بقلم: ريم ريّا
التعليم والتدريب المهني في سوريا يمثلان أداة أساسية لتعزيز رأس المال البشري ودعم الاقتصاد الوطني، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار. على مدى السنوات الماضية، شهدت برامج التدريب المهني توسعاً كبيراً لتشمل مجالات متعددة، من الحرف اليدوية إلى التكنولوجيا والصناعة، بهدف تمكين الشباب وتزويدهم بمهارات تؤهلهم لدخول سوق العمل. إلا أن السؤال الأهم يبقى: لماذا لا تثمر هذه البرامج بالنتائج المرجوة على صعيد خلق فرص العمل المستدامة؟
التحديات التي تواجه التعليم المهني في سوريا
هناك العديد من التحديات التي تعترض سوريا في مجال التعليم والتدريب المهني. إذ تشير الدراسات إلى أن معدلات البطالة ارتفعت من نحو 9 – 14% عام 2010، إلى حوالي 43% في السنوات الأخيرة. في ظل عجز القطاع الخاص عن استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
البرامج التدريبية بالرغم من تنوعها وشمولها، غالباً ما تؤدي إلى نتائج محدودة، مع معدلات منخفضة للاستبقاء الوظيفي. حيث تتراوح معدلات التوظيف الناتجة عن برامج التعليم المهني والتدريب قصيرة الأمد عادةً بين 10% و30% فقط، ويظل الاستمرار في العمل بعد عام واحد منخفضاً إلى نحو 30% من هذه النسبة. التكلفة المرتفعة للتدريب لكل وظيفة مستدامة، والتي يمكن لها أن تصل إلى 13.000 دولار، تجعل البرامج الحالية غير فعالة على نطاق واسعٍ.
اقرأ أيضاً: فجوة المهارات في سوريا: التعليم خارج السوق وسوق العمل خارج التعليم
حال التعليم والتدريب المهني اليوم في البلاد
في الحقيقة، يمتلك النظام التعليمي السوري المهني جذوراً عميقة، تمتد إلى ستينات القرن الماضي، مع شبكة واسعة من المدارس الثانوية والمعاهد التقنية المتوسطة التي تغطي مجالات، التجارة، الصناعة، البناء، الزراعة، تكنلوجيا المعلومات، السياحة.
لكن هذا التاريخ العريق غير كافي، ولا يخفي واقعاً متعثراً، فالمناهج الدراسية قديمة، والجانب العملي ضعيف ومتراجع، فضلاً عن أن الروابط مع سوق العمل هشة، ما يحد من قدرة الخريجين على إيجاد وظائف مناسبة. رغم محاولات البرامج الحديثة في السنوات الأخيرة مواجهة تلك العقبات، من خلال تقديم منح عينية أو نقدية، ودعم مؤقت للأجور، فضلاً عن دمج التدريب العملي ضمن الشركات. لا تزال نتائج هذه الجهود خجولة ومحدودة، فلم يثمر الكثير منها، ولم يستطع خلق فرص عمل على نطاق واسع ومستدام، ما ترك فجوة واضحةً بين الاحتياجات الحقيقية المتجددة لسوق لعمل السوري والتعليم.
ماذا ينقص التعليم المهني.. وكيف يمكن النهوض؟
أشارت الخبرة الدولية، إلى أن التعليم والتدريب المهني وحده لا يخلق الوظائف، وللحصول على نتائج يجب دمجه مع برامج المساعدة الفنية الموجهة إلى الشركات الصغيرة أو المتوسطة، والتي تمثل العامود الفقري للاقتصاد السوري.
هذه المساعدات الفنية، تكون بتكلفة أقل لكل وظيفة مستدامة (2500 – 5000) دولار، وتشمل تلك المساعدات: الدعم التقني والاستشاري للشركات بغية توسيع عملها وخلق فرص جديدة، كذلك تشمل تحديث البرامج من أجل إعادة النهوض بالقطاع، فضلاً عن إعادة تأهيل الكوادر التعليمية، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص. ناهيك عن ربط المهارات بمتطلبات سوق العمل. وكحالة سوريا يتبلور النهوض أكثر، عند التركيز على القطاعات المنتجة والواعدة في لبلاد، كالصناعات الغذائية، والطاقات المتجددة، والزراعة.
في شهر شباط الجري 2026، عقدت وزارة التربية والتعليم السورية ورشة عمل مشتركة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) لمناقشة تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني. جرى التركيز خلال الورشة على: تطبيق الحوكمة وتوسيع نطاقها، تطوير المعلمين وإعادة تأهيلهم، التركيز على التعليم المزدوج، ودور القطاع الخاص وتفعيله.
كما أكد المشاركون على أهمية التعاون الدولي لتسريع التعافي الاقتصادي، ووضع خارطة طريق واضحة لتحسين جودة التعليم وربطه باحتياجات سوق العمل، مما يعزز فرص الشباب في الحصول على وظائف لائقة ودعم النمو الاقتصادي المستدام.