اقتصاد

قطاع الدواجن في سوريا.. مهنة يعتاش منها مليون شخص تدخل مرحلة الاضطراب

قطاع الدواجن في سوريا.. مهنة يعتاش منها مليون شخص تدخل مرحلة الاضطراب

بقلم: ريم ريّا

شكل قطاع الدواجن في سوريا أحد أهم القطاعات الغذائية في البلاد لسنوات طويلة، فهو المصدر الأرخص للبروتين الحيواني بالنسبة لأغلب الأسر في سوريا. قبل اندلاع الحرب عام 2011 كانت سوريا من الدول المتقدمة عربياً في مجال تربية الدواجن. فقد انتشرت مداجن التربية تقريباً في معظم المحافظات وحظيت بدعم من الدولة، وتم تشجيع صغار المربين على الاستثمار في هذا القطاع.

لكن منذ منتصف عام 2020 تقريباً، وعلى مدى السنوات الأخيرة شهد هذا القطاع تراجعاً لافتاً، في شق الإنتاج وفي شق الأسعار التي شهدت تذبذباً كبيراً، بفعل العديد من العوامل الاقتصادية والتنظيمية المتفاوتة، ما أدى إلى اضطراب السوق وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.

ومع دخول العام الحالي 2026، عاد ملف قطاع الدواجن إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة مدفوعاً بسلسلة من الإضرابات والجدل حول التسعيرة الرسمية، ما كشف عن فجوة عميقة بين الأسعار المفروضة وتكاليف الإنتاج، الأمر الذي سرعان ما انعكس بظلاله على المستهلك السوري.

أسباب التخبط في قطاع الدواجن في سوريا

الأزمة الحالية في قطاع الدواجن، تعكس مجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والتنظيمية التي تراكمت عبر السنوات الماضية. ويؤكد مربو الدواجن أن ارتفاع تكاليف الإنتاج هو السبب الحقيقي وراء اضطراب السوق. ويعزي المربون ارتفاع التكاليف بارتفاع أسعار الأعلاف والوقود والنقل ارتفاعاً يفوق طاقتهم خلال الفترة الأخيرة، ما دفع العديد منهم إلى تقليص الإنتاج أو إغلاق مداجنهم بشكل مؤقت.

كما يشير أصحاب المداجن إلى أن تكاليف الإنتاج لم تعد تتناسب مع التسعيرة الرسمية المفروضة في السوق، ما وضعهم حسب تعبيرهم أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في الإنتاج أو الخروج من السوق. فضلاً عن أن الطلب المتزايد على اللحوم البيضاء كان له التأثير الأكبر في الضغط على السوق، لا سيما بعد ارتفاع أسعر اللحوم الحمراء بشكل مبالغ، فاندفعت الأسر لاستبدالها بالفروج.

بدورهم الخبراء، يرون أن غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد للقطاع ساهم في تفاقم الأزمة، فقد تراجعت القدرة الإنتاجية خلال السنوات الماضية، بينما لم تنجح السياسات التنظيمية في تحقيق توازن مستقر بين الإنتاج والتسعير.

اقرأ أيضاً: قطاع الدواجن في سوريا يترنّح: تخبّط رسمي أم وباء مخفي؟

إضراب في اللاذقية وتوتر في السوق.. وجدل في حلب حول المستورد

خلال الأيام الماضية شهدت مدينة اللاذقية، إضراباً جزئياً لعدد من محال بيع الفروج، وذلك احتجاجاً على الفجوة بين السعر الرسمي المحدد من قبل مديرية التموين، والسعر الفعلي الذي يدفعه التجار للمداجن.

في حين أكد عدد من أصحاب المحال أن التسعيرة الرسمية تجبرهم على البيع بخسارة مباشرة. وقال أحد أصحاب المحال في حي الشيخ ضاهر اللاذقاني، إن كيلو الفروج يصل إلى المحال من المدجنة بنحو 28 ألف ليرة سورية، في حين تطلب الجهات التموينية بيعه بسعر 24 ألف ليرة فقط، وهو ما يعني خسارة مباشرة للتاجر.  وأضاف، أن دوريات التموين كثفت رقابتها خلال الأيام الماضية، حيث تم تنظيم مخالفات بحق عدد من المحال وصلت قيمة بعضها إلى مليون ليرة سورية.

أما في حي الصليبة قال بائع آخر إن خسارته في يوم واحد تجاوزت 800 ألف ليرة نتيجة الالتزام بالتسعيرة الرسمية. وبالتزامن مع هذا الإضراب، لوحظ انخفاض واضح في كمية الفروج المعروضة في الأسواق، حيث بلغ سعر كيلو الفروج الحي نحو 33 ألف ليرة، بينما وصل سعر كيلو شرحات الدجاج إلى حوالي 65 ألف ليرة، وسعر كيلو الدبوس إلى نحو 50 ألف ليرة، في حين تراوح سعر الفخذ بين 40 و45 ألف ليرة، ما أدى إلى حالة من الارتباك في السوق المحلية.

من اللاذقية إلى حلب، برزت قضية أخرى أثارت جدلاً واسعاً في سوق الدواجن، ذلك بعد وصول 25 شاحنة من الفروج بالريش قادمة من تركيا بتاريخ 10 آذار 2026. وتدوال بعض العاملين في القطاع معلومات تفيد بوجود حالات نفوق في هذه الشحنات، ما أثار مخاوف لدى التجار والمستهلكين حول جودة الفروج المستورد وآليات الرقابة عليه.

بدورها، نفت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك وجود أي تأكيد على ما تم تناقله بين التجار عن دخول فروج نافق للأسواق، مؤكدةً أن الشحنات تخضع لفحوص مخبرية ورقابة صحية قبل طرحها للبيع.

يشير بعض العاملين في المسالخ إلى أن نفوق جزء من الدواجن أثناء النقل أمر طبيعي في هذا القطاع، وقد يحدث نتيجة عوامل مثل الاكتظاظ في الشاحنات أو البرد الشديد أو الاختناق أثناء النقل. كما يؤكد بعض أصحاب المحال أن الفروج المستورد غالباً ما يكون أقل جودة من الفروج المحلي من حيث الطعم والحجم، رغم أنه يساهم أحياناً في تخفيف الضغط على السوق المحلية.

المستهلك المتضرر الوحيد من أي اضطراب.. وفجوة الأسعار تتفاقم

التطورات الأخيرة في سوق الدواجن عبر المحافظات، تكشف لنا عن فجوة واضحة بين حلقات الإنتاج والتوزيع والتسعير. من جهة المربون يشكون من ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تغطية النفقات، في حين يؤكد التجار أنهم مجبرون على البيع بأسعار لا تغطي تكلفة الشراء في حال تم الالتزام بالتسعيرة الرسمية. وكالعادة، يجد المستهلك نفسه محاصراً بين الحاجة الغذائية والأسعار المرتفعة المتغيرة باستمرار.

في السياق ذاته، يؤكد عدد من المواطنين أن الفروج لم يعد الوجبة الاقتصادية التي كانت متاحة لمعظم الأسر كما في السابق. ففي مدينة جبلة مثلاً، قال أحد السكان إن شراء الفروج أصبح يحدث على فترات متباعدة فقط، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن الأسعار تتغير أسبوعياً تقريباً.

يعكس هذا الوضع حالة من عدم الاستقرار في السوق، حيث يبحث المستهلكون عن السعر الأرخص بين المحال، بينما تتراجع الكميات المعروضة في بعض المناطق نتيجة الخلافات حول التسعير.

هل من حلول ممكنة لإنقاذ القطاع؟

وفق ما أجمع عليه الخبراء بالشأن الاقتصادي، فحل أزمة الدواجن في هذه البلاد يتطلب سلسلة من الإجراءات المتكاملة والتي تعيد التوازن إلى السوق. في مقدمة هذه الحلول يأتي دعم مدخلات الإنتاج الأساسية، تحديداً الأعلاف ومستلزمات الطاقة، ولك من أجل تخفيف الضغط على المربين وتشجيعهم على زيادة الإنتاج.

إلى جانب، ضرورة إعادة تنظيم حلقات التسويق بين المنتجين وتجار الجملة ومحال البيع، بحيث يتم تقليل الفجوة السعرية بين المستهلك والمدجنة، بينما يؤكد آخرون أهمية تحديث آليات التسعير الرسمية بحيث تكون أكثر مرونة ومراعاة للواقع الفعلي للتكاليف، بدلاً من فرض أسعار ثابتة لا تتناسب مع تغيرات السوق. إضافةً إلى تفعيل الرقابة الحكومية للحد من الاحتكار وضمان جودة المنتجات سواء المحلية أو المستوردة، بما يحافظ على استقرار السوق ويحمي المستهلك في آنٍ معاً.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.