بيئة

هل تغير الزراعة الاستوائية هوية الزراعة في الساحل السوري؟

هل تغير الزراعة الاستوائية هوية الزراعة في الساحل السوري؟

بقلم: ريم ريّا

تتغير ملامح الزراعة في الساحل السوري تباعاً، فلم يعد تبدل نوع المحاصيل الزراعية مجرد ظاهرة هامشية أو تجارب فردية، بل باتت تتخذ نهجاً واضحاً يعيد تشكيل هوية المنطقة الزراعية غرب البلاد.

المحاصيل الزراعية التقليدية سجلت تراجعاً في جدواها الاقتصادية، على رأسها الحمضيات والبندورة، وبدأت الفواكه الاستوائية تفرض نفسها كخيار اقتصادي بديل، مدفوعةً بارتفاع تكاليف الانتاج من جهة ووعود بالأرباح المرتفعة من جهة أخرى. تحول يبدو مغرياً على السطح، لكنه يفتح باب التساؤلات حول هذا النوع من الزراعة، هل هو خيار اضطراري مؤقت أم نقلة نوعية مدروسة؟ وهل ستنافس الزراعة الاستوائية المحاصيل المحلية أم ستبقى موجودة على هامش السوق؟

الساحل السوري يتحول نحو الزراعة الاستوائية

خلال 14 عاماً قد مضت، شهد الساحل السوري تحديداً طرطوس، توسعاً لافتاً في زراعة الفواكة الاستوائية من الموز والأفوكادو إلى البابايا والقشطة. ساهم في هذا التحول جملة من العوامل المناخية والاقتصادية. فالساحل يتمتع بالمناخ الرطب المعتدل والذي يميل للدفء في الشتاء، ما يجعله مناسباً لتلك الزراعات بشكل نسبي.

كان للعامل المناخي دوره، لكن العامل الحاسم في هذا التوجه هو العامل الاقتصادي، بالأحرى “الضغط الاقتصادي”. فبحسب مديرية زراعة طرطوس، إن ارتفاع مستلزمات الإنتاج خاصة في الزراعات المحمية، مقابل انخفاض أسعار المنتجات التقليدية دفع المزارعين للبحث عن بدائل أكثر ربحية.

كما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفواكه الاستوائية باتت تغطي 10% من الأراضي الزراعية في الساحل السوري، مع تسجيل لتراجع الحمضيات بنحو 20%. هذه الأرقام لا تعني انقلاباً كاملاً لحال الزراعة، لكنها تشير إلى بداية تحول تدريجي يضع نصب عينيه الربح أكثر من التخطيط والتوجه.

اقرأ أيضاً: التبغ “ذهب الساحل” بين رياح الأزمات وأوتاد الخصخصة .. هل من مُستقر؟

هل تنافس المحاصيل الاستوائية المحاصيل التقليدية في الساحل؟

عند النظر لأبرز المحاصيل الاستوائية انتشاراً في الساحل، نلاحظ تصدر الأفوكادو، يليه المانجو والببايا ثم القشطة والموز، وهناك تفاوت في زراعة ثمرة الدراغون فروت. كل هذه المحاصيل تختلف درجة نجاحها من مكان لآخر ومن مزارع لآخر. لكن التجربة الحالية تشير إلى أن ثمرة الأفوكادو هي الأكثر استقراراً وربحية.

من الواضح أن المحاصيل الاستوائية تمتلك القدرة على منافسة المحاصيل التقليدية، مدفوعةً بعدة عوامل، منها، العائد الاقتصادي المرتفع وهو الأهم. فسعر كيلو الأفوكادو في بعض المواسم قد سجل من 25 – 50 الف ليرة، أما البابايا فتنتج للهكتار الواحد على سبيل المثال من 20 إلى 30 طناً سنوياً، مع إنتاج يصل إلى 100 كغ للشجرة في الأصناف المحسّنة.

لكن المنافسة ليست محسومة. فبعض المحاصيل، مثل الموز، أظهرت هشاشة واضحة، حيث أدت تقلبات السوق والاستيراد إلى انخفاض الأسعار في بعض المواسم والفترات من 20 – 40 ألف إلى 8 -10 آلاف ليرة، ما دفع بعض المزارعين إلى اقتلاع أشجارهم.

هل ستتغير معالم الزراعة في الساحل؟

حقيقةً، لا يمكن الجزم بالتغيير الجذري أو حتى استمرار هذه الموجة. لكن المشهد الحالي يوحي بالتحول تدريجياً. فحتى الآن تؤكد آراء الخبراء أن الزراعة الاستوائية في الساحل السوري لن تكون بديلاً كاملاً عن المحاصيل التقليدية، بل ستبقى مهما بلغت ضمن إطار التنوع الزراعي.

الآراء تنوعت وحملت مقاربات واضحة، أولها من يرى أن هذه الزراعات تمثل فرصة اقتصادية واعدة، لا سيما في حال تحسين إمكانية التصدير مما سيحسن دخل المزارعين. ليعلو صوتٌ حذر، يحذر من المخاطر البيئية والزراعية التي يمكن أن تنتج عن هذا النوع من الزراعات، ومنها: تعرض النبات الاستوائي لموجات الصقيع وهو ما لم تقدر المحاصيل التقليدية على التغلب عليه بعد، نقص المياه والحاجة إليها بالرغم من تحسن الهطولات، احتمال اختلال التوازن البيئي والتنوع الحيوي، فهذا التغيير غير مدروس بشكل جدّي.

وهناك رأي ثابت إلى حدٍ ما، يعتبر أن هذه الزراعات ستستمر، لكنها لن تلغي الهوية الزراعية للساحل السوري، بل ستعيد تشكيلها بشكل تدريجي ضمن مزيج بين التقليدي والاستوائي.

ختاماً، المشكلة ليست في الزراعة نفسها، بل في غياب التخطيط. فحتى الآن، لا توجد خطة حكومية واضحة ولا فردية حتى لتنظيم هذا التوسع، ما يجعل التحول قائماً على اجتهادات فردية غايتها الربح أكثر من كونه سياسة زراعية مدروسة مدعومة من قبل الدولة ومدفوعةً برغبات المزارعين.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.