مشاهير

أسواق اللاذقية قبل العيد: هل تكفي الرقابة لضبط الأسعار؟

أسواق اللاذقية قبل العيد: هل تكفي الرقابة لضبط الأسعار؟

الكاتب: أحمد علي

تزدحم اللاذقية قبل العيد كما تفعل المدن حين يقترب موعد اجتماعي لا يمكن تجاوزه. المحال تفتح واجهاتها على آخرها، والأرصفة تضيق بالمارة، والناس تدخل السوق وهي تعرف سلفاً أن القائمة التي في اليد ستُختصر عند الحساب. لا أحد يريد إلغاء العيد، لكن كثيرين يذهبون إليه بأقل مما اعتادوا. هنا لا يصبح السؤال عن وجود البضاعة، بل عن القدرة على شرائها، وعن معنى الرقابة حين يكون السعر معلناً لكنه أعلى من الدخل.

السعر المعلن لا يحل المشكلة وحده

خلال الأشهر الماضية، تحركت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في اللاذقية عبر جولات رقابية على الأسواق والمحال. ركزت الجولات، بحسب ما نشرته وكالة سانا، على الإعلان الواضح عن الأسعار، والالتزام بالفواتير، وتنظيم واقع البيع في المحال والفعاليات التجارية. وفي نيسان 2026، أُعلن أيضاً تفعيل نظام رمز الاستجابة السريعة في المحال، بما يسمح بتوثيق بيانات الفعاليات التجارية وتسهيل الوصول إليها أثناء الرقابة.

هذه أدوات مهمة. لا يمكن أن تعمل السوق بلا سعر ظاهر، ولا بلا فاتورة، ولا بلا جهة تعرف من يبيع وماذا يبيع. لكن المستهلك لا يخرج من السوق مرتاحاً لمجرد أنه رأى البطاقة السعرية. هو يريد أن يكون الرقم قابلاً للدفع. وهنا تبدأ العقدة التي لا تستطيع جولة تموينية واحدة أن تفكها.

الرقابة تضبط المخالفة عندما يكون هناك تلاعب واضح، نقص في الوزن، غش، احتكار، أو سعر غير معلن. لكنها لا تستطيع وحدها أن تخفض كلفة النقل، أو تلغي تعدد الوسطاء، أو تعالج ضعف القدرة الشرائية. لذلك يصبح المشهد أكثر تعقيداً من ثنائية تاجر مخالف ومراقب تمويني. هناك سلسلة كاملة تقف خلف السعر النهائي، من المنتج إلى تاجر الجملة، ومن النقل إلى التخزين، ثم إلى محل المفرق.

صحيفة الثورة تناولت هذه النقطة عند حديثها عن أسواق اللاذقية وآلية ضبطها، مشيرة إلى الفجوة بين ما يحصل عليه المنتج وما يدفعه المستهلك، وإلى أثر الوسطاء في رفع الكلفة. هذا لا يعفي البائع الأخير من مسؤوليته، لكنه يمنع اختزال المشكلة فيه وحده. فالسوق لا تبدأ من الواجهة، بل تنتهي عندها.

العيد يكشف ما تخفيه الأيام العادية

قبل العيد يتغير سلوك الشراء. الأسرة التي تؤجل كثيراً من حاجاتها خلال الشهر تجد نفسها أمام ضرورات اجتماعية لا تؤجل بسهولة. ملابس الأطفال، بعض الحلويات، مواد غذائية إضافية، وربما هدية صغيرة أو زيارة واجبة. كل ذلك يضع السوق تحت ضغط موسمي، ويضع الدخل تحت ضغط أشد.

تظهر الحركة في الأسواق الشعبية أكثر من غيرها، مثل العنابة والسوق المقبي وساحة أوغاريت، حيث يبحث الناس عن سعر أخف لا عن رفاهية أعلى. هذا النوع من الحركة لا يعني أن القدرة الشرائية جيدة. أحياناً يعني العكس. فالناس لا تغادر السوق كلياً، بل تعيد ترتيب أولوياتها داخله. تشتري أقل، وتفاصل أكثر، وتنتقل من النوع الجيد إلى المقبول، ومن الكيلو إلى نصفه، ومن الحاجة الكمالية إلى الضرورية فقط.

تفاوت الأسعار في اللاذقية ليس جديداً. تقارير محلية سابقة أشارت إلى ارتفاعات واسعة في مواد يومية، من القهوة والخضار إلى الألبان وبعض السلع الأساسية، مع اختلافات مستمرة بين سوق وآخر ومحل وآخر. هذه الحركة السريعة تجعل الرقابة في موقع المطاردة الدائمة. السعر يتغير قبل أن تثبت النشرة، والمواطن يدفع قبل أن يصل الضبط.

أما الحلويات، وهي جزء من طقس العيد، فتقدم مثالاً واضحاً. قد تختلف الأسعار بحسب المكونات والجودة والموقع، لكن النتيجة واحدة بالنسبة لكثير من الأسر: العيد يصبح محسوباً بالقطعة. وهذا ليس تفصيلاً اجتماعياً صغيراً، بل مؤشر على أن السوق لا تُقرأ من توفر السلعة فقط، بل من قدرة الناس على الاقتراب منها.

من رقابة الواجهة إلى رقابة السلسلة

لا يمكن القول إن الرقابة غير ضرورية. العكس هو الصحيح. غيابها يترك السوق أسرع نحو الفوضى، ويشجع من يريد إخفاء السعر أو التلاعب بالفاتورة أو الغش في الوزن والنوعية. لكن تحويل الرقابة إلى الجواب الوحيد يظلمها ويخدع المستهلك في الوقت نفسه. فالدورية تستطيع أن تكتب ضبطاً، لكنها لا تصنع توازناً اقتصادياً كاملاً.

المطلوب أن تنتقل الرقابة من الواجهة إلى السلسلة. أين يرتفع السعر تحديداً؟ عند المنتج، أم في النقل، أم في الجملة، أم في المفرق؟ ما المواد التي تقفز قبل العيد بلا سبب واضح؟ هل توجد هوامش ربح معلنة ومفهومة؟ وهل يعرف المواطن كيف يشتكي، وماذا يحدث بعد الشكوى؟ من دون هذه الأسئلة، ستبقى الجولات ضرورية لكنها محدودة الأثر.

إعلان الأسعار بالعملتين الجديدة والقديمة، كما طلبت الجهات المعنية من الفعاليات التجارية خلال مرحلة الانتقال النقدي، خطوة تنظيمية مفيدة. فهي تخفف الارتباك وتمنع بعض أشكال الاستغلال الحسابي. لكنها لا تعالج جوهر المشكلة إذا بقيت الكلفة نفسها أعلى من الدخل، وإذا بقيت حلقات السوق غير واضحة للناس وللرقابة معاً.

التاجر الصغير ليس خارج المسؤولية، لكنه ليس كل المسؤولية. والمنتج يحتاج إلى سعر لا يخسره. والمستهلك يحتاج إلى سعر لا يكسره. بين هذه الأطراف تقف الدولة بوصفها منظماً للسوق لا شرطياً فقط. وإذا أرادت ضبط أسعار العيد فعلاً، فعليها أن تضبط الطريق الطويل الذي تصعد فيه السلعة قبل أن تصل إلى رف المحل.

الخلاصة أن أسواق اللاذقية قبل العيد لا تحتاج إلى رقابة أقل، بل إلى رقابة أعمق. الإعلان عن السعر، والكود الرقمي، والفاتورة، كلها أدوات مطلوبة. لكنها تصبح ناقصة إذا لم تصل إلى مكان تشكل السعر نفسه. فالناس لا تسأل فقط إن كانت الرقابة حاضرة. تسأل إن كانت قادرة على أن تجعل العيد ممكناً، لا مجرد مناسبة أخرى تكشف ضيق الحال.

اقرأ أيضاً: المؤسسة العامة للتبغ في اللاذقية.. توقف الإنتاج وتأخر الرواتب يفاقمان معاناة العمال

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.