بقلم: ديانا الصالح
تتضاعف ضغوط السوريين النفسية والمادية مع أولى لفحات برد الشتاء، نتيجة لزيادة أعبائهم المعيشية المتمثلة بوسائل التدفئة والألبسة الشتوية التي أضحت هماً جديداً يضاف إلى سجل معاركهم اليومية مع متطلبات الحياة.
وفي ظلّ هذا الواقع المفروض، تغدو أسواق البالة الملاذ الآمن لشرائح واسعة من المجتمع كونها تتيح لهم اقتناء ملابس تقيهم الأمراض وتصون كرامتهم، وفي هذا السياق يثور تساؤل هام: ما أسباب عدم مواكبة القدرة الشرائية لأسعار السلع وما دور السياسات الاقتصادية؟
أسواق البالة تُفرض كحل بديل
على الرغم من انخفاض أسعار الملابس الشتوية بنسبة 25% تقريباً مقارنة بالعام الماضي، إلا أن حركة الأسواق لا تزال محدودة جداً، وهذا ما يفسر توجه أصحاب المحلات نحو بدء عروض التنزيلات في وقت مبكر خوفاً من كساد البضائع.
ولكن هذه الدعايات والخصومات لم تؤتِ ثمارها، فلا يزال الركود سيد الموقف، نتيجة لعدم مواكبة قدرة المواطنين الشرائية للأسعار التي باتت تفوق طاقتهم المادية بأشواط بعيدة، وذلك يعود لتآكل قيمة الأجور بفعل التضخم وما رافقه من ضغوط معيشية خانقة.
يوضح خبراء اقتصاديون أن ارتفاع الأسعار ناجم عن الزيادة الخانقة للتكاليف الإنتاجية والتشغيلية، إلى جانب انعدام الخطط والتسهيلات الحكومية القادرة على دفع عجلة الإنتاج المحلي وتوسيع آفاقه التنافسية، فضلاً عن غياب الرقابة الجدية على أسواق البالة.
ونتيجة لذلك، لمع نجم أسواق البالة كمنقذ للفقراء وأصحاب الدخل المحدود، نظراً للفوارق السعرية الكبيرة مقارنة بالملابس الجديدة، ففي حمص مثلاً، يبلغ سعر الكنزة النسائية الشتوية حوالي 150 ألف ليرة سورية، في حين يتراوح سعرها في أسواق البالة بين 40 و65 ألف ليرة.
وفي هذا السياق، يروي سليمان سلهب، وهو موظف من ريف حمص، لـ “سوريا اليوم 24” معاناته في التوفيق بين مستلزمات المدارس وتكاليف التدفئة التي باتت شغله الشاغل، ويقول: “أنا موظف براتب لا يتجاوز المليون ليرة، ولدي ثلاثة أبناء، في الشتاء، تتحول أولوياتي قسراً نحو تأمين الوقود والبحث عن ثياب تقي أطفالي البرد، لكن كل ذلك يفوق طاقتي”.
ويضيف سلهب: “حتى البالة أصبحت عبئاً، فكسوة أطفالي بسترة وبنطال وكنزة تلتهم نصف راتبي، ناهيك عن لقمة العيش، مرّ وقت طويل لم أشترِ فيه شيئاً لي أو لزوجتي، فالحذاء المهترئ لابني أرسله للإصلاح مراراً رغم أنه لم يعد صالحاً للاستخدام، لكنني ببساطة لا أملك ثمن البديل”.
دور السياسات الاقتصادية
ما بين إيجابية توفير أسواق البالة لبدائل مقبولة عن الجديدة وسلبيتها في التأثير على الأسواق المحلية، تُطرح قضية هامة: دور السياسات الاقتصادية شبه الغائب في إيجاد الحلول والخطط القابلة للتنفيذ لانتشال المجتمع السوري من واقع تآكل الرواتب وعدم قدرته على مواكبة الأسعار مهما انخفضت.
وفي هذا الصدد، يشير محللون إلى أن المشهد الحالي يعكس غياب الرؤى الاقتصادية طويلة الأجل، وهذا ما يتجلى بفتح المجال أمام انتعاش الألبسة الأوروبية، وإعطائها الضوء الأخضر لسحب كرسي القيادة السوقية من تحت الأسواق المحلية، وبدلاً من إيجاد حلول لدعم صناعة الألبسة الوطنية وتشجيعها على المنافسة، أضحتِ البالة المتحكم الأبرز في تحريك دفّة الاستهلاك، في ظل العجز عن كبح جماح التضخم وحماية الإنتاج الوطني.
تبقى السياسات الاقتصادية الفاعل والأساس في انتهاج مسار متوازن يجمع بين تطوير الصناعة الوطنية وتلبية متطلبات المواطنين وفقاً لقدراتهم الشرائية، وذلك من خلال النهوض بالتصنيع المحلي عبر تقديم الحوافز والتسهيلات إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية، ليتحول إلى قوة تنموية اقتصادية واجتماعية، تلقي بظلالها على القدرة الشرائية للمواطن وتزيح عن كاهله عبء ارتفاع الأسعار والضغط النفسي.
اقرأ أيضاً: التحول الطبقي في سوريا: كيف غير الغلاء مفهوم الرفاهية؟