رياضة

إيقاف ثلاث وسائل إعلامية عن العمل.. تنظيم إداري تم تضخيمه أم تلويح بالعصا؟

إيقاف ثلاث وسائل إعلامية عن العمل.. تنظيم إداري تم تضخيمه أم تلويح بالعصا؟

الكاتب: أحمد علي

لم يكن الخبر عابراً في المشهد السوري، لأن المنع حين يقترب من المنابر لا يبقى شأناً إدارياً خالصاً، بل يتحول سريعاً إلى سؤال عام عن شكل المجال العام نفسه، ومن يضبطه، وكيف يضبطه، وبأي لغة يفعل ذلك. القرار المتداول يوم 25 آذار 2026، والمتعلق بمنع وسائل إعلام – هي: الدليل وهاشتاغ سوريا وجسور نيوز – من العمل داخل سوريا، لم يفتح نقاشاً عن هذه المؤسسات وحدها، بل أيقظ نقاشاً أوسع عن معنى التنظيم وحدوده، وعن الفارق الدقيق بين حماية المهنة وتضييقها، وعن الكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها السلطة مع المؤسسات التي لم تستكمل أوراقها أو ما تزال عالقة بين الواقع الميداني ومتطلبات الترخيص.

لكن الصورة لم تبق على الدرجة نفسها من الحدة بعد ما صدر من جسور نيوز من توضيح يفيد بأن تواصلها مع وزارة الإعلام أظهر أن ملفها يرتبط بالترخيص وإجراءاته، لا بإشكال آخر غير معلن. فالجمهور، في مثل هذه اللحظات، لا يسأل فقط من أصاب ومن أخطأ، بل يسأل أيضاً إن كانت الدولة تريد ترتيب الحقل الإعلامي فعلاً، أم تريد إغلاق الأبواب فيه، أم أنّها تلوّح بالعصا وحسب؟

الإعلام في سوريا بين التنظيم والردع

لفهم وقع القرار، لا بد من وضعه داخل سياق تنظيمي سبقته حلقات واضحة، ففي حزيران 2025 أمهلت وزارة الإعلام الوسائل الإعلامية العاملة في البلاد ثلاثة أشهر لمراجعة مديرية التراخيص تجنباً للتوقيف عن العمل. ثم عاد هذا المسار بصورة أشد في شباط 2026، حين جرى الحديث عن انتهاء المهلة الثالثة الممنوحة للمؤسسات المرخصة سابقاً لاستكمال ملفاتها وتسوية أوضاعها القانونية، مع المباشرة بإلغاء التراخيص الناقصة واعتبار الترخيص ملغى حكماً.

وبعد ذلك بأسابيع، أطلقت الوزارة مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام لعام 2026 بوصفها إطاراً ينظم الممارسة المهنية ويوازن بين حرية التعبير والمسؤولية. بهذا المعنى، لا يظهر القرار بوصفه واقعة منفصلة، بل كحلقة ضمن مسار أوسع لإعادة رسم قواعد عمل الإعلام في سوريا، غير أن المشكلة لا تكمن في مبدأ التنظيم ذاته، بل في درجة الوضوح والمرونة والعدالة التي ترافقه عند التطبيق.

القرار وما قيل حوله

لم تكن المواقف العلنية متساوية الوضوح، ففي المواد المفتوحة التي أمكن التحقق منها، ظهر لدى هاشتاغ سياق سابق يشير إلى توتر متكرر مع الجهات الرسمية، إذ كانت المنصة قد قالت في نهاية 2025 إنها مُنعت من التغطية الإعلامية المباشرة لمؤتمر صحفي في ريف دمشق بحجج وتبريرات غير موضوعية، قبل أن يُعاد نشر مادة منسوبة إليها مطلع 2026 تحذر من انزلاق الضغط على وسائل الإعلام المستقلة إلى الترهيب والإقصاء.

أما جسور نيوز، فلم يعد من الدقة وضعها في الخانة نفسها من دون تحفظ، لأنها نشرت قبل أسابيع حواراً حمل عنواناً يعتبر وجودها في دمشق دليلاً على الانفتاح الإعلامي في سوريا، ثم قالت لاحقاً إنها تواصلت مع المعنيين في وزارة الإعلام، وإن الوزارة أكدت عدم وجود إشكال خاص بالشبكة غير المعلن سابقاً والمتصل بقضية الترخيص، وأن المسألة إجرائية يُنتظر حلها سريعاً مع استكمال منح الترخيص الرسمي، في ظل توافر الأوراق المطلوبة ووجود رضا وقبول من الطرفين بمبدأ الترخيص.

وهذا التطور لا يلغي الالتباس الذي رافق القرار المتداول، لكنه يجعل توصيف وضع جسور نيوز أقرب إلى ملف ترخيص قيد الإغلاق منه إلى نزاع مفتوح على أصل وجودها المهني.

وفي المقابل، أعلنت «الدليل» في بيان رسمي صادر عنها ومنشور في صفحتها على «فيسبوك» توقف عمل فريقها المتواجد داخل سوريا بالكامل ريثما تتم تسوية الأمور القانونية مع الوزارة، وأنها ستتابع عملها بشكل طبيعي ضمن نشاط فريقها والإدارة المتواجدة خارج البلاد.

وأوضحت أن «المؤسسة تعتمد على العمل التطوعي بالكامل ولا تحصل على أي موارد مالية من الإعلانات أو تمويل دائم من أي جهة أو منظمة أو مؤسسة، وتعتمد بشكل كامل على موارد أعضائها وإدارتها في تسيير العمل، وتسعى بالكامل للالتزام بالقوانين والأنظمة السارية داخل أراضي البلاد، ولذلك فإن معظم نشاطاتها الميدانية كانت تتم بعلم وزارة الإعلام وبترخيص مؤقت فردي، إلا أن ترخيص المنصة بالكامل كان يتطلب إيداع مبلغ 1000$ في المصرف المركزي السوري، والحصول على مكتب للموقع الإلكتروني، وتحمل تكاليفه، وهو ما تسعى المنصة للوصول إليه من خلال الوسائل المتاحة للحصول على واردات مالية تضمن استمرارية العمل».

مخاوف الجمهور قبل المؤسسات

الاعتراض الذي ظهر بين المتابعين لا يتصل بالضرورة بالموقف السياسي أو التحريري لهذه الوسيلة أو تلك، بقدر ما يتصل بالسؤال الأوسع عن قابلية البيئة الجديدة للتنبؤ. حين يشعر الصحفي أو القارئ أن حدود العمل غير مستقرة، وأن الوصول إلى المعلومة قد يصبح رهين مزاج إداري أو تفسير فضفاض، فإن الخسارة لا تقع على المؤسسة وحدها، بل تمتد إلى حق الجمهور في المعرفة.

وكان قد وثق تقرير عن حرية الصحافة في سوريا خلال 2025 ثلاث انتهاكات بحق مؤسسات إعلامية وثماني حالات منع من التغطية، فيما أشار تقرير للجنة حماية الصحفيين إلى أن الصحفيين يشعرون بحرية أكبر مما كان عليه الحال سابقاً، لكنهم يعيشون في الوقت نفسه حالة من عدم اليقين بانتظار القوانين الجديدة.

كما تلاحظ مراسلون بلا حدود أن الاستقطاب الذي راكمته سنوات الحرب ما يزال يضغط على الصحافة، حتى مع عودة بعض الفرق الإعلامية إلى دمشق. لذلك بدا القرار المتداول بالنسبة إلى كثيرين جرس إنذار، لا لأن ثلاث مؤسسات مُسَّت وحدها، بل لأن الرسالة الأعرض قد تُقرأ على أنها تضييق سابق على النقاش بدل أن تكون تنظيماً مطمئناً له.

لماذا لا تفتح نافذة الترخيص

هنا يطل السؤال الإداري البسيط، وربما البديهي أيضاً، لماذا لم يُدفع هذا الملف نحو التسوية بدل الحظر السريع إن كانت المشكلة ترتبط بالأوراق أو بالتصنيف أو بالنواقص الإجرائية. موقع الوزارة نفسه يعرض مسارات ترخيص متعددة، تشمل وكالة أنباء ومنصة إلكترونية وموقعاً إلكترونياً، كما يضع قنوات للتواصل من أجل تسجيل الصحفيين وطلب التصاريح والشكاوى والمقابلات.

وفي نماذج الشروط المنشورة علناً، تظهر متطلبات تفصيلية قد تكون ثقيلة على بعض المؤسسات، مثل اشتراط جنسية الشركة في بعض الفئات، أو وجود خبرة محددة، أو مجلس إدارة بمواصفات معينة، أو مقر بمساحة محددة، أو رسوم مرتفعة، مع منح مهلة لاستكمال الشروط القانونية والفنية. وهذا كله يجعل سؤال التيسير مشروعاً جداً، ولا سيما إذا كانت إحدى المؤسسات نفسها تقول إن الجهة الرسمية تعتبر ملفها إجرائياً وقابلاً للحل خلال وقت قصير.

فإذا كانت السلطة تريد حقاً رفع سوية الإعلام في سوريا، فإن الطريق الأقصر ليس دائماً في لافتة المنع، بل قد يكون في إعلان المخالفة بوضوح، وفتح نافذة زمنية محددة للتسوية، وتخصيص مسار فني لمساعدة المؤسسات على استكمال متطلباتها، ثم إعلان النتائج بشفافية. عندها فقط يصبح التنظيم مفهوماً بوصفه حماية للمعايير، لا بوصفه حائطاً جديداً يُدفع إليه المختلفون أو المتعثرون معاً.

بين الهيبة والاطمئنان

لا تضعف هيبة الدولة حين تشرح، ولا تتراجع قدرتها حين تمنح فرصة معقولة للتسوية، بل يحدث العكس تماماً، فالدولة الواثقة من معاييرها تنشرها بوضوح، وتعلن أسباب القرار، وتترك باب التظلم مفتوحاً، وتُظهر للناس أن الانتقال من الفوضى إلى القانون لا يتم بالعصا وحدها، بل أيضاً بقدر من العدالة الإجرائية التي تجعل الجميع يعرف أين يقف ولماذا.

من هذه الزاوية، تبدو قضية الدليل وهاشتاغ سوريا وجسور نيوز أكبر من خلاف مع ثلاث منصات، مع ضرورة التمييز بين الحالات الثلاث إذا كانت إحداها تسير فعلاً نحو تسوية إجرائية قريبة. إنها اختبار مبكر لطريقة إدارة الإعلام في سوريا في هذه المرحلة، ولمقدار المسافة التي تريد السلطة أن تضعها بين التنظيم والردع. فإذا كان المقصود هو بناء حقل مهني أكثر تماسكاً، فإن الشفافية والشرح وتسهيل الترخيص ليست تنازلات، بل أدوات تأسيس. أما إذا غلبت لغة المنع على لغة الإيضاح، فإن كل قرار لاحق سيولد ومعه مقدار جديد من الشك يمكن الاستغناء عنه، ما لم يكن المقصود منه “تلويحٌ بالعصا” من أجل منع لاحق…

اقرأ أيضاً: في اختبار البلياردو: أين تقف معايير الإخبارية السورية؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.