اقتصاد

من المنصة الرقمية إلى المزرعة: كيف ننقذ الثروة الحيوانية؟

من المنصة الرقمية إلى المزرعة: كيف ننقذ الثروة الحيوانية؟

بقلم هلا يوسف

تقف سوريا اليوم على حافة تدهور الأمن الغذائي نتيجة تداخل أسباب عديدة اقتصادية وزراعية وسياسية. وعند الحديث عن محاولات لمعالجة أسباب هذا التدهور، يجب النظر إلى الثروة الحيوانية التي تعد من أهم ركائز الاقتصاد بشكل عام. لأنها تسهم بشكل أساسي في الأمن الغذائي للأسر الريفية، وتوفر اللحوم والحليب والبيض، إلى جانب دعم الصناعات الغذائية المرتبطة بها.

ويمكن لأي مواطن سوري أن يلتمس أهمية هذا القطاع من خلال أسعار اللحوم في السوق، وارتفاعها لدرجة يعجز جيبه عن دفعها. لذلك تحاول وزارة الزراعة معالجة هذا القطاع عبر التوجه نحو الخطوة الأولى وهي إطلاق المنصة الوطنية لإحصاء الثروة الحيوانية، بهدف جمع بيانات دقيقة تعتمد على التحول الرقمي، وتعزز اتخاذ القرار القائم على الأدلة. وتأتي هذه الخطوة بالتعاون مع مؤسسة مدد للتنمية وبناء السلام، لتشكل قاعدة بيانات وطنية شاملة يمكن تحديثها سنوياً ومتابعة مستويات الإنتاج بكفاءة عالية.

ويؤكد خبراء الاقتصاد الزراعي، مثل الدكتور أسامة قاضي، المستشار الاقتصادي الأول لوزارة الاقتصاد والصناعة، أن نجاح عملية الإحصاء يمثل خطوة أساسية لوضع السياسات الزراعية الدقيقة، حيث تساعد على تحديد الاحتياجات العلفية، وتحسين توزيع الموارد، وتقليل الهدر، مما يسهم في استقرار قطاع الثروة الحيوانية وتحقيق الأمن الغذائي.

الإحصاء وأهميته

أشارت وزارة الزراعة إلى أن الجولة الإحصائية للثروة الحيوانية ستمتد في الفترة بين 4 و17 آذار 2026، بدعوة المربين للتعاون مع فرق العدادين المنتشرين في القرى والمناطق. وأشارت الدائرة الإعلامية للوزارة إلى أهمية تقديم بيانات دقيقة وموثوقة، حيث أن أي خطأ في المعلومات قد يؤدي إلى حرمان المربي من الاستفادة من البرامج والدعم الحكومي مستقبلاً.

وتتضمن المنصة الوطنية إحصاءات شاملة عن الثروة الحيوانية، وعدد المربين، والدوائر الزراعية والوحدات الإرشادية، لتكون أداة متكاملة لتحليل بيانات الإنتاج الحيواني على المستوى الوطني. ويقول المهندس عبد الرحمن قرنفلة، خبير الإنتاج الحيواني لدى المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة، إن “الإحصاء الدقيق هو حجر الأساس لتخطيط استراتيجي مستدام للثروة الحيوانية، ويمكن من خلاله تحديد الفجوات العلفية، وحجم الرعي المطلوب، وأولوية استهداف المشاريع التنموية الزراعية”.

ويشير تقرير المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة 2017 إلى أن الفجوة المعلوماتية كانت أحد أبرز أسباب تراجع إنتاج الثروة الحيوانية، إذ لم يكن هناك ترقيم أو قاعدة بيانات وطنية لتتبع القطيع، ما أثر على قدرة الحكومة على تقديم الدعم الفعال للمربين، كما ساعد على ضياع الأصول الوراثية وتدهور المراعي الطبيعية.

إحصاءات الثروة الحيوانية

وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لعام 2024، بلغ عدد الأغنام في سوريا نحو 18.8 مليون رأس، بينما بلغ عدد الماعز حوالي 2.5 مليون رأس، والأبقار أكثر من مليون رأس.

بينما تشير الإحصائيات أن الثروة الحيوانية قبل 2011 لعبت دوراً حيوياً في الاقتصاد، إذ بلغت أعداد الأغنام نحو 18 مليون رأس، والماعز 2.2 مليون رأس، والأبقار نحو 1.1 مليون رأس، إضافة إلى نحو 25 مليون طير من الدواجن وما يقارب 637 ألف خلية نحل.

يشير الدكتور أسامة قاضي، المستشار الاقتصادي الأول لوزارة الاقتصاد والصناعة، إلى أن هذه الأرقام تعكس تراجع الثروة الحيوانية بنسبة تتراوح بين 30 و40% خلال السنوات الأخيرة، مع خسارة نحو سبعة ملايين رأس من الأغنام وحوالي 400 ألف رأس من الأبقار، ما أدى إلى انخفاض ملكية الحيوانات لدى الأسر الريفية إلى النصف تقريباً.

كما قدرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) خسائر قطاع الماشية بنحو 5.5 مليار دولار بعد ست سنوات من الحرب، وأن إجمالي خسائر القطاع الزراعي السوري بلغ نحو 16 مليار دولار خلال الفترة نفسها، شملت أضراراً في الأصول الإنتاجية وتراجعاً حاداً في الإنتاج.

ويضيف قاضي أن الإنتاج الحيواني كان قبل الحرب يمثل نحو 37% من قيمة الإنتاج الزراعي، كما يشكل مصدر دخل مباشر أو مساعد لشريحة واسعة من المربين والأطباء البيطريين والعاملين في الصناعات الغذائية المرتبطة به.

أسباب تراجع الثروة الحيوانية

أسهمت الحرب التي دامت قرابة أربعة عشر عاماً وما رافقها من تدمير في البنية التحتية إلى صعوبة تداول الثروة الحيوانية بين المناطق المختلفة، مما أثر على إنتاجية القطعان. عدا عن ارتفاع تكاليف الأعلاف. إذ أدى ضعف المراعي الطبيعية الناتج عن مواسم جفاف متتالية إلى اضطرار المربين إلى شراء الأعلاف الصناعية بأسعار مرتفعة، ما زاد الضغط المالي عليهم.

موجات الجفاف التي ضربت سوريا لم تولد خلال الحرب فقط، بل تعود لما قبل عام 2011. حيث تدهورت البيئة الطبيعية، وتقلصت مساحات المراعي الطبيعية من عشرة ملايين هكتار لتصبح أكثر عرضة للتدهور، كما انقرضت الكثير من النباتات العلفية الهامة وحلت محلها نباتات أقل إنتاجية. كل ذلك ساهم في ضعف الإنتاجية، فعلى الرغم من زيادة أعداد الأبقار قبل الحرب، إلا أن إنتاج الحليب انخفض بنسبة تصل إلى 25% بين 2006 و2010، مما عكس خللاً في كفاءة الإنتاج.

ويشير المهندس عبد الرحمن قرنفلة، خبير الإنتاج الحيواني لدى المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة أن متوسط إنتاج الحليب في سوريا يبلغ 2500 كغ للبقرة الحلوب، مقارنة بمتوسط 8500 كغ في الدول المتقدمة، فيما يصل وزن ذبيحة البقر في سوريا إلى 117 كغ مقابل 227 كغ في الدول المتقدمة، وهو ما يعكس الحاجة الملحة لتعزيز الإنتاجية وتحسين كفاءة استخدام الموارد العلفية والمائية.

ويضيف الخبير قرنفلة أن استقرار الثروة الحيوانية يعتمد على توفير مقومات أساسية، أبرزها المراعي الطبيعية التي توفر أكثر من 70% من احتياجات الحيوانات العلفية لمدة 5–7 أشهر في السنوات الجيدة، عدا عن تنويع مصادر الأعلاف المحلية والمخلفات الزراعية.

الحلول المقترحة لتعزيز الثروة الحيوانية

يشير الخبراء إلى أن معالجة أزمة الثروة الحيوانية تتطلب مجموعة من الإجراءات العملية، وفي مقدمتها تحسين استغلال المخلفات الزراعية، أي القيام بالمعالجة الميكانيكية والكيميائية للمخلفات النباتية والحيوانية لتعزيز قيمتها الغذائية لسد الفجوة العلفية البالغة نحو 2.5 مليون طن سنوياً.

ومن ثم رفع كفاءة الأعلاف المحلية، عبر زيادة المساحات المزروعة بالأعلاف الخضراء والحبوب العلفية، مع التركيز على الإنتاج المتكامل لتلبية احتياجات الثروة الحيوانية. مع إعادة النظر في تركيبة الثروة الحيوانية، حيث يمكن اعتماد أنواع وعروق أقل استهلاكاً للمياه والمساحة، مثل الدواجن والأغنام، مقارنة بالأبقار، لتقليل الضغط على الموارد الطبيعية.

أما خطوة تطوير قاعدة بيانات وطنية، والتي تقوم على ترقيم جميع الحيوانات وربطها إلكترونياً لتسهيل التخطيط الاستراتيجي ومتابعة الإنتاج، وتحسين سياسات الدعم الحكومي، فهذا ما قامت به الوزارة في الخطوة التي تحدثنا عنها في البداية.

باختصار، تسير وزارة الزراعة في الطريق الصحيح نحو استعادة الثروة الحيوانية في سوريا. ويبقى تطبيق خطتها، وتعاون مربي المواشي معها هي الحكم الفاصل في النهوض بهذا القطاع.

اقرأ أيضاً: فيروس يضرب عصب أسواق المواشي السورية .. الأرزاق في خطر!!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.