بقلم: ريم ريّا
تشهد محافظة الحسكة واحدة من أصعب الفترات الزراعية في تاريخها الحديث. فقد حوّلت الأزمات المتراكمة مشكلة موسمية إلى واقع دائم يهدد مكانتها كسلة غذاء سوريا الرئيسية. أدى الجفاف، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص التمويل الزراعي، وتدهور الخدمات الأساسية، إلى شعور آلاف المزارعين بأنهم يواجهون مصيرهم بمفردهم، وسط تزايد الشكوك حول دور اتحاد المزارعين وقدرته الفعلية على الدفاع عن مصالحهم. وبين انتقادات المزارعين وتبريرات الاتحاد، تتجلى فجوة عميقة بين الخطاب التنظيمي والواقع الزراعي على أرض الواقع. يبدو الأمر كما لو أن المزارع السوري لم يعد يزرع القمح فحسب، بل يزرع أيضاً الصبر والإحباط وتوقع وعود سنوية تتزايد بوتيرة أسرع من المحاصيل نفسها.
فلاحو الحسكة: اتحاد الفلاحين حاضر تنظيمياً وغائب ميدانياً
تشير شكاوى العديد من المزارعين في الحسكة إلى تراجع واضح في دور اتحاد المزارعين خلال السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة مباشرة بمعيشة المزارعين واستمرارية الإنتاج. ويلخص أحد المزارعين، من ريف شمال الحسكة، شعور الكثيرين بقوله إن الاتحاد “أصبح أقرب إلى منظمة منه إلى كيان يدافع عن المزارعين”. ولا يستند هذا التقييم إلى غياب المكاتب أو الاجتماعات، بل إلى غياب نتائج ملموسة في القضايا التي يعتبرها المزارعون حاسمة، مثل أسعار الوقود والبذور والأسمدة، وأسعار المحاصيل، والتعويض عن الخسائر التي تكبدوها خلال الجفاف.
ويؤكد المزارعون أن الأزمة لم تعد تحتمل مجرد الرسائل والتصريحات، في حين أن تكاليف الزراعة ترتفع بوتيرة تفوق قدرتهم على تغطية نفقاتهم. ويعجز العديد من المزارعين الآن عن تمويل مواسم الزراعة بسبب نقص القروض المصرفية ومحدودية الدعم الحكومي، مما يؤدي إلى تراجع تدريجي في زراعة المحاصيل الاستراتيجية التي اعتمدت عليها الحسكة تاريخياً، مثل القمح والقطن. يرى أحد المزارعين أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود النقابة بحد ذاتها، بل في افتقارها إلى النفوذ الحقيقي في صياغة السياسات الزراعية أو المطالبة باستجابة رسمية لمطالب المزارعين.
وتعكس هذه الشكاوى أزمة ثقة متفاقمة بين المزارعين والنقابات الزراعية، لا سيما مع اعتماد الحسكة الكبير على الزراعة كمصدر دخل رئيسي. لذا، لا ينظر إلى تراجع أي نقابة أو منظمة على أنه مجرد فشل إداري، بل كتهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمحافظة.
اقرأ أيضاً: مصفاة بانياس تعود للإنتاج الكامل.. صيانة اضطرارية أم بداية مرحلة جديدة؟
اتحاد الفلاحين يرد.. الظروف أكبر من قدرة المؤسسات
في المقابل، يُقر عبد الحميد الكركو، رئيس اتحاد مزارعي الحسكة، بالتحديات الكبيرة التي تعيق عمل الاتحاد. ومع ذلك، يعتقد أن جزءاً كبيراً من الأزمة ينبع من الوضع السياسي والإداري الفريد للمحافظة، وليس من أي قصور داخل الاتحاد نفسه. ويؤكد الكركو أن الظروف الراهنة تعيق تنفيذ الخطط الزراعية الشاملة، سواءً بسبب عدم الاستقرار أو محدودية وجود المؤسسات والخدمات الرسمية القادرة على دعم القطاع الزراعي.
ويشير الاتحاد أيضاً إلى أن حقبة ما بعد التحرير قد أحدثت تغييرات داخلية في هيكله، بعد عقود من التبعية المباشرة لحزب البعث. ووفقاً للكركو، يتمتع الاتحاد الآن باستقلالية تنظيمية أكبر، ويسعى جاهداً لنقل مطالب المزارعين إلى السلطات المحلية والمركزية المعنية، مع الدعوة إلى سياسات تسعير عادلة، وتوفير التمويل الزراعي، ومشاركة ممثلي المزارعين في القرارات المتعلقة بالقطاع.
إلا أن المشكلة، بحسب العديد من المزارعين، تكمن في أن هذه التغييرات لا تزال نظرية أكثر منها عملية. لا يقيس المزارعون، الذين يتكبدون خسائر يومية، نجاح النقابة بعدد الاجتماعات أو البيانات الصحفية، بل بقدرتها على خفض تكاليف الإنتاج، والحصول على الوقود والقروض، وتحقيق هامش ربح يسمح لهم بمواصلة زراعة أراضيهم. وبين خطاب “نقل المطالب” وواقع “انعدام النتائج”، تتسع الفجوة عاماً بعد عام.
كيف يمكن إنقاذ الزراعة في الحسكة واستعادة الثقة؟
لا يبدو أن انتعاش القطاع الزراعي في الحسكة يعتمد على حل واحد، بل على مجموعة شاملة من التدابير تبدأ بإعادة بناء العلاقة بين المزارعين والمؤسسات الزراعية. وتتمثل الخطوة الأولى الضرورية في تحويل اتحاد المزارعين، من هيكل إداري تقليدي إلى اتحاد فاعل يتمتع بنفوذ وقوة تفاوضية، إما من خلال المشاركة المباشرة في صنع السياسات الزراعية أو بمنحه صلاحيات أوسع في مراقبة الدعم والأسعار والتمويل.
كما تحتاج الحسكة إلى خطة زراعية واضحة تراعي الخصائص المميزة للمحافظة وظروفها المناخية والاقتصادية، مع التركيز على دعم المحاصيل الاستراتيجية وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة أو مختارة بعناية. وتعد مسألة التمويل الزراعي من أكثر المسائل إلحاحاً إذ أن استمرار نقص القروض والخدمات المصرفية يعني ببساطة أن المزيد من المزارعين يتخلون عن الإنتاج.
علاوةً على ذلك، لا تزال هناك حاجة ملحة لتطوير البنية التحتية الزراعية، ولا سيما مشاريع الري الحديثة وتطوير أصناف بذور مقاومة للجفاف وتغير المناخ. وهذه نقاط حددها الاتحاد نفسه باعتبارها أساسية لاستعادة دور الحسكة الزراعي. علاوة على ذلك، فإن أي انتعاش حقيقي للقطاع الزراعي يعتمد على استقرار الإدارة والخدمات، مما يمكن من تنفيذ الخطط الزراعية بشكل متكامل، بعيداً عن الانقسامات والتعقيدات الحالية.
في نهاية المطاف، تواجه الحسكة معضلة صعبة. فالمحافظة، التي كانت تُعتبر سلة غذاء سوريا، تُعاني الآن من تراجع الإنتاج وفقدان الثقة في المؤسسات الزراعية. وسط شكاوى المزارعين وتبريرات النقابة، يبقى السؤال المحوري: هل تستطيع المؤسسات الزراعية التعافي قبل أن يتحول التراجع الزراعي من أزمة مؤقتة إلى واقع دائم؟ عندما يفقد المزارعون ثقتهم في الأرض وفي من يفترض أن يمثلهم، يصبح استعادة الإنتاج أكثر صعوبة بكثير من مجرد توفير البذور والوقود.