مقال رأي – أوديت الحسين – ما جرى في السقيلبية: البداية أم النهاية أم مجرد سلسلة في مسبحة؟
ما جرى في السقيلبية يوم 27 آذار 2026 لا يبدو، في معطياته المباشرة، حدثاً خارجاً عن السياق العام في سوريا الراهنة، ولا حالة يمكن فصلها عن نمط أوسع من «الحوادث الفردية» التي تتكرر في أكثر من مكان. البداية كانت محددة: إشكال بين شبان، ثم توسع سريع في التوتر، تدخل أمني، توقيفات، ثم مسار احتواء عبر اجتماع رسمي ـ أهلي في اليوم التالي داخل إدارة منطقة الغاب. هذا التسلسل بحد ذاته يعكس قدرة قائمة على إعادة الهدوء، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن المشكلة لا تتوقف عند نقطة البداية، بل تتعلق بكيفية تحوّل الاحتكاك المحدود إلى حالة قابلة للاتساع خلال وقت قصير.
في المستوى الأول، يمكن قراءة ما حدث بوصفه نموذجاً لـ«استقرار التهدئة»، أي القدرة على منع الانفلات الكامل وإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية خلال فترة زمنية محدودة. هذا المستوى ظهر بوضوح عبر الانتشار الأمني، وعقد الاجتماعات، وتفعيل قنوات الوساطة المحلية. كما عبّرت التصريحات الرسمية، بما فيها ما صدر عن إدارة منطقة الغاب، عن هذا الاتجاه، من خلال التأكيد على احتواء الحدث وعدم الانجرار وراء الشائعات، والعمل على معالجة الأضرار ضمن إطار منظم.
لكن هذا المستوى لا يختصر الصورة. إذ يظهر إلى جانبه مستوى آخر يمكن تسميته «استقرار المنع»، وهو مستوى مختلف من حيث طبيعته ووظيفته. فالسؤال لا يتعلق فقط بقدرة الدولة على إنهاء التوتر بعد وقوعه، بل بقدرتها على منعه من التوسع منذ لحظاته الأولى. هنا تحديداً، تكتسب الوقائع اللاحقة وزناً تحليلياً أكبر: بطء نسبي في التدخل في بعض المراحل، تكرار محاولة الدخول إلى المدينة في اليوم التالي، وعدم وضوح مسار المحاسبة بشكل فوري. هذه العناصر لا يمكن المرور عليها بوصفها تفصيل صغير في ما حدث، بل كمؤشرات على أن وظيفة الردع لم تصل بعد إلى درجة تجعل التوسع غير ممكن عملياً.
في هذا السياق، جاءت قراءة الباحث سمير سعيفان لتضيف بعداً مهماً يفيدنا أن نضيء عليه، لكونه باحثاً معتدلاً، أصله من المنطقة، وله مؤلفات مهمة في سياق التفاعل المجتمعي هناك. ينطلق سعيفان ليس من الحدث وحده، بل من البيئة التي حدث فيها. فقد أشار إلى أن السقيلبية تاريخياً جزء من فضاء اجتماعي متداخل في منطقة الغاب، وأنها لم تكن ساحة صراع أهلي بين مكوناتها وجوارها، بل مركزاً لعلاقات يومية ممتدة. ومن هنا، فإن ما جرى، وفق هذا المنظور، لا يعكس طبيعة العلاقة المستقرة بقدر ما يعكس خللاً طارئاً في آليات الضبط، مرتبطاً بظواهر مثل تكرار الاحتكاكات الصغيرة، وضعف الردع المبكر، وتنامي أنماط من السلوك الفردي غير المنضبط.
الآلية التي تحكم هذا النوع من الأحداث تبدو متكررة في أكثر من مكان. السبب المباشر يكون محدوداً: احتكاك بين أفراد. لكن تحوله إلى أزمة أوسع يمر عبر ثلاث حلقات: أولاً، قابلية المجتمع المحلي للاستنفار السريع ضمن دوائر القرب الجغرافي أو الاجتماعي؛ ثانياً، وجود أدوات عنف خارج إطار الضبط القانوني تسمح بتوسيع الفعل؛ وثالثاً، غياب تدخل رادع في اللحظة الحاسمة يقطع مسار التصعيد. هذا التتابع هو ما يحول «الحادثة الفردية» إلى مؤشر أوسع، لا بسبب حجمها، بل بسبب قابليتها للتكرار وفق الآلية نفسها.
بين الرواية الرسمية الجامدة والحركة
من هنا، يصبح تعدد الروايات حول ما جرى جزءاً من التحليل نفسه. فبين رواية رسمية تؤكد الاحتواء واستعادة الهدوء، وروايات محلية تشير إلى تأخر الردع أو محدوديته، يتشكل مجال إدراكي يعكس تبايناً في تعريف «الاستقرار». في المستوى الأول، الاستقرار يعني عودة الحياة الطبيعية بعد التدخل. في المستوى الثاني، يعني وجود يقين مسبق بأن القانون سيمنع التوسع قبل أن يحدث. هذا الفرق هو ما يفسر استمرار النقاش بعد انتهاء الحدث، وتحول مسألة المحاسبة إلى عنصر مركزي في تقييم ما جرى.
كما أن ما حدث في السقيلبية لا يمكن فصله عن مناخ أوسع شهد خلال الفترة الأخيرة سلسلة من التوترات الصغيرة في أماكن مختلفة، غالباً ما وُصفت بأنها «حوادث فردية». هذا الوصف صحيح على مستوى السبب المباشر، لكنه لا يفسر نمط التكرار. لأن التكرار هنا يشير إلى بنية مشتركة: احتكاكات محدودة، تتحول سريعاً إلى توتر أوسع، ثم يجري احتواؤها، من دون أن يُغلق المسار الذي أنتجها. وبهذا المعنى، فإن الحدث لا يكتسب دلالته من حجمه، بل من موقعه ضمن هذه السلسلة.
الاجتماع الذي عُقد في اليوم التالي داخل إدارة منطقة الغاب يعكس بدوره هذا التداخل بين الاحتواء والمعالجة. فهو جمع بين ممثلي الدولة ووجهاء محليين ومجالس صلح، وأنتج مسار تهدئة فعالاً على المدى القصير. لكن اعتماده على الوساطة الاجتماعية بالتوازي مع المسار القانوني يشير إلى أن الضبط ما زال يتم عبر مزيج من الأدوات، وليس عبر القانون وحده. وهذا ما يجعل الاستقرار الناتج عنه قابلاً للاستمرار، لكنه غير محصّن بالكامل ضد التكرار. ومما يثير الاهتمام ميل البعض إلى تحميل السلطات، تحديداً عبر وضع اللوم على قرارات محافظة دمشق حصر المشروبات الروحية في «الأماكن ذات الأغلبية المسيحية»، مسؤولية إطلاق العنان للمنفلتين من القانون لمهاجمة المسيحيين على أسس طائفية. ورغم أن هذا الطرح ليس بالضرورة طرحاً ذا مكانة عند تحليل ما حدث، إلّا أنّه يمكن أن يوصلنا إلى فهم الجو العام المتوتر في سوريا
أما على مستوى القراءة الأوسع، فإن السؤال الذي يطرحه العنوان — هل ما جرى «بداية» أم «نهاية» أم مجرد حلقة في «مسبحة» — لا يُجاب عنه عبر الحدث نفسه، بل عبر نمطه. فالمعطيات لا تشير إلى بداية مسار جديد كلياً، ولا إلى نهاية حالة قائمة، بل إلى استمرار نمط يتشكل كلما تراجعت وظيفة المنع لصالح وظيفة الاحتواء. وهذا النمط لا يعني بالضرورة انهياراً، لكنه يشير إلى مرحلة انتقالية لم تستكمل فيها شروط «الاستقرار المؤسسي».
في هذا الإطار، يصبح الحفاظ على السلم الأهلي مسألة مرتبطة بكيفية إدارة هذا النمط، لا فقط بكيفية التعامل مع كل حادثة على حدة. وهو ما يتطلب ثلاث خطوات مترابطة: أولاً، رفع فعالية الردع القانوني بحيث يصبح التدخل المبكر قادراً على قطع مسار التوسع، فلا يعود العمل على التهدئة بل على الاستقرار المؤسساتي. ثانياً، حصر استخدام القوة والسلاح ضمن إطار الدولة بصورة عملية، ولكن هذه الدولة يجب أن تمثل الجميع في سوريا، مناطقاً وأدياناً وطوائفاً وأعراقاً، حتى تكون مؤسسات الدولة ذات مصداقية بالنسبة للجميع. وثالثاً، إدارة القرارات والسياسات المحلية بحساسية أعلى للسياقات الاجتماعية، بما يقلل من إنتاج التوترات القابلة للاستثمار أو التصعيد.
عند تحقيق هذه النقاط يمكن الانتقال من التعامل مع الحوادث بوصفها حلقات متفرقة إلى معالجتها ضمن إطار يحد من تكرارها، ويعيد تعريف «الاستقرار» بوصفه قدرة على المنع، لا مجرد القدرة على التهدئة بعد وقوع الحدث. وللأسف الشديد، لا يمكن تحقيق أيّ ممّا قيل بشكل كامل دون الانتقال إلى وضع التشاركية السياسية الكلية بين جميع أبناء سوريا، ضمن حكومة وحدة وطنية تنقذ البلاد من الذين يسعون للاستثمار في نمط الأحداث لإثارة القلاقل والفتن.
اقرأ أيضاً: بين «لازم يحترمونا» و«هذه حريتي الشخصية».. سوريا وخطر التحول «لغيتوات اجتماعية»
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.