شركات

سوريا على طاولة المسار المالي لمجموعة السبع: عودة سياسية أم اختبار ثقة اقتصادي؟

سوريا على طاولة المسار المالي لمجموعة السبع: عودة سياسية أم اختبار ثقة اقتصادي؟

الكاتب: أحمد علي

لا تعود الدول إلى النظام المالي الدولي عبر صورة بالتأكيد، فالصورة قد تفتح باباً، لكنها لا تمنح الثقة. ومشاركة وفد مالي سوري في محادثات المسار المالي لمجموعة السبع في باريس تقع في هذه المنطقة الرمادية تحديداً، بين الإشارة السياسية وبين الامتحان الاقتصادي الصعب.

الحضور مهم، ولا يصح التقليل منه. لكنه ليس نهاية الطريق. فالعلاقة مع النظام المالي العالمي لا تقوم على المجاملات الدبلوماسية، بل على قدرة المصارف والمؤسسات العامة على تقديم بيانات موثوقة، وعلى إدارة المال العام بوضوح، وعلى تخفيض المخاطر التي ينظر إليها المستثمر والبنك المراسل قبل أي قرار تعامل.

هنا يصبح السؤال أكثر دقة. هل تعني المشاركة السورية بداية عودة سياسية إلى طاولات القرار الغربي، أم أنها مجرد اختبار أولي لمعرفة ما إذا كانت دمشق قادرة على الانتقال من خطاب التعافي إلى شروط الثقة؟

المسار المالي لمجموعة السبع كنافذة اختبار

شاركت سوريا، يوم 18 أيار 2026، بوفد ترأسه وزير المالية محمد يسر برنية في محادثات المسار المالي لمجموعة السبع في العاصمة الفرنسية باريس. وذكرت وكالة سانا أن المشاركة جاءت في إطار السعي إلى العودة إلى النظام المالي العالمي، وجذب الدعم الدولي لمشاريع التعافي وإعادة الإعمار. كما نقلت وسائل إعلام عربية عن رويترز أن الاجتماع شمل جلسة مغلقة مع وزراء مالية ومحافظي بنوك مركزية من دول المجموعة، وأن النقاش ركز على التعافي المستدام وإعادة دمج سوريا في المنظومة المالية الدولية.

هذه صياغة كبيرة، لكنها تحتاج إلى تبريد سياسي كي تُقرأ كما هي. مجموعة السبع ليست صندوقاً مانحاً، ولا جهة تصدر شهادة براءة مالية. هي منصة تنسيق بين الولايات المتحدة وكندا واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا، مع حضور الاتحاد الأوروبي في أعمالها. والمسار المالي فيها يبحث قضايا الاستقرار المالي، وتنظيم الأسواق، والضرائب، ومكافحة الجرائم المالية، وحركة المدفوعات العابرة للحدود.

بهذا المعنى، لا تذهب سوريا إلى طاولة تقدم حلولاً جاهزة. تذهب إلى طاولة تسأل عن القواعد. وهذا وحده فارق كبير بعد سنوات من القطيعة والعقوبات وضعف الاتصال المصرفي. غير أن الفارق بين الحضور والاندماج لا يزال واسعاً. الحضور سياسي في جزء منه، أما الاندماج فإجرائي ومؤسسي ومصرفي قبل كل شيء.

العقوبات لا تنتهي عند رفعها

يأتي اللقاء في عام تتولى فيه فرنسا رئاسة مجموعة السبع، وقبل قمة القادة في إيفيان بين 15 و17 حزيران 2026. كما عُقد الاجتماع المالي في باريس يومي 18 و19 أيار، ضمن برنامج فرنسي أوسع للمسارات المالية والتجارية والرقمية. التوقيت يمنح المشاركة بعداً واضحاً، لكنه لا يجعلها عودة كاملة.

فالعقوبات التي خففت أو رُفعت جزئياً في مسارات أمريكية وأوروبية وبريطانية منذ 2025 لا تختفي من ذاكرة المصارف بمجرد تعديل النصوص القانونية. هناك ما يسمى أثر المخاطر المتبقية. البنك المراسل يسأل عن الامتثال، وعن الجهة الرقابية، وعن سجل التحويلات، وعن إمكانية التعرض لعقوبة لاحقة أو اتهام بسوء التقدير. وهذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات العامة.

لذلك تبدو العودة إلى النظام المالي العالمي أبطأ من العودة إلى الاجتماعات. يستطيع السياسي أن يفتح قناة حوار خلال أيام، لكن المصرف يحتاج إلى أشهر وربما سنوات كي يقرر أن التعامل آمن. الفرق هنا ليس تفصيلاً تقنياً. إنه جوهر المسألة.

الثقة تبدأ من الداخل

في آذار 2026، أعلن البنك الدولي منحة بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز إدارة المالية العامة في سوريا. المشروع، بحسب البنك، يركز على تحسين إدارة المال العام وتنسيق المساعدات ودعم أنظمة الدولة الأساسية. كما وضع البنك ثلاثة اتجاهات عامة لاستراتيجيته الناشئة في سوريا، هي تثبيت الاقتصاد وأنظمة الدولة، واستعادة الخدمات والاستقرار الاجتماعي، وتمكين النمو والتعافي بقيادة القطاع الخاص.

هذا النوع من البرامج يوضح طبيعة المرحلة. المطلوب ليس فقط إعادة وصل سوريا بالخارج، بل بناء أدوات داخلية تسمح لهذا الوصل بأن يكون قابلاً للاستمرار. موازنة أكثر وضوحاً، بيانات قابلة للمراجعة، إجراءات امتثال لا تعمل عند الحاجة فقط، ومؤسسات قادرة على التعامل مع لغة الدائنين والمستثمرين والبنوك.

من دون ذلك، قد تبقى المشاركة في المسار المالي لمجموعة السبع حدثاً سياسياً مهماً، لا نقطة تحول اقتصادية. ومن دون ذلك أيضاً، ستبقى إعادة الإعمار عنواناً كبيراً فوق أرض مالية رخوة. فلا استثمار جدياً من دون قابلية للتحويل، ولا تمويل واسعاً من دون مصارف قادرة، ولا ثقة خارجية مستقرة من دون إصلاح داخلي يمكن قياسه.

الاجتماع في باريس فتح نافذة. هذا صحيح. لكنه لم يفتح الطريق كله. سوريا عادت إلى طاولة يُسأل عليها الكثير ولا يُمنح عليها الكثير مجاناً. وإذا كان الحضور يعني أن العزلة لم تعد صلبة كما كانت، فإن الثقة لا تزال تحتاج إلى ما هو أثقل من الحضور. تحتاج إلى أرقام، وإجراءات، ومؤسسات، ووقت.

الخلاصة أن مشاركة الوفد المالي السوري لا تعني عودة نهائية، ولا ينبغي قراءتها كحدث عابر. إنها علامة انتقالية. بين السياسة والاقتصاد، وبين رفع بعض القيود وبناء الثقة، وبين أن تُدعى إلى الطاولة وأن تصبح قادراً على التعامل معها بلغتها. هنا يبدأ الاختبار الحقيقي، لا عند باب القاعة المغلقة.

اقرأ أيضاً: التقارب الاقتصادي السوري–الصيني: هل يفتح “صالون الأعمال” طريقاً جديداً للتجارة والاستثمار؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.