الكاتب: أحمد علي
لا تعود الصلاحيات إلى البلديات والمدن بمجرد حذف قيد إداري من الورق. القرار يفتح الباب فقط. أما العبور منه فيحتاج إلى قدرة ومهندسين وموارد وبيانات، وإلى إدارة محلية تعرف ماذا تفعل بالصلاحية حين تصل إليها. لذلك يبدو إلغاء البلاغ 17 في سوريا خطوة لافتة، لكنها ليست نهاية السؤال. ربما هي بدايته الأكثر جدية.
من قرار مركزي إلى مساحة حركة محلية
البلاغ رقم 17/15 ب، الصادر في تموز 2023، وضع قيوداً على تعديل ضابطة البناء والصفات التنظيمية في المخططات العامة والتفصيلية للوحدات الإدارية. كان الهدف المعلن ضبط التوسع العمراني، وحماية استقرار المخططات، ومنع التعديلات التي قد تضغط على البنى التحتية أو تشوه النسيج العمراني. هذه أهداف مفهومة في بلد عانى كثيراً من العشوائيات ومن الاستثناءات التنظيمية التي تكبر أحياناً أكثر من القاعدة.
لكن البلاغ، كما ظهر في التطبيق، لم يكن مجرد أداة ضبط. صار في حالات كثيرة عائقاً أمام مشاريع تحتاجها المدن والبلدات. تعديل صفة عقار، أو دراسة مشروع خدمي، أو تحريك استثمار محلي، كان يصطدم بسلسلة موافقات أطول من قدرة الناس على الانتظار. ومع اتساع حاجات السكن والخدمات وإعادة التأهيل، بدا أن الحماية التنظيمية تحولت إلى تباطؤ إداري، وأن المركزية صارت تطلب من الوحدات الإدارية أن تدير واقعاً متغيراً بأدوات جامدة.
إلغاء البلاغ جاء، وفق ما أعلنته الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ووزارة الإدارة المحلية والبيئة، في سياق تعزيز صلاحيات الوحدات الإدارية، وتبسيط الإجراءات، خصوصاً ما يتصل بالمشاريع ذات النفع العام والاستثمارات المحلية. وزير الإدارة المحلية محمد عنجراني ربط الخطوة بقانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، وبحق الوحدات الإدارية في دراسة واعتماد المشاريع الحيوية وفق حاجات كل منطقة.
هذا الكلام يضع القرار في إطاره الصحيح. ليس الأمر تعديلاً فنياً في ملف العمران فقط. إنه محاولة لإعادة بعض القرار المحلي إلى مكانه الطبيعي. فالبلدة تعرف احتياجها إلى مدرسة قبل أن يعرفه المكتب المركزي. والمدينة تعرف سوقها ومناطق ضغطها وخطوط توسعها أكثر من أي جهة بعيدة. لكن معرفة الحاجة لا تعني بالضرورة القدرة على تلبيتها. هنا يبدأ الاختبار.
الاستثمار يحتاج مرونة لا فوضى
تحتاج سوريا اليوم إلى مرونة في ملف العمران والخدمات. هناك أحياء متضررة، وأسواق تنتظر الترميم، ومبان آيلة للسقوط، ومناطق لم تعد مخططاتها القديمة تطابق ما حدث فيها خلال سنوات الحرب والنزوح وتبدل الكثافة السكانية. لذلك كان طبيعياً أن يُقرأ إلغاء البلاغ 17 كتنفيس إداري، وكإشارة إلى أن الدولة تريد تحريك مشاريع كانت معلقة أو بطيئة.
غير أن المرونة لا تعني فتح الباب بلا ضوابط. تعديل ضابطة البناء ليس تفصيلاً محايداً. زيادة طابق واحد في حي مكتظ قد تعني ضغطاً إضافياً على الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق. تغيير صفة تنظيمية قد يحرك استثماراً ضرورياً، لكنه قد يفتح أيضاً باباً لمصالح خاصة على حساب الحديقة أو المدرسة أو المساحة العامة. لهذا لا تكفي عبارة دعم الاستثمار كي تصبح كل الاستثناءات مقبولة.
القضية هنا في التوازن. البلاغ أوقف أو قيّد تعديلات كثيرة باسم الحفاظ على الاستقرار التنظيمي. إلغاؤه يجب ألا ينقل البلاد إلى الطرف الآخر، أي إلى استثناءات كثيرة باسم الإعمار والاستثمار. المطلوب أن تعود الصلاحية إلى الوحدة الإدارية، لكن ضمن قواعد منشورة، ودراسات فنية، ومراجعة واضحة لأثر كل تعديل على البنية التحتية والملكيات والمصلحة العامة.
الوحدات الإدارية القوية ليست تلك التي توافق بسرعة فقط. قوتها في قدرتها على التمييز. مشروع يخلق خدمة وفرصة عمل ويعيد الحياة إلى موقع متضرر يستحق مساراً سريعاً. مشروع يربح من رفع عامل الاستثمار ويترك الشارع أضيق والخدمات أثقل يحتاج إلى توقف. هذه هي السياسة المحلية الحقيقية، لا مجرد نقل الختم من يد إلى يد.
وفي بلد مثل سوريا، حيث تحتاج المدن إلى إعادة بناء الثقة قبل إعادة البناء المادي، تصبح الشفافية شرطاً أساسياً. يجب أن يعرف السكان ما الذي عُدّل، ولماذا عُدّل، ومن استفاد، وما أثر ذلك على الحي. نشر القرارات والخرائط والتعديلات والاعتراضات ليس ترفاً إدارياً، بل حماية للقرار المحلي من الشبهة والضغط.
الصلاحيات بلا موارد تبقى نصف قرار
المشكلة الأكبر أن الصلاحيات لا تعمل وحدها. قانون الإدارة المحلية رقم 107 وضع إطاراً واسعاً للامركزية، لكنه بقي في مراحل كثيرة أكبر من القدرة التنفيذية الفعلية للوحدات الإدارية. فالبلدية التي لا تملك كادراً هندسياً كافياً، أو لا تملك قاعدة بيانات عقارية محدثة، أو لا تملك ميزانية لإصلاح طريق، ستبقى عاجزة حتى لو استعادت حق الموافقة على مشروع أو تعديل تنظيمي.
لهذا ينبغي قراءة إلغاء البلاغ 17 كبداية لا كحل كامل. إذا لم يترافق القرار مع تدريب للكوادر، وتحديث للمخططات، ورقمنة للأضابير، وتمويل محلي أو مركزي واضح للمشاريع الخدمية، فإن اللامركزية ستظل كلمة صحيحة فوق جهاز إداري مرهق. وقد تتحول الصلاحية الجديدة إلى عبء على وحدات لا تملك الأدوات التي تمكنها من اتخاذ قرار فني متين.
هناك بعد مالي لا يمكن تجاهله. كثير من الوحدات الإدارية السورية تعاني ضعف الإيرادات، وتراجع الخدمات، وتراكم الاحتياجات. الاستثمار قد يساعد، لكنه لا يعوض دور الدولة في البنية الأساسية. لا يمكن مطالبة المستثمر بأن يبني كل شيء، ولا يمكن للبلدية أن تفاوضه جيداً إذا كانت محتاجة إلى أي مشروع بأي ثمن. هنا يجب أن تكون العلاقة واضحة: الاستثمار يدعم التنمية المحلية، لكنه لا يحل محل التخطيط العام ولا يمحو مسؤولية الدولة عن الخدمات الأساسية.
إلغاء البلاغ قد يسمح بإعادة تحريك مشاريع نفع عام، ومشاريع خدمية، وربما استثمارات سياحية أو تجارية أو عمرانية كانت مقيدة. لكن أثره الحقيقي سيظهر في طريقة التنفيذ. هل ستُختصر الموافقات فعلاً؟ هل ستصبح القرارات قابلة للتتبع؟ هل ستملك الوحدات الإدارية حق الاعتماد من دون العودة الدائمة إلى المركز؟ وهل سيُمنح المواطن حق الاعتراض والمعرفة؟
هذه الأسئلة أهم من القرار نفسه. فالإدارة المحلية لا تستعيد صلاحياتها حين تُرفع القيود فقط، بل حين تستطيع استخدام هذه الصلاحيات بعدالة وكفاءة. وإذا بقيت الموارد شحيحة، والبيانات ناقصة، والرقابة غامضة، فقد يتحول الإلغاء إلى خطوة صحيحة بأثر محدود.
الخلاصة أن إلغاء البلاغ 17 يحمل فرصة واضحة. إنه يخفف قيداً مركزياً، ويفتح مجالاً أمام الوحدات الإدارية كي تتحرك في ملف التخطيط والمشاريع. لكنه لا يصنع لامركزية حقيقية بمفرده. المطلوب بعده قواعد شفافة، ومخططات محدثة، وموارد، وكوادر، ورقابة لا تخنق القرار المحلي ولا تتركه بلا حساب. عندها فقط يمكن القول إن الوحدات الإدارية استعادت صلاحياتها فعلاً، لا أنها استلمت ورقة جديدة في إدارة قديمة.
اقرأ أيضاً: مشروع “جسور”: 64 جلسة حوارية تبحث العقد الاجتماعي واللامركزية والثقة الوطنية