بقلم: ريم ريّا
في الحقيقة، الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل بات عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل أسواق العمل على مستوى العالم. بينما تبرز وظائف جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة سابقة، لا تزال نسبة استخدام هذه التقنية في سوريا محدودة وخجولة إلى حدٍ ما، ما يضع البلاد أمام تحديات كبيرة في الاستفادة من التحول الرقمي.
هذا المقال يستعرض أحدث الأرقام العالمية والإقليمية، الوظائف الجديدة التي يولدها الذكاء الاصطناعي، والمشهد السوري بين الجهود المبكرة للتحول الرقمي والفجوة الرقمية التي تحد من انتشار التكنولوجيا.
مهن عصر الذكاء الاصطناعي وسوريا خجولة في حضورها
تقارير دولية عدة، من بينها تقارير لصحيفتي “واشنطن بوست” و”بيزنس إنسايدر“، توضح أن المرحلة المقبلة ستشهد طلباً متزايداً على وظائف مرتبطة مباشرة ببناء وتشغيل وتوجيه أنظمة الذكاء الاصطناعي. من أبرز الوظائف التي أفرزها تطور الذكاء الاصطناعي، وظيفة مصمم محادثات الذكاء الاصطناعي، التي يتولى ابتكار الأوامر وبناء آليات التفاعل بين المستخدم والنماذج الذكية، وهي وظيفة تتطلب مهارات لغوية وتقنية وفهماً معمقاً للسلوك البشري. كذلك، يبرز دور خبير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المسؤول عن وضع السياسات والمعايير الأخلاقية لاستخدام هذه التقنية، مع مراعاة التبعات القانونية والاجتماعية لقرارات الأنظمة الذكية.
كما تشمل الوظائف أيضاً، مهندس معرفة الذكاء الاصطناعي، والمكلف ببناء وتنظيم قواعد البيانات التي تعتمد عليها النماذج في إنتاج المعرفة، إضافةً إلى مصمم التفاعلات الذي يعمل على تعزيز الثقة بين المستخدمين والأنظمة الذكية وتحسين تجربة الاستخدام. يواكب ذلك ازدياد الطلب على مهندسي الذكاء الاصطناعي ومهندسي البنية التحتية الخاصة به، الذين يتولون تطوير النماذج وإدارة البيانات البرمجية وخطوط البيانات اللازمة لتشغيلها.
بالرغم من هذا الزخم العالمي، تكشف البيانات المتاحة عن محدودية انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي في سوريا. فقد أظهر تقرير صادر عن “مختبر الذكاء الاصطناعي من أجل الخير” التابع لشركة مايكروسوفت أن نسبة المستخدمين في سوريا لا تتجاوز 6.7% من إجمالي السكان في سن العمل بين 15 و64 عاماً. ووضعت هذه النسبة سوريا ضمن الثلث الأخير عالمياً في تصنيف شمل 147 دولة واقتصاداً، مقارنةً بنسب أعلى في دول عربية مجاورة مثل الأردن بنسبة 25.4%، ولبنان 24.8%، ومصر 12.5%، والمغرب 10.5%.
اقرأ أيضاً: التأخر التقني في سوريا نعمة! العالم يستبدل موظفيه بالذكاء الاصطناعي
أرقام ترصد الفجوة الرقمية ومؤتمر للذكاء في دمشق بلا ترجمة عملية
اعتمد التقرير الصادر من “مايكروسوفت”، على منهجية “حصة مستخدمي الذكاء الاصطناعي”، المبنية على بيانات استخدام فعلية من منتجات الشركة. مع الأخذ بعين الاعتبار نسب الوصول إلى الإنترنت والأجهزة الرقمية في كل دولة.
تظهر النتائج ارتباطاً مباشراً بين مستوى الدخل والبنية الرقمية من جهة، ومعدلات استخدام الذكاء الاصطناعي من جهةٍ أخرى. إذ احتلت الإمارات التصنيف العالمي بنسبة استخدام بلغت 59.4%، تلتها سنغافورة بنسبة 58.6%. تشير هذه الأرقام إلى أن الفجوة الرقمية مازالت العائق الأبرز أمام انتشار هذه التقنيات، في دول ذات بنية تحتية ضعيفة.
في السياق نفسه، استضافت دمشق “AI-Syria 2025“، في أيار 2025، وهو أول مؤتمر للذكاء الاصطناعي في سوريا. في خطوة لافتة عكست الاهتمام الرسمي والأكاديمي المتزايد بهذا المجال الرقمي الذي يمثل لغة العصر الحديث. ومع مناقشة المؤتمر لفرص استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات التعليم والصحة والخدمات الحكومية في البلاد، وما خلص إليه من توصيات ركزت على تطوير الكفاءات المحلية وتعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاع العام. إلا أن هذه المخرجات بقيت، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، ضمن إطار عام، دون أن تتحول إلى برامج تنفيذية واضحة المعالم.
لماذا تتقدم دول المنطقة وسوريا في مكانها وربما في تأخر!
إذا ما أردنا مقارنة سوريا بتجارب الدول الإقليمية في مجال الذكاء الاصطناعي سنخلص إلى العديد من العوامل التي تبرر تأخر سوريا عن ركب التحول الرقمي العربي والعالم. على سبيل المثال: لماذا السعودية تتقدم على سوريا في مجال الذكاء الاصطناعي وتقنياته؟
الإجابة باختصار ووضوح، هناك جملة من العوامل الحاسمة التي تجعل الفرق واضحاً بين الدولتين، أبرزها الاستثمار المكثف في البنية التحتية الرقمية في السعودية وغياب ذلك عن سوريا، إضافةً إلى تبني استراتيجيات سعودية وطنية واضحة للتحول الرقمي وهذا أيضاً غائب في سوريا. إضافةً إلى برامج شاملة لتأهيل الموارد البشرية وربط السياسات الحكومية باحتياجات السوق. بالمقابل لا تزال الجهود السورية في هذا المجال متفرقة، رغم وجود محاولات للرقمنة في بعض القطاعات.
بالمحصلة، بين التوسع العالمي في وظائف الذكاء الاصطناعي والتحديث المرصود حالياً، وتواضع نسب استخدامه محلياً في البلاد، تبدو سوريا أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تضييق الفجوة الرقمية وربط جهود التحول الرقمي باستراتيجية طويلة الأمد تحتاج لجهد مكثف من الجهات المعنية. فالتقنية بحد ذاتها متاحة، لكن الخطط والبنية التحتية الرقمية المناسبة هي الغائبة.