صحة و جمال

من المرفأ إلى المصانع.. هل تعيد الخطوط الحديدية إحياء نقل البضائع في سوريا؟

من المرفأ إلى المصانع.. هل تعيد الخطوط الحديدية إحياء نقل البضائع في سوريا؟

تستعد اليوم مؤسسة الخطوط الحديدية السورية لإطلاق أولى رحلات الشحن التي تربط بين مرفأ اللاذقية ومدينة عدرا الصناعية في ريف دمشق، مما يعيد إلى الأذهان مشهد سنواتٍ كانت فيها القطارات شرياناً رئيسياً لحركة التجارة في سوريا.

ويحمل المشروع أبعاداً اقتصادية تتجاوز نقل البضائع فهو محاولة لإعادة إحياء شبكة السكك الحديدية التي تضررت بشكل كبير خلال سنوات الحرب الماضية، كما أن ربط المرافئ بالمناطق الصناعية وخط الإنتاج من شأنه أن يخفف من الضغط المتزايد على النقل البري وما يرافقه من ارتفاع في تكاليف التشغيل، ويعيد الحيوية إلى النقل الداخلي.

تجهيزات واسعة لإعادة تشغيل الخطوط الحديدية السورية

تشير البيانات الرسمية إلى أن التحضيرات الفنية لإطلاق الرحلة الأولى جاءت بعد أعمال صيانة وإعادة تأهيل شملت  المقاطع الحيوية من الخط الحديدي، ما يعني أن العملية تسير وفق تخطيط مُسبق.

كما عملت الفرق الفنية على إصلاح بعض من أجزاء البنية التحتية للسكك الحديدية فضلاً عن صيانة القاطرات والعربات التي ستُستخدم في نقل الشحنات الثقيلة، مما تطلب من الفرق الفنية توخي كل معايير الدقة لضمان سلامة عملية التشغيل خاصة أن النقل من خلال الخطوط الحديدية يعتمد بشكل أساسي على الانضباط الصارم.

وشملت الأعمال أيضاً إزالة العوائق الطبيعية التي كانت قد تراكمت على بعض المقاطع الحديدية خلال السنوات الماضية مثل الأعشاب والانسدادات الجزئية، بالإضافة إلى إجراء اختبارات متعددة للتأكد من جاهزية الخط وقدرته على استيعاب الحركة التشغيلية الفعلية

وفي هذا السياق، أكدت وزارة النقل أن الهدف من هذه المرحلة يتعدى إطلاق الرحلة الأولى والتوقف عندها، حيث تسعى أيضاً إلى إعادة بناء الجاهزية التشغيلية بشكل متدرج لشبكة السكك الحديدية، حتى يكون من الممكن توسيع الخطوط لاحقاً وضم خطوط إضافية داخلية تشمل المحافظات بشكل أوسع.

الأرقام تكشف حجم التحديات في قطاع السكك الحديدية

تكشف الأرقام المتعلقة بقطاع الخطوط الحديدية حجم الضرر الذي تعرضت له الشبكة خلال سنوات الحرب الماضية، حيث تشير تقديرات وزارة النقل إلى أن قرابة 1800 كيلو متر من أصل 2800 كيلو متر من الشبكة الحديدية السورية كانت قد خرجت من الخدمة بشكل جزئي أو كامل.

ويعكس هذا الرقم حجم التراجع الذي أصاب قطاع السكك الحديدية في سوريا والذي كان يشكل في وقت من الأوقات أحد أبرز أعمدة نقل البضائع والركاب بين المحافظات السورية.

وعلى الرغم من هذا التراجع فلا تزال الجهود تنظر إلى القطاع بوصفه قطاعاً استراتيجياً قابلاً لإعادة التشغيل، خاصة أن خطوط الشحن التي تربط بين المرافئ والمناطق الصناعية تعتبر من الخطوط القوية اقتصادياً بشكل أعلى مقارنة بغيرها من الخطوط، وذلك يعود لاعتمادها على نقل المواد الأولية والبضائع الثقيلة بكميات كبيرة.

عدرا الصناعية

تُعتبر مدينة عدرا الصناعية واحدة من أكبر المدن الصناعية في سوريا وأكثرها تنوعاً من حيث الأنشطة الإنتاجية، ويُعدّ ربطها المباشر بمرفأ اللاذقية من خلال الخطوط الحديدية خطوةً إيجابية تتمثل بتقليل حلقات النقل المتعددة ذات الكلفة التشغيلية والزمنية الكبيرة.

وإلى ذلك، يُمكن القول إن الربط المباشر بين المرفأ والمنطقة الصناعية بمثابة نموذج للنقل الحديث الذي يعتمد على الكفاءة في نقل البضائع الثقيلة بدلاً من الاعتماد بشكل شبه كلي على الشاحنات، فضلاً عن دور هذا الربط في فتح الباب أمام إعادة تنظيم سلاسل الإمداد الداخلية في البلاد.

تجربة نقل الحبوب تمهد للمشروع الجديد

سبق هذا المشروع تجربة لنقل الحبوب من مرفأ اللاذقية إلى مدينة حلب وكان نقطة تحول هامة في إعادة تشغيل قطاع الشحن السككي، حيث نُقل ما يقارب 1500 طن من الحبوب ضمن رحلة كانت الأولى من نوعها بعد توقف استمر لنحو 15 عاماً، وهو ما يشكل مقياساً عملياً لمدى قدرة الشبكة على العودة إلى العمل الفعلي بعد سنوات من التوقف.

إلى جانب الجوانب اللوجستية، نوّهت وزارة النقل بأن إعادة تشغيل خطوط الشحن تضمّ جزءاً من خطة أوسع لإعادة إحياء قطاع النقل وتعزيز النشاط الاقتصادي بحيث تُربط المدن الصناعية بالمرافئ الرئيسية في البلاد، وتسعى المؤسسة إلى توسيع نشاط النقل من خلال السكك الحديدية ليشمل مستقبلاً المحروقات والمواد الصناعية والبضائع التجارية بين مختلف المحافظات السورية.

ووفقاً للمعلومات الرسمية فإن نجاح التجربة بين اللاذقية وحلب كان مؤشراً مشجعاً على توسيع نطاق العمل وضمّ خطوط إضافية في مقدمتها خط اللاذقية – عدرا الصناعية، وذلك ضمن رؤية تدريجية لإعادة تشغيل محاور النقل الرئيسية التي تربط الساحل السوري بالمناطق الداخلية.

رؤية أوسع لإعادة إحياء قطاع النقل السككي

يُعتبر مشروع خط اللاذقية – عدرا الصناعية جزءاً من السياق الأوسع لإعادة بناء قطاع النقل في سوريا، حيث تتحدث تقارير اقتصادية عن خطط أخرى لإعادة تأهيل كبيرة لشبكة السكك الحديدية بتكلفة تقديرية تصل إلى 5.5 مليار دولار، وتأتي هذه الخطط ضمن توجه شامل هدفه إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل وربط المرافئ بالمناطق الإنتاجية بشكل أكثر كفاءة.

وبالتزامن مع إطلاق هذا الخط يجري العمل على إعادة تأهيل خطوط أخرى مثل خط طرطوس – تلكلخ، لإعادة وصل الساحل بالمناطق الداخلية مما يعزز من قدرة الشبكة الحديدية على استعادة دورها التاريخي في نقل البضائع وربما نقل الركاب مستقبلاً.

يبدو أن خط الشحن بين مرفأ اللاذقية وعدرا الصناعية يمثل اختباراً جديداً لمدى قدرة الجهات المعنية على احتواء حجم التحديات الموثقة بالأرقام، وتعزيز قدرة قطاع السكك الحديدية على استعادة موقعه ضمن منظومة الاقتصاد السوري.

كما أن نجاح الرحلة الأولى قد يشكّل نقطة انطلاق لمرحلة أوسع من إعادة تشغيل الخطوط الحيوية التي تربط الساحل بالداخل وتعيد للقطارات دورها كأداة رئيسية في نقل البضائع وتقليل تكلفة النقل ودعم الرحلة الإنتاجية، ويبقى هذا الخط خطوة أولى على طريق طويل من الخطط لإحياء شريان اقتصادي كان يوماً من أهم ركائز حركة التجارة في البلاد.

اقرأ أيضاً: ملف السكك الحديدية: فساد بعشرات المليارات لماذا يظهر الآن؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.