بقلم: ديانا الصالح
شهدت أجور النقل بين المحافظات السورية ارتفاعاً قياسياً مقارنة بالفترة ما قبل التحرير، ما أثقل كاهل المواطنين عامة وفئة الموظفين والطلاب خاصة، وعلى الرغم من محاولات وزارة النقل لاعتماد تسعيرة رسمية محددة، إلا أن كفة الميزان لا تزال ترجّح مصلحة أصحاب الشركات على حساب المُفقرين وفقاً لما يصفه ناشطون محليون.
وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات: ما أسباب ارتفاع الأجور الجنوني، وكيف يؤثر ارتفاع تكاليف النقل على الحياة الاجتماعية للأسر السورية؟ وهل من حلول تراعي موازنة المصالح؟
أجور النقل بين المحافظات السورية
ارتفعت أجور النقل بين المحافظات السورية بشكل مضاعف عما كانت عليه خلال السنوات السابقة، لتتحول إلى عبء جديد يُثقل كاهل المواطنين سواء كانوا عائلات أو طلاباً وموظفين، وسط تحليلات تربط الأزمة بارتفاع أسعار المحروقات وتحريرها إلى جانب تداولها بالدولار، في ظل غياب الرقابة الفعالة.
وفي هذا السياق، يوضح مدير مؤسسة النقل العامة، عمر قطان، أن تحديد تسعيرة النقل من دمشق إلى باقي المحافظات، ينطلق من مجموعة معايير فنية واقتصادية، وعلى رأسها طول المسافة إلى جانب طبيعة الطريق، مع مراعاة مستلزمات المركبات وما يرافقها من صيانة دورية، فضلاً عن التكاليف التشغيلية لقطاع النقل عموماً، مشيراً إلى أن هذه السياسة تعمل على تحقيق الموازنة بين مصلحة المواطن وضمان استمرارية خدمات النقل.
في المقابل، يطالب ناشطون محليون بإعادة النظر في سياسة التسعيرة مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة المواطن الشرائية المنهكة، لكيلا يقع ضحيةً لاستغلال الحاجة ويتكبد وحده تكاليف الظروف الاقتصادية، وفقاً لرأيهم.
زيارة الأهل رحلة شاقة لطلاب المحافظات
يشكل ارتفاع أجور المواصلات بين المحافظات عائقاً كبيراً أمام طلاب السكن الجامعي، محولاً المسافات الفاصلة بين أماكن الدراسة ومنازل الأهل إلى عبء مادي جديد يثقل كاهل العائلات، رشا ونوس طالبة في جامعة دمشق من محافظة حماه، تروي لسوريا اليوم 24 حجم معاناتها قائلةً: “تبلغ تكلفة الرحلة الواحدة حوالي 125 ألف ذهاباً فقط، دون احتساب تكاليف النقل الأخرى الخاصة بالوصول إلى الكراج وهذه التكلفة تختلف في كل رحلة، كنت أزور أهلي ثلاث مرات شهرياً، ولكن اليوم لم يعد بإمكاني تكرار الزيارة، فأبي موظف حكومي لا يمكن لراتبه تغطية هذه النفقات”، مشيرة إلى سعيها للبحث عن عمل يعينها على مصروفها.
ولا يقتصر الارتفاع على المسافات الطويلة، حيث تبين ونوس أن زميلتها من السويداء كانت تدفع حوالي 75 ألف ليرة، في الوقت الذي تضاعفت فيه تكاليف النقل الداخلي في العاصمة أيضاً، موضحةً أن الطالب القادم من ريف دمشق يحتاج اليوم أكثر من 30 ألف ليرة للوصول إلى جامعته، فالتكلفة من الريف إلى الكراج أصبحت 14 ألفاً بعد أن كانت لا تتجاوز 5 آلاف ليرة قبل التحرير.
وتؤكد الطالبة أن موجة الغلاء خلقت نوعاً من الضغوط النفسية الخانقة لا سيما بالنسبة للمغتربين عن أهلهم، مبينة أنها تمثل حال الغالبية العظمى من الطلاب الذين باتوا محرومين من زيارة الأهل، والتي كانت تشكل لهم متنفساً وساحة تفريغ للطاقة السلبية المكبوتة وسط تردي الأوضاع في السكن الجامعي.
تقديرات أجور النقل
تتباين أجور المواصلات من شركة إلى أخرى، ووفقاً لشهادات عدد من الركاب توجد حالات استغلال لحاجة المواطن، حيث ترتفع تكلفة النقل بين المحافظات السورية خلال الذروة في بداية الأسبوع ونهايته، كما في الأعياد والمناسبات أيضاً، مما يعكس غياباً ملموساً لدور الرقابة الفعالة وضبط الأسعار.
كما يلعب نوع وسيلة النقل إضافة إلى عدد الركاب دوراً كبيراً في تحديد الأجرة، فالفانات على سبيل المثال أسعارها أعلى من البولمانات، وعلى الرغم من لجوء محدودي الدخل إلى الخيارات الأقل تكلفة، تبقى هذه الأجور مرتفعة بالنسبة إليهم.
يبلغ متوسط تكلفة النقل من دمشق إلى باقي المحافظات وفقاً للتقديرات المحلية كالتالي:
- إلى حماه بين 75 و100 ألف ليرة سورية، ولكنها غالباً ما تتخطى هذه الحدود لتصل إلى أكثر من 130 ألف ليرة وفقاً لشهادات طلاب الجامعات القادمين منها.
- يبلغ متوسط الأجرة إلى محافظة حمص بين 50 و75 ألف ليرة.
- وتُقدر الأسعار إلى حلب من 135 وحتى 150 ألف.
- أما بالنسبة لمحافظة اللاذقية فيصل متوسط الأجرة إلى 135 ألف ليرة.
- فيما يسجل متوسط الأجور في طرطوس 90 ألف.
- وإلى تدمر بين 100 و125 ألف
- أما المناطق الشرقية فتتراوح التكلفة بين 150 و200 ألف ليرة.
بالنسبة لتعرفة النقل في كراج الهوب هوب، فهي أقل تكلفة بشكل نسبي ولكنها لا تحدث فرقاً واضحاً بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود إلى جانب رداءة جودتها وتدني مستوى خدماتها وفقاً لما يصفه مراقبون، وفي هذا السياق، تبلغ الأجرة من دمشق إلى حلب تبلغ نحو 110 آلاف ليرة، أي تكلفة نقل الأسرة المكونة من خمسة أفراد تصل إلى أكثر من 500 ألف ذهاباً، بينما تُقدر إلى اللاذقية بحوالي 90 ألف ليرة.
أعباء مالية واجتماعية
يرافق موجة غلاء أجور النقل بين المحافظات السورية جملة من الأعباء المالية والاجتماعية، حيث تتزايد الأعباء المعيشية اليومية لا سيما عند احتساب تكلفة النقل بشكل تراكمي، فهي تتخطى في بعض الحالات حدود الراتب بالكامل، خصوصاً بالنسبة للطلاب والموظفين، مما يهدد جودة العمل والتعليم على حدّ سواء، فوفقاً لاستطلاع آراء طلاب على مواقع التواصل الاجتماعي تبين ارتفاع نسبة التغيّب واقتصار حضورهم على الجلسات العملية الأكثر أهمية، لعدم قدرتهم على تغطية نفقات النقل.
وفي تصريح سابق للمفوض السامي في الأمم المتحدة فولكر تورك، أكد أن نحو 90% من المواطنين السوريين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، مما يعكس هشاشة الواقع المعيشي، ويضع غلاء أجور المواصلات ضمن قائمة الأعباء التي تفوق طاقة المواطن، وهذا ما يستدعي ضرورة تضافر الجهات المعنية لتحقيق التوازن في حياتهم، لا سيما الموازنة العادلة بين نسبة الإنفاق والدخل.
كما يشير محللون اقتصاديون إلى أن ارتفاع أجرة النقل، يسهم في خلق حالة من التضخم، فمعظم أسعار المواد تتأثر بتكاليف النقل المرتبطة بأسعار المحروقات التي تم تحريرها وربطها بسعر الدولار، بالتالي فإن أزمة التكلفة بين المحافظات غيض من فيض الأزمات التي تثقل كاهل المواطنين وتعيق حياتهم المعيشية.
وفي تفسير موسع لهذه المشكلة، يوضح الباحث الاقتصادي فراس شعبو أن ارتفاع أسعار الوقود يرتبط بتراجع قيمة الليرة السورية وتداوله بالدولار الأمريكي، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، بالتالي ينعكس بشكل مباشر على أجور المواصلات، خاصة التنقل بين المحافظات.
أما بالنسبة للآثار الاجتماعية التي يفرضها ارتفاع أجور النقل بين المحافظات السورية، فتتمثل بفتور العلاقات الاجتماعية الصحية والتعرض لمواقف محرجة كالتغيب عن مناسبات معينة أو زيارة مريض، فضلاً عن الضغوط النفسية وسط العجز عن موازنة الدخل.
وفي هذا الصدد، يؤكد الباحث الاجتماعي تمام أحمد، الأثر المباشر لارتفاع أجور السفر على غالبية العائلات، حيث باتت تشكل عبئاً ثقيلاً يُضاف إلى سجل الضغوط المعيشية التي يعانيها المواطن السوري في شتى المجالات، مشيراً إلى التوجه نحو التواصل الرقمي لسد نقص التواصل المباشر، مما ولّد نوعاً من الفتور الاجتماعي وكبت لمشاعر الاشتياق.
ويقف أحمد عند مسألة الحرج الاجتماعي خاصة فيما يتعلق بالاعتذار عن حضور مناسبات مهمة كتقديم التعازي أو المباركات أو زيارة المرضى، مشيداً بالمبادرات الفردية لبعض المواطنين ممن يملكون سيارات في إعلان خدماتهم مجاناً للعائلات المُفقرة.
وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات كوسيلة لتخفيف الأعباء المالية والاجتماعية على بعض المواطنين، يحذر ناشطون محليون من المخاطر المحتملة لا سيما في ظل حالة عدم الاستقرار وانتشار حوادث الخطف.
الحلول المقترحة
يحدد خبراء الاقتصاد مجموعة من الحلول المقترحة قصيرة وبعيدة المدى، مشيرين إلى ضرورة الدمج بينها للوصول إلى حلول مثالية ترضي جميع الأطراف، منها إعادة النظر في سياسة التسعيرة بما يراعي الوضع المعيشي والقدرة الشرائية للمواطنين المتآكلة أصلاً بفعل التضخم، وذلك من خلال فرض تسعيرة متوازنة مع تفعيل دور الرقابة بشكل فعال، إلى جانب التوجه نحو تفعيل النقل الحكومي وعدم احتكاره من قبل الشركات الخاصة مما يشجع على المنافسة، إضافة إلى إمكانية تقديم مساعدات مادية أو تسهيلات خاصة بالفئات الأكثر هشاشة ضمن المجتمع السوري.
أما بالنسبة للإصلاحات بعيدة المدى، فيؤكد تقرير تحليلي صادر عن معهد التحرير للسياسات في الشرق الأوسط، ضرورة تطوير البنية التحتية للنقل العام من خلال توسيع شبكاته مثل السكك الحديدية والحافلات، مشيرة إلى أهمية المساعدات الدولية في التوجه لبناء هذا القطاع، مما يسهم أيضاً في خلق فرص العمل نتيجة لما يتطلبه حجم مثل هذه المشاريع.
تبقى مسألة ضبط أجور النقل بين المحافظات السورية، وموازنتها بما يتماشى مع الظروف المعيشية للمواطنين، رهينة للسياسات الاقتصادية والإدارة القوية القادرة على اتخاذ قرارات من شأنها النهوض بواقع السوريين وقطاع النقل العام معاً، وذلك ليس مستحيلاً عبر التخطيط الاستراتيجي ودمج الحلول الإسعافية للتخفيف من حدة الأزمة، مع الإصلاحات بعيدة المدى للوصول إلى استدامة النقل والمصالح المتوازنة.
اقرأ أيضاً: أسعارٌ كاوية وجيوبٌ مُستنزَفة .. إلى متى فوضى الوقود السوري؟