ألعاب

من أوصل العلم «الإسرائيلي» إلى ساحات السويداء؟

من أوصل العلم «الإسرائيلي» إلى ساحات السويداء؟

مقال رأي – عروة درويش

ليس رفع العلم «الإسرائيلي» في ساحات السويداء بمشهدٍ عابر يمكننا تجاوزه، ولا يمكن «لوطنية التريند» التي تغلّف طائفية البعض إلّا أن تزيدنا إزعاجاً من الانقسام الحاصل. إنّ هذا المشهد جرحٌ في الوجدان السوري، وصفعةٌ للذاكرة السورية الجماعية التي ترى في جبل العرب رمزاً لوحدة البلاد ومهداً لثورة سوريا الكبرى التي انطلقت من منزل سلطان باشا الأطرش. 

لكن علينا إن أردنا أن نستخلص العبر، وأن نصل للحظة يمكن فيها سحب العلم الإسرائيلي من السويداء ومعه ذرائعه، ومن جميع أنحاء سوريا أيضاً، أن نفكّر بعقلٍ بارد، وأن نفهم بأنّ ما جرى هو انكشافٌ لمدى تصدّع الهوية الوطنية السورية، وأن نبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدّت له، والعوامل التي أدامته، لنتمكّن بعدها من إيجاد الحلول المناسبة لاستعادة هذه الهوية.

السويداء كما بقيّة سوريا: رعايا وليس مواطنين

لم تولد الدعوات للانفصال في ساحات السويداء في ليلة، ولا راية العدو ارتفعت من فراغ. جرى تجريف الانتماء الوطني منذ زمن طويل، حين صودرت السياسة باسم «القائد»، وتمّ تحويل المجتمع إلى «رعايا» لا مواطنين. باسم السلم ومواجهة «إسرائيل»، جرى سحق الحريات ونهب الثروات وتكميم الأفواه. ومع الزمن، وبفعل البعث وزبانيته، أصبح الكلام الوطني عند عامّة السوريين لغة من خشب، مرتبطة بالقمع والفقر ونقص الكرامة والعدالة.

والنظام ذاته الذي حوّل الوطنية إلى مرادف للسخرية، أوصلنا جميعاً – نحن السوريون – بعد 2011 إلى حرب عمّقت خلافاتنا، وتركت الباب واسعاً لأمراء الحرب ليتصدرو المشهد على جثث أحبائنا، ازدادت الكارثة عمقاً. الدم السوري سال على أيدي السوريين أنفسهم، والتدخلات الخارجية تضاعفت، والإعلام النفسي لعب دوره في قضم ما تبقّى من ثقة بالوطن. 

ليس الهدف من هذا الكلام تبرئة السلطة الحالية أو إيجاد العذر للعملاء الساعين لخدمة العدو والانفصال، فالهجوم الأرعن على السويداء أشعل فتيلاً كان الأولى إطفاؤه، لتسمح عقلية الحلّ الأمني لأصحاب دعوات مشبوهة بتصدّر المشهد والتحوّل إلى أبطال في أعين المدنيين الذين قاسوا هم ومن حولهم من الجرائم والانتهاكات. لكن الهدف من العودة إلى أصل المشكلة أن نفهم أننا اليوم، حين نشهد رايات غريبة في ساحات السويداء، فما هي إلّا نتيجة مباشرة لهذا التاريخ من الانتهاك والخذلان، أكثر مما هي خيار واعٍ لأهالي المحافظة.

لعبة الخيارات المستحيلة

الذين يرفعون شعارات «الانفصال» و«تقرير المصير» في السويداء لا ينتمون إلى نسيجٍ واحد، بل فيهم مجموعة تتصرّف بردّات الفعل على ما قاسوه من جرائم وتجاوزات التتار الطائفيين. يمكن للسلطة استعادة هؤلاء إلى الولاء للدولة السورية والرغبة ببنائها بشكل تدريجي، إذا هي قامت بحق بمحاسبة المجرمين من حملة السلاح، والبدء بعملية سياسية واسعة شاملة تجعلهم يدركون أنّهم جزء أصيل من الوطن.

أمّا المجموعة الأخرى، التي تريد أن تديم مصالحها، أو تبني لها مصالح جديدة بالاعتماد على العمالة للعدو الصهيوني، فهؤلاء لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال التفاهم معهم إلّا بهزيمتهم، وقد تكون هذه الهزيمة – وهو الشكل الأمثل لها، بعزلهم عبر استقطاب الناس وإبعادهم عنهم. وقد تكون هزيمتهم – إذا ما اجتمعت لها الظروف المواتية وأوّلها تأييد القسم الأعظم من أهل السويداء – بالعمل العسكري الوطني. 

لكن، من ناحية أخرى، الذين يريدون الاستقواء بالعدو لديهم مشكلة في قراءة الوضع الدولي الجيواستراتيجي. الحديث عن القراءة الجيواستراتيجية هنا ليست ترفاً ثقافياً، بل هي المدخل لفهم الممكن من المستحيل. إنّ تقسيم الدول ليس أمراً يحدث دون دعم وغطاء دولي، وهذا ما يثبته لنا التاريخ الحديث. فسواء كان الحديث عن بنغلادش، أو عن الحالة الأشهر يوغسلافيا، فهذا كلّه لم يحدث إلّا لأنّ المرحلة كانت تسمح لدعاة التقسيم «بدعمٍ من الأمريكي طبعاً» بالبروز هم وسلاحهم.

إن استمرّت الأحداث على مسارها اليوم – تعنّت من السلطة من جهة واستفادة من العملاء من هذا التعنّت من جهة أخرى – فقد نشهد شكلاً أو آخر من التقسيم المشوّه. لكنّ هذا النوع من التقسيم لن تكتب له الحياة، فبعد عامٍ أو اثنين، أو مهما طال الزمن، سينهار هكذا تقسيم لا أساس واقعي سياسي أو اقتصادي له، لكنّ الفارق أنّ الدماء التي ستسيل منذ اليوم وحتّى ذلك الحين ستجعل المشهد أقسى بكثير، وستعظّم خساراتنا جميعنا كسوريين، ويكفينا أن نتذكّر الدماء التي سالت منذ تعنّت السلطة في 2011 وحتّى سقوطها في نهاية 2024.

عقليّة الراعي

إنّ ما تشهده سوريا اليوم من تجييش لا سابق له في وسائل الإعلام، يتمّ بدعمٍ كلّي من جزء من الساسة الأمريكيين ودولتهم العميقة، ويهدف في النهاية إلى تحويل سوريا إلى صاعق تفجير لدول مجاورة أكبر، والتالي الأكثر ترشيحاً لذلك هي تركيا.

من هنا يبدو منطقيّاً أن نسمع عن تلك المشاريع البلهاء والمستفزة في آن، التي يطرحها القادة الصهاينة، أمثال نتنياهو وحديثه عن «إسرائيل الكبرى»، أو وزير دفاعه الذي أعلن أنّ وجود القوات الصهيونية في سوريا أمرٌ ضروري ولا يخضع للنقاش، أو النشر الإعلامي لما يسمّى «ممرّ داود». لكن لماذا منطقي؟ منطقيّ لأنّه تطبيق عملي لما يسمّى «نافذة أوفرتون The Overton Window». إنّ نافذة أوفرتون تحدث عندما تطرح مشاريع مستفزة ومستحيلة التطبيق، لكنّ الهدف من طرحها ليس تطبيقها، بل تخويف الناس وإقلاقهم بحيث يقبلون بالطروحات والمشاريع التي كانت محظورة يوماً ما، فقط لأنّها أقلّ منها سوءاً، وأتحدث هنا بشكل دقيق عن: التقسيم، والحماية الدولية…الخ.

إنّ الهدف الأكبر للصهاينة ورعاتهم من هذا التشويش هو تضييق أفق النقاش الوطني حدّ اختطافه من مساره، ليصبح محصوراً بين سيء وأسوأ، يساعدهم في ذلك أصحاب الرؤوس الحامية من جميع الأطراف، الرافضين – من أجل مصالحهم الشخصية فقط – الذهاب إلى حلّ سياسي شامل حقيقي. هؤلاء الرافضين للحلول السياسية، مثلهم مثل بشار الأسد، مستعدون لتقديم التنازلات للخارج مهما كانت فادحة وتشوش السيادة الوطنية، ولكن غير مستعدين للتنازل من أجل الشعب السوري.

لا يحق لأحد أن يتعامى عن دور القوى الخارجية التي استثمرت في شرخ الهوية السورية، لكن المسؤولية الداخلية أكبر. عقلية الاستئثار بالسلطة، منذ نهاية الخمسينيات، وبعدها الستينيات وصولاً إلى ما بعد سقوط السلطة السابقة، هي المسؤولة الأولى والأكبر عن تفتيت المجتمع وإذلال الناس وإفراغ الانتماء الوطني من معناه، وربط الناس بانتمائاتهم الضيقة بدلاً من الانتماء الوطني الأوسع. 

لكنّ سقوط السلطة لم يكن سقوطاً للنظام، بل سقوطاً لرأسه ولأذرعه الأمنية والعسكرية القديمة، أمّا جوهره فلا يزال قائماً: عقلية «الراعي» التي تحكم الرعايا وتمنعهم من أن يكونوا مواطنين، فهؤلاء الرعايا الذين عانوا من تقسيم وقمع وتجييش، تحولو اليوم إلى «رهينة تمّ تحريرها ولا حقّ لها بالسؤال عن الوجهة!»، وليس إلى مواطن مكسور يجب إعادة بناءه.

الحل: مشروع وطني ديمقراطي

ليس الانزلاق إلى التخوين حلاً، ولا التلويح بالانفصال مخرجاً، فكلاهما وجهان لنتيجة واحدة: مزيد من الدماء والخراب. وحده المشروع الوطني الديمقراطي الشامل قادر على دفن العلم الأزرق وإحياء العلم السوري كرمز جامع. هذا المشروع يبدأ بمؤتمر وطني عام حقيقي، يولد منه دستور دائم، وحكومة وحدة وطنية شاملة، وانتخابات حرة مباشرة حقيقية، تأتي في لحظتها لتردّ القرار إلى الشعب. قد يستغرق هذا المسار سنوات، ولكنّه مسار تشاركي يدفع بالأجندات الخارجية بعيداً، ويمنع الصهاينة ورعاتهم من تفتيت سوريا.

العلم الأزرق في السويداء إنذار تاريخي، لكنّه ليس قدراً محتوم. إنّه مرآة تكشف أن الهوية السورية مهددة بالزوال. إنّ ما عانى منه أبناء السويداء ليس محصوراً بهم، وليس محصوراً بطائفة الدروز وحسب، بل هو نتيجة للتهميش السياسي الذي عانى منه جميع أبناء سوريا، ويستمرون بالمعاناة منه اليوم. إنّ جميع أبناء سوريا: السنّة وأبناء الطوائف الأخرى، العرب وغير العرب، عانوا من داء عابر للطوائف والقوميات، وتستمرّ معاناتهم منه اليوم: الإقصاء والتهميش السياسي، والذي أدّى بشكل مباشر إلى حرمانهم من حق التعبير عن مصالحهم وإلى فقرهم وعدم حصولهم على حقّهم من الدخل القومي لسوريا.

أمّا المستفيدون من التهميش السياسي للسوريين فكانوا، ولا يزالون: الناهبين وأصحاب المشاريع الريعية الذين لا يأبهون بالسوريين، لا بدمائهم، ولا بنموّهم، ولا بتطوّرهم. هؤلاء هم من تفيدهم طبول الحرب، والعمالة للصهيوني والانبطاح له، والحلول الأمنية، وبروز أمراء الحرب. أمّا السوريون، فيجب أن يكونوا على الطرف الآخر، في خندق إفشال مشاريع هؤلاء، ليس في السويداء وحسب، فأهلها ليسوا وحدهم المنوط بهم إفشال الصهيوني، بل ذلك على عاتق جميع السوريين…

اقرأ أيضاً: سوريا من جديد في حسابات الناتو… يبحث الأطلسي عن مقعده في البلاد

اقرأ أيضاً: هل سيبني الإسرائيليون مستوطنات في سوريا؟

————————————————————————————————————

تنويه
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.