوقيع اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف، واتباع استراتيجيات واضحة لتنويع الشركاء التجاريين والماليين بعيداً عن الدولار.
كما أن التحولات التقنية في أنظمة الدفع، واستخدام العملات الرقمية المستقرة، والذكاء الاصطناعي في تسريع المعاملات المالية، تطرح فرصاً نظرية للاقتصادات الصغيرة مثل سوريا لتجاوز بعض القيود التقليدية. لكن مع غياب البنية التشريعية والتقنية المتكاملة، بالإضافة إلى المخاطر المرتبطة بالامتثال والعقوبات، تصبح استفادة سوريا من هذه الأدوات رهينة الحذر الشديد والتخطيط طويل الأمد.
بمعنى آخر، تأثر الاقتصاد السوري بالسياسات الأمريكية والتحولات المالية العالمية ليس عبر القنوات المباشرة فقط، بل من خلال موقعه داخل نظام مالي دولي يشهد إعادة تشكل تدريجية. وهذا الواقع يفرض على صناع القرار الاقتصادي في سوريا الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق التكيف الاستراتيجي، عبر تنويع الأسواق، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الدولار قدر الإمكان، أو التنويع على أقل تقدير، والانخراط المدروس في الترتيبات المالية الإقليمية والدولية الجديدة التي تفرضها الأوضاع العالمية الجديدة.
والجدير بالذكر أن التوجه نحو التعددية النقدية ليس لمسة سحرية تخلص الاقتصادات الهشة كسوريا من تحدياتها. لكنها تفتح نافذة ضيقة لإعادة التموضع والمناورة الاقتصادية لإيجاد أرضية بديلة عن الدولار في حال تراجع الشديد أو حتّى انهياره. السؤال في واقع الحال لم يعد ما إذا كان النظام المالي العالمي سيتغير، فهذا أمر حتمي تدركه وتصرح به حتى الدوائر الغربية والأمريكية، بل كيف ستتعامل سوريا مع هذا التغير، هل ستكون ضحية له، أم طرفاً يحاول استثمار مساحة حريته المالية المحدودة لصالح إعادة بناء اقتصاده؟
اقرأ أيضاً: إلى من يحكم دمشق: اهربوا من الدولار وإلا ستسقط سوريا معه!