بقلم هلا يوسف
أصبح خبر ارتفاع الأسعار مشهداً معتاداً لدى السوريين، فمع كل زيادة على الرواتب تأتي الأسعار لتنهشها وتذوب ضمن اسطوانة غاز بمئات الألوف وخضار بعشرات الآلاف. أما اللحوم والدواجن التي هي صلب مقالنا، أصبحت حلم من أحلام العصر الذي يستيقظ منها المواطن مكدراً. عند رؤية الأسعار يمكن للمرء استحضار لوحات بقعة الضوء تلك التي تصور المواطن أمام الفروج المشوي وهو ينتظره بفارغ الصبر بعد مدة طويلة من الحرمان، أو تلك العائلة التي احتفلت بشراء فروج ليذهب مذاقه سدىً بسبب تقسيمه لعدة طبخات، في مشهد يعكس القدرة الشرائية للمواطن، ويبرز عوامل متعددة تلعب في بورصة اللحوم.
شهدت أسعار الفروج ومشتقاته ارتفاعاً واضحاً في المحافظات السورية، حيث تراوح سعر الكيلو بين 32 و40 ألف ليرة، فيما وصل سعر فخذ الوردة إلى نحو 60 ألف ليرة، والشرحات إلى قرابة 96 ألفاً، وهو ما جعل هذه المادة الأساسية خارج متناول شريحة واسعة من الأسر، خاصة في ظل تراجع الدخول. هذا الارتفاع لم يكن معزولاً عن واقع الإنتاج، إذ أكد أصحاب مسالخ في دمشق أن كميات الذبح اليومية انخفضت بشكل ملحوظ من 6–8 أطنان إلى نحو 3 أطنان فقط، نتيجة تراجع عدد كبير من المربين عن الاستمرار في التربية.
وإذا كنا سنلقي باللوم على مربي الدواجن سيواجهونا بأسبابهم التي من أبرزها الارتفاع الكبير في تكاليف مستلزمات الإنتاج، من أعلاف وتدفئة وأدوية وأجور عمال، مقابل هامش ربح ضعيف أو شبه معدوم، مما جعل العملية غير مربحة اقتصادياً. كما أشار باعة الفروج في سوق باب سريجة إلى أن الكميات المعروضة انخفضت بنحو 50% مقارنة بالفترات السابقة، بالتوازي مع تراجع الإقبال على الشراء نتيجة ضعف القدرة الشرائية، وهو ما خلق حالة من الجمود في السوق، حيث يجد البائع نفسه مضطراً إما للبيع بخسارة أو رفع الأسعار لتغطية التكاليف، ما أدى في بعض الحالات إلى إغلاق المحال وتسريح العمال.
لم تقتصر الأسباب على السابق فقط، بل كان لسياسات الاستيراد دور كبير في ضعف المنتج الوطني، إذ يرى مربو الدواجن أن طرح كميات كبيرة من الفروج المجمد المستورد خلال الأشهر الماضية كان من الأسباب الرئيسية في تكبدهم خسائر كبيرة، حيث أدى ذلك إلى انخفاض أسعار الفروج الحي في وقت سابق، ومنعهم من تحقيق أي هامش ربح، مما دفعهم إلى التخلص من أفواجهم والتوقف عن التربية. وقد أشار أحد أصحاب منشآت الدواجن إلى أن إغراق السوق بالمستوردات، إلى جانب انتشار الأمراض الموسمية وارتفاع تكاليف الإنتاج، تسبب بخسائر وصلت إلى مئات الملايين، وأسهم في تراجع الإنتاج بشكل واضح.
وفي ظل الارتفاع الحاصل في أسعار اللحوم والدواجن، جاء قرار تصديرها إلى الأردن كصدمة بالنسبة للكثير من المواطنين، فقد أثار إعلان وزير الزراعة الأردني صائب خريسات عن استيراد 400 طن من اللحوم الحمراء من سوريا جدلاً واسعاً. وتعقيباً على ذلك انتقد نائب رئيس جمعية حماية المستهلك ماهر الأزعط هذه الخطوة، مشيراً إلى أن الجمعية لا يتم استشارتها بمثل هذه القرارات، وأنها تتفاجأ بها عبر وسائل الإعلام، مطالباً بتوضيح آلية التصدير وضمان تلبية احتياجات السوق المحلية قبل التوجه إلى الخارج.
كما لفت الأزعط إلى الفجوة كبيرة بين التسعيرة الرسمية والأسعار الفعلية في الأسواق، حيث يبلغ السعر الرسمي الصادر عن إدارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لكيلو لحم الغنم 190 ألف ليرة، بينما يتراوح سعر اللحم بعظمه بين 130 و135 ألف ليرة. لكن على أرض الواقع، لا تطبق هذه الأسعار في الأسواق، إذ يباع كيلو لحم الغنم بنحو 250 ألف ليرة، فيما يصل سعر اللحم بعظمه إلى ما بين 160 و165 ألف ليرة، وفق ما أوضحه نائب رئيس الجمعية، مع الإشارة إلى أن سعر كيلو الغنم الحي يقارب 77 ألف ليرة.
وفي ظل الأسباب السابقة، يجد القصابون أنفسهم مضطرين لبيع اللحم بأسعار أعلى بسبب ارتفاع التكاليف، ما يجعل الالتزام بالتسعيرة أمراً صعب التطبيق. وتأتي هذه المعطيات في ظل قرارات متغيرة للجنة الاستيراد والتصدير، التي سبق أن أوقفت استيراد عدد من المنتجات الزراعية والفروج بهدف حماية الإنتاج المحلي، إلا أن تأثير هذه القرارات لم ينعكس بشكل واضح على استقرار الأسعار.
المقاطعة الشعبية وتباين الحلول
لم يمر ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن مرور الكرام، حيث قال المواطنون كلمتهم عبر حملة أطلقها ناشطون وأهال في عدة مناطق لمقاطعة الفروج ومشتقاته لمدة عشرة أيام، في محاولة للضغط على التجار والموردين لإعادة النظر في الأسعار التي أصبحت على حد وصفهم غير مبررة. وتأتي هذه الخطوة في وقت يعاني فيه المواطنون من تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، مما جعل الفروج، الذي كان يعد خياراً اقتصادياً مقارنة باللحوم الحمراء، خارج متناول الكثيرين.
ويربط عدد من المواطنين بين هذا الارتفاع وقرارات تصدير الأغنام إلى الخارج، مما أدى إلى تقليص الكميات المتاحة من اللحوم الحمراء في السوق المحلية وارتفاع أسعارها، وبالتالي توجه المستهلكين نحو الدواجن كبديل، وهو ما زاد من الضغط على الطلب ورفع الأسعار بشكل إضافي. ويأمل القائمون على حملة المقاطعة أن يسهم خفض الطلب خلال الأيام المحددة في إحداث تأثير ملموس، يجبر التجار على تخفيض الأسعار، مؤكدين أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل أساسي على التزام شريحة واسعة من السكان.
وفي سبيل الخروج من هذا الارتفاع غير المسبوق بأسعار اللحوم والدواجن، قدم العديد من الاقتصاديين والمختصين تشخيصاً وحلولاً معقولة، فقد أشار رئيس لجنة تربية الدواجن في اتحاد غرف الزراعة السورية نزار سعد الدين إلى أهمية السماح بنقل الفروج بين المحافظات وتقديم التسهيلات اللازمة لذلك، معتبراً أن هذه الخطوة تساعد في تحقيق توازن بين العرض والطلب، خاصة في ظل وجود فائض في بعض المناطق مقابل نقص في مناطق أخرى. وبين أن هذا الإجراء من شأنه تحسين توفر المادة في الأسواق، متوقعاً تحسناً خلال نحو عشرين يوماً مع عودة عدد من المربين إلى العمل، كما شدد على ضرورة تكثيف الرقابة والفحوصات البيطرية، خصوصاً مع السماح باستيراد الصيصان والفروج الحي، لتفادي أي أمراض قد تؤثر على القطاع.
من جهة أخرى، دعا الصناعي مازن ديروان إلى فتح باب استيراد الفروج ومستلزمات إنتاجه بشكل كامل ودون رسوم، معتبراً أن تخفيف القيود وفتح المنافسة يمكن أن يساهم في خفض الأسعار وتحسين جودة الإنتاج، بدلاً من بقاء السوق محصوراً ومحدود الخيارات.
في المقابل، يرى بعض المطلعين أن المشكلة لا تتعلق بنقص الإنتاج بقدر ما ترتبط بارتفاع تكاليفه وسوء إدارة القطاع، إضافة إلى الرسوم المفروضة على مستلزمات الإنتاج. ويشيرون إلى أن القرارات المتأخرة والمتغيرة، خاصة فيما يتعلق بمنع الاستيراد، أدت إلى خسائر كبيرة للمربين، حيث استمر دخول الفروج المستورد لفترة طويلة، ما تسبب بإغراق السوق وتراجع الأسعار سابقاً، ثم انسحاب عدد كبير من المربين، وهو ما انعكس لاحقاً على قلة الإنتاج وارتفاع الأسعار.
كما يلفتون إلى أن تربية الدواجن مهنة أساسية يعتمد عليها عدد كبير من السوريين، وأن أي خلل في إدارتها ينعكس مباشرة على السوق. وفي الوقت نفسه، تطرح تساؤلات حول تصدير الأغنام بكميات كبيرة في ظل ارتفاع أسعار اللحوم محلياً.
في المقابل، قال الخبير الاقتصادي جورج خزام إن أحد أبرز مظاهر الفشل الفكري في المجال الاقتصادي يتمثل في غياب الحلول الحقيقية لدعم الصناعة وزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، والاعتماد بدل ذلك على الاستيراد بهدف زيادة أرباح بعض التجار، وإظهار السوق وكأنه مليء بكل الاحتياجات.
وأضاف أن هذا النهج له ثمن كبير، حيث يؤدي إلى فقدان الوظائف، وارتفاع سعر الدولار، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، وانخفاض الأجور، ما يفاقم حالة الركود الاقتصادي. وأشار خزام إلى أن من أسوأ مظاهر هذا الفشل هو التركيز على استيراد الفروج التركي الرخيص، الذي يكون أحياناً منتهي الصلاحية أو يعتمد على مخلفات المسالخ في تغذيته، على حساب الفروج السوري الصحي الذي يتغذى على الأعلاف النباتية. ويرى أن ارتفاع أسعار الفروج المحلي يعود في جزء كبير منه إلى الإغراق السابق بالسوق بالفروج المستورد الرخيص، ما أدى إلى خسائر كبيرة للمداجن المحلية.
وأوضح أن الحل الحقيقي يكمن في معالجة الأسباب الأساسية التي أدت إلى تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليفه، بدلاً من التركيز على الاستيراد كحل سريع. فخفض أسعار الدواجن لا يحتاج إلى حلول معقدة، بل إلى خطة اقتصادية متوازنة تحمي مصلحة المستهلك والعمال العاطلين، قبل النظر إلى أرباح المستوردين المتنفذين.
بينما يثير مختصون مخاوف من استيراد الدواجن، خاصة الحية منها، لأسباب صحية، مؤكدين أن بعض الدول لا تستورد الدواجن إطلاقاً لتجنب انتقال الأمراض. كما يشيرون إلى أن استيراد الدجاج المجمد يتطلب شروط تخزين صارمة، مثل توفر الكهرباء بشكل مستمر، وهو ما قد لا يكون متاحاً، مما يثير مخاوف تتعلق بسلامة هذه المنتجات في الأسواق.
وكانت قد قررت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير تمديد العمل بالسماح باستيراد بيض الفقس وصوص التربية وفروج الريش حتى نهاية نيسان، بهدف دعم توفر مستلزمات الإنتاج والحفاظ على استقرار السوق.
باختصار، مشكلة ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن حالها كحال الكثير من المواد الغذائية والخضار التي تحتاج إلى سياسة اقتصادية قادرة على تلبية متطلبات السوق المحلية قبل تصديرها إلى الخارج. وعلى الرغم من اتباع سياسة السوق الحرة لكن لا بد من تجديد الطلب على ضرورة فرض سقف لهامش الربح بالنسبة للتجار حتى لا يضيع حق المواطن بين أسباب الإنتاج ومبررات الجهات المعنية.
اقرأ أيضاً: غلاء الألبسة في سوريا: من يتحمل المسؤولية؟