مشاهير

البطاقة الذكية: بين أخطاء الماضي وفرصة النجاح المستقبلية

البطاقة الذكية: بين أخطاء الماضي وفرصة النجاح المستقبلية

بقلم هلا يوسف

يعود كابوس البطاقة الذكية ليطرق مسامع السوريين بعد أزمة غاز ضربت السوق خلال شهر رمضان الحالي. حيث وجد السوريون أنفسهم يومياً أمام مشهد ألفوه لسنوات قائم على وجود طوابير طويلة ينتظر خلالها المواطن لساعات للحصول على أسطوانة غاز أو كمية من الوقود، وسط ارتفاع الطلب. وعلى الرغم من اختلاف وضع المحروقات بشكل عام قبل التحرير وبعده بانفراج واضح في مرحلة مابعد التحرير. إلا أن الظروف الإقليمية المتوترة، دفعت بالمواطنين لزيادة الطلب على مادة الغاز المنزلي ليصبح الشح واضحاً. في المقابل تحركت الحكومة السورية نحو البحث عن وسائل لضبط توزيع هذه المواد الأساسية وتخفيف الضغط عن المواطنين.

وكانت فكرة البطاقة الذكية إحدى هذه الوسائل كأداة يمكن أن تساهم في تنظيم توزيع الغاز والمحروقات، وتقليل الازدحام أمام محطات الوقود ومراكز التوزيع. وقد أثارت هذه العودة تساؤلات عديدة لدى المواطنين حول إمكانية البطاقة الذكية تحقيق فعلاً توازناً بين تنظيم الدعم وراحة المواطن؟ أم أن التجربة السابقة كفيلة بتحويل عودتها لمسألة مثيرة للجدل؟ لفهم جدوى هذا الخيار، من الضروري النظر إلى كيفية تطبيق النظام سابقاً وما أسفر عنه من نتائج.

أشارت العديد من المصادر أن هناك مقترحات لإعادة تفعيل نظام البطاقة الذكية بهدف تنظيم توزيع الغاز والمحروقات والحد من الازدحام أمام محطات الوقود ومراكز التوزيع بعد أزمة الغاز التي تشهدها المحافظات. لكن بالرغم من أن هذه الفكرة حظيت بتأييد بعض المواطنين الذين يرون فيها وسيلة لتنظيم الدور وتخفيف الفوضى، إلا أنها واجهت اعتراضاً من بعض الجهات المعنية التي رفضت إعادة تفعيلها دون توضيح أسباب واضحة. وتشير المصادر إلى أن جزءاً من هذا الرفض يرتبط بعوامل نفسية وسياسية، إذ ارتبطت البطاقة الذكية بتجربة النظام السابق، ما يجعل العودة إليها مسألة حساسة لدى بعض الجهات.

بينما أكدت وزارة الطاقة أن البلاد لا تعاني نقصاً فعلياً في المشتقات النفطية، موضحة أن المصافي مستمرة في عملها وأن عقود استيراد النفط الخام ما زالت قائمة. وأرجعت الوزارة الازدحام الذي شهدته بعض محطات الوقود إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب نتيجة المخاوف من التطورات الإقليمية وانتشار الشائعات، وليس بسبب نقص في الإمدادات.

كما أعلنت الوزارة إجراءات لتنظيم التوزيع، أبرزها اعتماد توزيع الغاز في مدينة دمشق عبر المعتمدين بالتنسيق مع لجنة الحي والمختار، إضافة إلى تحديد سعر أسطوانة الغاز بنحو 123 ألف ليرة سورية. وأكد مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد سلات أن توريدات الغاز مستمرة، مشيراً إلى أن سوريا تتلقى نحو 350 طناً من الغاز يومياً من الأردن، إلى جانب وصول ناقلات إضافية لتعزيز الإمدادات، مع توقع عودة الاستقرار في التوزيع خلال الأيام المقبلة.

ورغم هذه التطمينات، لا تزال مشاهد الطوابير حاضرة في العديد من المناطق، ما يعيد طرح فكرة البطاقة الذكية كأحد الحلول المحتملة لضبط عملية التوزيع وتخفيف الضغط على مراكز البيع.

كيف طبق نظام البطاقة الذكية سابقاً

بدأ العمل بمشروع البطاقة الذكية في سوريا عام 2014 عبر شراكة بين حكومة النظام السابق وشركة “تكامل”، وكان الهدف المعلن منه تنظيم توزيع المواد المدعومة مثل الخبز والمحروقات والغاز والحد من الهدر والفساد. في البداية جرى تسجيل المواطنين للحصول على البطاقة عبر البلديات، واستمرت عملية التسجيل عدة أشهر قبل تعميم النظام تدريجياً في دمشق وريفها ثم في بقية المناطق.

واعتمدت آلية العمل على ربط كل أسرة ببطاقة إلكترونية تحتوي بياناتها، بحيث تحدد الكميات المخصصة لها من المواد المدعومة. وعند شراء أي مادة، كان يتم تمرير البطاقة عبر جهاز إلكتروني لتسجيل العملية وخصم الكمية من الحصة المحددة مسبقاً.

ومع مرور الوقت توسع استخدام البطاقة ليشمل توزيع مواد غذائية أخرى مثل السكر والرز والزيت والمتة وحتى بعض الخضروات، لكن الحصول عليها كان يتم وفق مخصصات محددة وفي فترات زمنية متباعدة، إذ لم يكن يحق للمواطن استلام بعض المواد إلا مرة كل ثلاثة أشهر بسبب الحصار الاقتصادي والعقوبات التي كانت مفروضة.

أما في ما يتعلق بالمحروقات، فقد كان سعر ليتر المازوت المدعوم عبر البطاقة يتراوح بين 2000 و3000 ليرة سورية، بينما كان سعره في السوق الحرة يتجاوز في بعض الفترات 22 ألف ليرة. كذلك كانت أسطوانة الغاز تباع عبر البطاقة بسعر أقل بكثير من السوق الحرة.

ومع ذلك، لم تكن الكميات المخصصة كافية لتغطية احتياجات الكثير من الأسر، الأمر الذي دفع كثيرين إلى اللجوء إلى السوق السوداء للحصول على ما ينقصهم من المواد الأساسية.

بعد التحرير في السادس من تموز عام 2025، أعلنت الشركة السورية للمحروقات “سادكوب” إلغاء العمل بنظام البطاقة الذكية لتوزيع الغاز المنزلي، مع الإبقاء عليه كإجراء احتياطي يتم استخدامه في حالات الطوارئ، وذلك بعد تحسن الإمدادات وزيادة إنتاج معامل تعبئة الأسطوانات المحلية. كما تحول تطبيق “وين” إلى منصة لتلقي شكاوى المواطنين، وقد يُفعل لاحقاً لتقديم خدمات إضافية ضمن الأنظمة المستقبلية.

هذا يعني أن فكرة البطاقة الذكية لم تغب عن أذهان المسؤولين في الحكومة الحالية، حيث من الممكن أن تكون وسيلة فعالة لضبط التوزيع، لكن وفق ظروف مختلفة عما طبقت فيها في زمن النظام السابق.

إيجابيات وسلبيات البطاقة الذكية

لا يمكن الحديث عن وسيلة معينة دون التطرق إلى إيجابياتها وسلبياتها. فمثلاً تطبيق البطاقة الذكية في مرحلة النظام السابق، حيث كانت العقوبات تشنق الاقتصاد بما قيها قطاع الطاقة، يختلف عند تطبيقه بعد التحرير، حيث تتوفر جميع المواد، غير أن سلوك المستهلكين هو الذي يخلق أزمة، بحسب ما أوردته الجهات الحكومية.

فعند العودة إلى الوراء، نجد أن نظام البطاقة الذكية أثار منذ إطلاقه جدلاً واسعاً بين من رأى فيه أداة لتنظيم الدعم وضبط التوزيع، وبين من اعتبره وسيلة تقييد زادت من معاناة المواطنين. فمن الناحية النظرية، يرى بعض الخبراء أن البطاقة الذكية كانت وسيلة يمكن أن تساعد على توجيه الدعم إلى مستحقيه، إذ تتيح قاعدة بيانات واضحة حول استهلاك الأسر وتحد من التلاعب أو الحصول على المواد المدعومة أكثر من مرة. كما أنها توفر إمكانية مراقبة حركة التوزيع بشكل رقمي، الأمر الذي قد يسهم في تقليل الهدر.

لكن في المقابل، واجه النظام انتقادات واسعة بسبب آلية تطبيقه. فقد اعتبر نائب رئيس الاتحاد العربي لحماية المستهلك ورئيس جمعية حماية المستهلك بدمشق عبد العزيز المعقالي أن البطاقة الذكية لم تقدم حلولاً حقيقية لمشكلة توفر المواد الأساسية، بل إن آلية التوزيع عبرها كانت معقدة ومقيدة سواء في أوقات الوفرة أو الندرة.

ويرى المعقالي أن توفر المواد في الأسواق بعد أيام قليلة من إلغاء البطاقة يعكس فشل هذه الآلية في ضبط السوق، مشيراً إلى أن الحل الأفضل يتمثل في توفير السلع بكميات كافية وتركها متاحة للمواطنين بأسعار مناسبة.

لكن هذا الرأي لم يتفق معه الباحث الاقتصادي أدهم شقير، إذ أوضح أن تقييم البطاقة الذكية يجب أن يتم ضمن السياق الاقتصادي الذي ظهرت فيه، إذ إن وجود نظام دعم واسع في الاقتصاد السوري كان يتطلب آلية لتنظيم توزيع هذا الدعم. غير أن ضعف الإدارة والفساد أضعفا فاعلية النظام وأديا إلى نتائج لم تكن بالمستوى المتوقع.

ويبدو أن ما حذر منه شقير تم الوصول له، إذ حذر من أن غياب أي آلية تنظيمية عقب إلغاء البطاقة الذكية قد يفتح المجال أمام الاحتكار أو إخفاء المواد من قبل بعض التجار، وهو ما قد يخلق حالة من القلق والبلبلة في السوق. ويبدو أن ذلك يحصل الآن. حيث يشير عدد من المواطنين إلى توافر مادة الغاز لكن بأسعار مضاعفة.

باختصار، نستنتج من المعلومات السابقة أن البطاقة الذكية ليست حلاً سحرياً بحد ذاتها، بل أداة يمكن أن تكون فعالة إذا تم تطبيقها بشفافية وكفاءة، مع مراعاة ظروف السوق واحتياجات المواطنين. وفي الوقت الذي تستمر فيه أزمة الغاز، يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة بإيجاد توازن بين تنظيم التوزيع وضمان وفرة المواد، بحيث يتم التخفيف من معاناة المواطن، وفي نفس الوقت تطبيق اجراءات مفيدة دون أن تتحول أدوات التنظيم إلى قيود إضافية في الحياة اليومية.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري من النمو إلى إدارة الأزمات: ماذا ينتظر البلاد؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.