أخبار سوريا

قانون الجمارك الجديد: هل يفتح باب التغيير الحقيقي في التجارة والأسعار؟

قانون الجمارك الجديد: هل يفتح باب التغيير الحقيقي في التجارة والأسعار؟

بقلم هلا يوسف

لا تمر السلع إلى الأسواق ولا تصل البضائع إلى المتاجر من دون أن تمر بمحطات تنظيمية خلف الكواليس، والتي من أبرزها الجمارك. هذه المحطات قد تبدو بعيدة عن تفاصيل الحياة المباشرة، لكنها في الحقيقة تؤثر في الأسعار، وسرعة توفر المواد، وحتى في تكلفة المعيشة نفسها. لذلك أي تغيير في القوانين التي تنظم هذا القطاع لا يبقى في إطار الإدارات الرسمية فقط، بل ينعكس على السوق والتاجر والمستهلك في آن واحد.

لذلك جاء صدور قانون الجمارك الجديد في سوريا ليعيد فتح النقاش حول طريقة إدارة التجارة عبر الحدود، وحول مدى قدرة القوانين الجديدة على تخفيف الأعباء اليومية التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فبين وعود بتبسيط الإجراءات وتحديث العمل الإداري، وبين مخاوف من صعوبة التطبيق أو بقاء المشكلات القديمة بشكل جديد، يترقب كثيرون ما إذا كان هذا التغيير سيترك أثراً حقيقياً في حياة الناس أم لا.

مضمون القانون الجديد وإعادة تنظيم العمل الجمركي

القانون الجديد يتألف من 264 مادة، وهو لا يقتصر على تعديل جزئي بل يقدم إطاراً واسعاً لإعادة تنظيم العمل الجمركي بشكل كامل. فقد تناول بشكل تفصيلي آليات الاستيراد والتصدير والتخليص الجمركي، كما نظم عمل المنافذ الحدودية والمستودعات والمناطق الحرة، وتطرق إلى قضايا التهريب والعقوبات والإجراءات القضائية المرتبطة بالمخالفات الجمركية. ويعطي القانون إدارة الجمارك شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً، مع ربطها مباشرة بالهيئة العامة للمنافذ والجمارك، ما يمنحها مساحة أوسع في اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات الجمركية.

ويظهر من خلال نصوص القانون أنه يسعى إلى تقليل التعقيدات الإدارية التي كانت تواجه التجار في السابق، حيث تم التركيز على تسهيل إجراءات التخليص الجمركي والإفراج عن البضائع بشكل أسرع، بالإضافة إلى اعتماد التبادل الإلكتروني للبيانات الجمركية وتخفيف الاعتماد على المعاملات الورقية. كما يسمح القانون بتصحيح الأخطاء الشكلية في البيانات دون الحاجة إلى تعطيل كامل المعاملة، وهو ما يعتبر تغييراً مهماً في طريقة التعامل مع الإجراءات اليومية. وفي الوقت نفسه، أعاد القانون تنظيم آليات الترانزيت والإدخال المؤقت وإعادة التصدير، مع فرض ضمانات مالية تهدف إلى منع إساءة استخدام هذه الأنظمة.

وفي الجانب الرقابي والعقابي، شدد القانون على تعريف التهريب بشكل واضح، ووسع نطاق العقوبات لتشمل غرامات كبيرة قد تصل إلى ثمانية أضعاف قيمة البضائع المخالفة، إضافة إلى إمكانية مصادرتها. كما منح المحكمة الجمركية صلاحيات واسعة في التعامل مع القضايا، بما في ذلك مصادرة البضائع أو تقدير قيمتها في حال تعذر ضبطها. ومن الجوانب اللافتة أيضاً أن القانون خصص جزءاً من الغرامات، يصل إلى 40 في المئة، للعاملين في الجمارك وصناديق مكافحة التهريب، بينما تذهب النسبة الأكبر إلى الخزينة العامة، في محاولة لربط الأداء بنتائج العمل.

رؤية الخبراء حول أهداف القانون وتحدياته

يرى خبراء اقتصاديون أن القانون الجديد يحمل توجهاً مختلفاً عن القوانين السابقة، لأنه لا يركز فقط على تحصيل الرسوم، بل يحاول التعامل مع الجمارك باعتبارها جزءاً من منظومة التجارة وحركة الاقتصاد. ويشير هؤلاء إلى أن المشكلة في السنوات الماضية لم تكن محصورة في ارتفاع الرسوم الجمركية فقط، بل كانت مرتبطة أيضاً بطول الإجراءات وكثرة الموافقات وتداخل الصلاحيات، وهو ما أدى إلى بطء حركة البضائع وزيادة التكاليف على المستوردين.

ويضيف التحليل الاقتصادي أن تبسيط الإجراءات، رغم أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة جذور المشكلة، لأن الفساد الإداري لا يرتبط دائماً بالنصوص القانونية بل بطريقة التطبيق. لذلك يؤكد الخبراء أن نجاح القانون سيعتمد بشكل أساسي على مدى قدرته على تحويل الإجراءات إلى نظام رقمي يقلل الاحتكاك المباشر بين الموظف والتاجر، لأن هذا الاحتكاك كان أحد أبرز نقاط الضعف في النظام السابق. كما يشيرون إلى أن منح الجمارك استقلالية أوسع قد يساعد في تسريع القرار الإداري، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى رقابة واضحة حتى لا تتحول الاستقلالية إلى مركزية مغلقة يصعب محاسبتها.

ملاحظات العاملين في القطاع والتطبيق العملي

على مستوى العاملين في القطاع، اعتبر بعض المختصين أن صدور القانون يمثل خطوة متقدمة مقارنة بما كان معمولاً به سابقاً، لأنه يعالج عدداً من الثغرات التي كانت موجودة في قانون 2006 ويقلل من بعض حالات الغموض في الإجراءات. لكن في نفس الوقت أشاروا إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من التوضيح في بعض البنود، خصوصاً تلك المتعلقة بصلاحيات الضابطة الجمركية، لأن وضوح هذه الصلاحيات يعد أساسياً لتجنب التضارب في التنفيذ.

كما أثيرت ملاحظات حول التوجه الجديد في إدارة البيانات الجمركية، بعد التوقف عن استخدام نظام الأسيكودا الذي كان يعتمد على الأرشفة والتسجيل الإلكتروني، حيث يرى بعض المختصين أن هذا التغيير قد يؤدي إلى إبطاء عملية التطوير الرقمي إذا لم يتم تعويضه بنظام أكثر كفاءة. وفي السياق نفسه، تم تسجيل تحول مهم في طريقة تنظيم مهنة التخليص الجمركي، إذ اتجه القانون نحو العمل المؤسسي عبر الشركات بدلاً من الأفراد، وهو تغيير أثار نقاشاً حول مدى ملاءمته لطبيعة السوق واحتياجاته.

في النهاية، لا يمكن قياس أي قانون بحجم مواده أو دقة نصوصه بقدر ما يقاس بما يتركه من أثر في حياة الناس اليومية. فقانون الجمارك الجديد قد يبدو خطوة كبيرة على الورق، لكنه سيظل مرتبطاً بطريقة تنفيذه على الأرض، وبقدرة المؤسسات على تحويل وعود التبسيط والشفافية إلى واقع ملموس يشعر به التاجر والمواطن معاً.

اقرأ أيضاً: الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.. ما لها وما عليها!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.