بقلم: ريم ريّا
لا تزال الليرة السورية تشهد تقلبات حادة مقابل الدولار الأمريكي وسط أزمة اقتصادية معقدة تتشابك فيها عوامل مالية وسياسية وإقليمية. ومع اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف الموازي، تتزايد الشكوك حول أسباب عدم استقرار العملة وقدرة السياسات الحكومية الحالية على استعادة الثقة بالعملة المحلية وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام. وكالعادة، يتابع المواطن السوري العادي الأرقام يومياً كما لو كانت نتيجة لعبة لا تنتهي، بينما ترتفع الأسعار بشكل جنوني لا يمكن تفسيره اقتصادياً.
عوامل اقتصادية ومصرفية تضغط على الليرة
يرى خبراء اقتصاديون أن انخفاض قيمة الليرة السورية يعود إلى عدة عوامل داخلية، أبرزها ارتفاع الأسعار العالمية للسلع المستوردة وتزايد الطلب على العملات الأجنبية لتمويل واردات الطاقة والأعلاف والمنتجات الأساسية. وأوضح أسامة القاضي، المستشار الاقتصادي لوزارة الاقتصاد والصناعة، أن التضخم العالمي وارتفاع تكاليف الاستيراد ساهما بشكل مباشر في الضغط على سعر الصرف، لا سيما في ظل استمرار ضعف القطاع المصرفي وتأخر عمليات الصرف الأجنبي وتفعيل أنظمة الدفع الإلكتروني.
كما أشار الخبراء إلى أن انعدام الثقة في القطاع المصرفي فاقم الأزمة، نتيجة للقيود المستمرة على الودائع وضعف الربط بين البنوك المحلية ونظام سويفت، مما أعاق تدفق الاستثمارات والتحويلات المالية إلى سوريا. وصرح محمد الحلاك، نائب رئيس الجمعية الاقتصادية السورية، بأن الحكومة تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالإرث الاقتصادي للسنوات الأخيرة، مثل عجز الموازنة، وتشوهات الهيكل الاقتصادي، ومشاكل الأجور والسيولة.
اقرأ أيضاً: “0000” بدل أسعار الصرف .. شاشات دمشق تعكس ارتباك السوق وتقلبات الليرة!
السياسات النقدية وتأثيرها على السوق
يرى خبراء ماليون أن السياسات النقدية للبنك المركزي السوري قد زادت من تآكل الثقة بالليرة السورية. وأوضح الخبير المالي خلدون الطبا أن إجراءات “سحب السيولة” وتقييد التحويلات المالية إلى الليرة السورية بسعر صرف ثابت يحدده البنك المركزي، دفعت العديد من المواطنين إلى تفضيل استخدام الدولار أو التداول في السوق السوداء، نظراً للفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف الحقيقي في السوق.
من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي عمار اليوسف سياسة تثبيت سعر الصرف بتقييد السيولة بأنها ضارة بالنشاط الاقتصادي وتؤثر سلباً على آفاق التعافي. كما اعتبر الخبير الاقتصادي غازي المهاينى أن الإجراءات السابقة للبنك المركزي كانت حلولاً مؤقتة ومسكنة لم تعالج الأسباب الجذرية للمشكلة، بل أخفت الاختلالات الحقيقية في سوق المال.
تأثير العوامل الخارجية ومستقبل سعر الصرف
لم تقتصر أسباب تراجع الليرة على العوامل الداخلية فحسب. فقد أكد الخبراء أن التوترات الإقليمية والحرب بين إيران والولايات المتحدة أثرت على حجم التحويلات المالية من الخارج، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط وانخفاض حركة السفر الجوي، مما أدى إلى انخفاض المعروض من الدولار في السوق السورية. كما ساهم عدم الاستقرار الاقتصادي وهيمنة السوق السوداء في زيادة الطلب على الدولار باعتباره ملاذاً آمناً أكثر استقراراً من العملة المحلية.
ويرى العديد من الخبراء أن استقرار سعر الصرف يتطلب حزمة إصلاحات شاملة، تشمل تطوير البنية التحتية المصرفية، والتوحيد التدريجي لأسعار الصرف، وتشجيع الإنتاج المحلي والاستثمار الأجنبي، فضلاً عن زيادة الشفافية المالية وتوسيع نطاق استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني. وبدون هذه الإصلاحات، تبقى الليرة السورية عرضة لمزيد من التقلبات، بينما يستمر السوريون في حساب قيمة رواتبهم بالدولار حتى قبل استلامها. لقد اختُزل الاقتصاد برمته إلى معادلة نفسية يومية، كم سعر الخبز اليوم؟ وكم سيتبقى من الراتب قبل نهاية الأسبوع؟