بقلم: ريم ريّا
في محافظةٍ تُعرف بوفرة أمطارها مقارنةً ببقية الجغرافيا السورية، يبدو الحديث عن أزمة مياه أمراً متناقضاً للوهلة الأولى. غير أن الواقع الخدمي في اللاذقية يكشف فجوة واضحة بين الموارد الطبيعية المتاحة والقدرة الفعلية على إدارتها واستثمارها.
هنا يبرز مشروع إعادة تأهيل محطة بللوران الأولى بوصفه خطوة مفصلية في مسار إعادة ترميم البنية التحتية المائية، لا سيما في المناطق الريفية الممتدة شمال المحافظة. المشروع، الذي يجري بحث تسريع تنفيذه بالتعاون بين مؤسسة المياه واليونيسيف، يتجاوز كونه عملاً تقنياً إلى كونه اختباراً لقدرة الإدارة العامة على تحويل الدعم الدولي إلى نتائج ملموسة على الأرض.
الواقع المائي في اللاذقية.. أمطار غزيرة وشبكات متعبة
رغم ارتفاع معدلات الهطول المطري بشكل نسبي في الساحل السوري، فإن الاستقرار المائي لا يرتبط بحجم الأمطار فقط، بل بكفاءة التخزين، والتنقل، والتوزيع، وصيانة المنظومات. سنوات الضرر التي طالت منشآت المياه، إلى جانب التخريب والسرقة في بعض المناطق، أدت إلى تراجع القدرة الإنتاجية لعدد من المصادر الحيوية.
المثال الأقرب، هو “بئر وادي باصور” في منطقة كنسبا، الذي يخدم نحو 10 آلاف نسمة في أربع قرى ضمن جبل الأكراد، والذي تعرض لأعمال تخريب خلال السنوات الماضية، بحسب تصريحات مدير عام المؤسسة “عبد الخالق دياب”. إعادة تأهيله تأتي ضمن خطة أوسع لإصلاح الآبار والمصادر المتضررة، ما يعكس أن التحدي ليس نقص المياه كمورد طبيعي، بل تضرر البنية التحتية وفاقد الشبكات. في هذا السياق، تصبح إعادة تأهيل محطة بللوران الأولى جزءاً من معالجة هيكلية وليست مشروعاً منفصلاً.
اقرأ أيضاً: عكارة مياه الشرب في اللاذقية بين التفسير الطبيعي وحق المواطن بالمياه الآمنة
محطة بللوران الأولى.. مورد تجميعي حيوي
تقع محطة بللوران في ريف اللاذقية، ولها دور مزدوج في منظومة المياه، إذ تضخ نحو 6100 متر مكعب يومياً من مياه الشرب، وتروي قرابة 13070 هكتاراً من الأراضي الزراعية، وتغذي عشرات القرى الممتدة من زغرين حتى كسب والبسيط.
هذه الأرقام تضع محطة بللوران في موقع استراتيجي، خصوصاً في المناطق ذات الطبيعة الجبلية، حيث يصعب تأمين بدائل سريعة. فمتوسط 6100 متر مكعب يومياً يعادل أكثر من مليوني متر مكعب سنوياً، وهي كمية كافية لتأمين احتياجات عشرات آلاف السكان وفق معدلات استهلاك ريفية معتدلة.
أهمية المحطة لا تنبع فقط من حجم الضخ، بل من كونها مورداً تجميعياً منظماً، ما يعني أن أي تراجع في أدائها ينعكس مباشرة على استقرار القرى الزراعية والحدودية، حيث تشكل المياه عاملاً حاسماً في تثبيت السكان ومنع الهجرة الداخلية.
الخطة الموضوعة لتأهيل المحطة.. تعاون تقني ونية في تسريع التنفيذ
وفقاً لما نشر عن الاجتماع التنسيقي بين مؤسسة المياه واليونيسيف أمس الأربعاء 25 شباط 2026، فإن النقاش ركز على:
- استعراض المراحل التنفيذية للمشروع.
- تذليل الصعوبات التي قد تعترض سير العمل.
- تسريع وتيرة الإنجاز.
- تعزيز التعاون في مشاريع إعادة الإعمار، خاصة في مناطق العودة.
لعل الدلالة الأهم هنا، أن المشروع لا يُطرح كترميم جزئي، بل كإعادة تأهيل للبنية التحتية المتضررة. وجود “اليونيسيف” كشريك داعم يشير إلى احتمال توفر تمويل أو دعم فني يخفف العبء عن الموازنة المحلية ويمنح المشروع فرصة تنفيذ بمعايير أعلى نسبياً من الحلول الإسعافية المعتادة.
غير أن نجاح هذه الخطة مرهون بعدة عوامل، منها، وضوح الجدول الزمني للتنفيذ والخطوات، ضمان استدامة الصيانة بعد انتهاء المشروع، كفاية التمويل مقارنةً بحجم الضرر، فضلاً عن تقليل الفاقد في الشبكات المرتبطة بالمحطة.
الجدوى الفنية والاقتصادية من الخطة.. كقراءة تحليلية بسيطة
في حال افترضنا، أن إعادة التأهيل ستعيد المحطة إلى طاقتها التصميمية الكاملة أو تحسن كفاءتها التشغيلية بنسبة حتى 15 – 20%، فإن ذلك يعني زيادة محتملة تتجاوز 900 إلى 1200 متر مكعب يومياً، وهي كمية كفيلة بتقليل ساعات التقنين أو توسيع نطاق الخدمة.
أما زراعياً، فإن استقرار “ريّ” 1370 هكتاراً، يعني إنتاج زراعي سنوي ينعكس مباشرةً على الأمن الغذائي المحلي والدخل الريفي. كل هكتار مستقر مائياً هو عامل تثبيت سكاني إضافي في منطقة تشهد هجرةً داخليةً نحو المدن لعوامل متعددة.
عموماً، بمعايير التكلفة والمنفعة، مشاريع إعادة تأهيل مصادر قائمة غالباً ما تكون أقل كلفة من إنشاء مصادر جديدة بالكامل، وأسرع أثراً، ما يمنح المشروع جدوى اقتصادية مرتفعة نسبياً إذا ما نُفذ ضمن الإطار الزمني المخطط.
ختاماً، إعادة تأهيل محطة بللوران الأولى ليست مجرد ورشة صيانة. بل حلقة في سلسلة إعادة بناء منظومة مائية تضررت بفعل سنوات من التخريب والضغط والحرائق. الأرقام المتاحة تظهر لنا أن المحطة تشكل ركناً رئيسياً في توازن الريف الشمالي للاذقية، وأن أي تحسن في أدائها سينعكس على الاستقرار الزراعي والسكاني.
الرهان الحقيقي اليوم، ليس فقط على إنجاز المشروع، بل في تحويله إلى نموذج إدارة مستدامة، بشراكة واضحة وتنفيذ منضبط وفق جدول زمني، إضافةً إلى صيانة دورية تمنع العودة إلى نقطة الصفر.