التحول الرقمى لاعادة هيكلة التخصصات في مصر
مسايرة لتوجهات الدولة بضرورة تطوير منظومة التعليم وربطها بسوق العمل وفتح النقاش حول مستقبل عدد من التخصصات الجامعية التقليدية، وما إذا كانت بعض الكليات قد تشهد إعادة هيكلة أو تقليلًا في أعداد المقبولين خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تزايد أعداد الخريجين في بعض المجالات مقارنة بالفرص المتاحة في سوق العمل وضرورة مراجعة بعض التخصصات “عديمة الفائدة” إلى جانب احتياجات سوق العمل الفعلية. ويركز هذا التوجه بتقليص بعض التخصصات الأدبية النظرية مثل كليات الآداب والتجارة والحقوق والخدمة الاجتماعية، إضافة إلى تخصصات علمية مثل الزراعة والعلوم والطب البيطري، قد تكون من بين التخصصات التي تحتاج إلى مراجعة، ليس فقط بسبب كثرة الخريجين، ولكن لأن طبيعة الدراسة في بعضها لم تواكب بشكل كافٍ التطورات في سوق العمل.
ومع قناعاتنا الكاملة بهذا التوجه الا انه تظل التخصصات الأدبية وفى غاية الأهمية لبناء الشخصية الوطنية لفهم عالم معقد قائم على البيانات. بينما توفر العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات "كيف" التقدم، وتوفر الأدبيات "لماذا". تعد التخصصات الأدبية — بما في ذلك دراسة الأدب والنظرية الأدبية والنقد والكتابة الإبداعية — حيوية في المجتمعات الحديثة لتنمية التعاطف والتفكير النقدي والوعي الثقافي في عالم يزداد رقمية سريعة الإيقا حيث تعمل هذه الأنظمة كتوازن ضروري للتعليم الفني، حيث تعزز الجوانب "الإنسانية" للمجتمع من خلال تحليل الحالة الإنسانية من خلال السرديات، والاستعارات، والمعضلات الأخلاقية
و بأفتراض ان التعليم هو قاطر التنمية بالمجتمعات الحديثة فان شباب الخريجيين و العاملين بالمجتمع هم قوة الدفع الحقيقية لتلك القاطرة شرط ان يكونوا مؤهلين و لديهم المهارات التى فرضها علينا مجتمع المعلومات والرقمنة وهى بحاجة دائمًا إلى تأهيل العاملين و شباب الخريجيين بالمجتمع لاستيعاب هذه التطورات المستمرة. وهكذا يجري اليوم البحث عن حلول لمشكلة الاعداد الزائدة لخريجى التخصصات الأدبية والبطالة في حدود مختلفة عما كان سائدًا حتى اليوم، إذ أن البطالة في مجتمع المعلومات والرقمنة هي مشكلة نوعية وليست كمية، يعتمد فيها على رفع المستوى المعرفي والمهن للعامل، في حين أن الثورة الصناعية لم تكن تواجه المشكلة بهذه النظرة، اما من حيث المستوى العلمى و المهارى لخريج الجامعة و اثر ذلك على مشكلة البطالة بالمجتمع مخطئ من يتصور أن قضية البطالة هي قضية مطلقة لأن الواقع يقول إنها قضية جدلية كما اوضحها الاستاذ الدكتور مصطفى الفقى بأحد مقالاته القيمة إذ اوضح ان هناك فارقاً كبيراً بين البطالة لمن لديهم مهارات وخبرات تتواءم مع عنصر الطلب في سوق العمل وبطالة أخرى تتفشى بالضرورة لدى أولئك الذين لم يحصلوا على مهارات معينة ولم يكتسبوا خبرات مطلوبة لذلك فإن من يتأمل مسألة البطالة لا بد أن يفرق بين بطالة أصحاب المهارات والقدرات وبطالة من لم يتأهلوا لسوق العمل الحالي وافتقدوا تماماً متطلباته ولم يستعدوا لما هو مطلوب منهم ، وإذا طبقنا ذلك على الواقع فإننا نجد انه لا يمكن أن نتحدث عن البطالة بين الشباب المصري الذي مازال يحمل مؤهلات الستينات من القرن الماضي ويفتقد المهارات الحديثة – المهارات التكنولوجية التابعة لتخصصه الاصيل - و التى تساير مجتمع المعلومات و المعارف الرقمية و تبعا لتخصصه الاصيل لأن الفجوة كبيرة و أكثر قوافل البطالة المكدسة لعشرات الألوف من العاطلين بل الملايين الذين يفتقدون القدرة على متطلبات الحياة الوظيفية الحديثة .
من هنا فإننا نقول بصراحة إن كل شاب وفتاة في مقتبل العمر لا يستطيع أن يمضي في الحياة العملية وهو غير مسلح بالأدوات المطلوبة لعصر مختلف وغير مؤهل بالخبرة اللازمة لدخول ميدان جديد.
ايضا يجب أن نفرق بين مناهج التعليم الكلاسيكية وخاصة في التخصصات الأدبية المزعم تقليصها و التى تقوم بتخريج موظفين يملأون دواوين الدولة و مناهج أخرى تسعى إلى إكساب الطالب مهارات متعددة وكفاءات مفتوحة تؤهله للمضي في الطريق الملائم لمقتضيات العصر وطبيعة الظروف لذلك فإنني أظن أن السياسة التعليمية يجب ان تكون مرتبطة تماماً بسوق العمل ومتطلباته بدلاً من أن تكون معزولة عن الواقع و تحقق مبدأ ان التعليم هو الصورة المصغرة للمجتمع , و ما نريد ايضاحه هو أن نؤكد أن البطالة قضية يمكن علاجها بفتح مراكز التدريب الوظيفي حسب احتياجات سوق العمل الحقيقى و ليس سوق عمل الموظفين بدواوين الحكومة ولقد لاحظنا شكوى عدد كبير من رجال الأعمال الذين لا يجدون في سوق العمل ما يحتاجون إليه فبينما طوابير البطالة تنتظر بلا جدوى فإن عشرات الألوف من فرص العمل تنتظر هي الأخرى من يتقدم إليها بشرط أن يكون مؤهلاً لها مهيأ للقيام بها وتلك هي الحلقة المفقودة في قضية البطالة حالياً حيث تمثل أخطر مشكلاتنا وأصعب التحديات أمامنا والتي لا يمكن حلها إلا بترسيخ مبدأ استخدامات التكنولوجيا لكل الخريجين و حسب التخصص الاصيل لكل منهم بفتح الأبواب والنوافذ والتركيز على تثقيف الشباب بعلاقة تخصصه بالتكنولوجيا و التى اصبحت لغة المجتمع ككل و اننى اوضح هذا كناقوس خطر يهدد مستقبل الخريجين بالمجتمع المصرى وأقول في جدية ووضوح إن نظامنا التعليمي هو المسؤول عن مشكلة البطالة بأبعادها المأساوية ووجهها الكئيب وانعكاسها السلبي على الاقتصاد الوطني ومستقبل الدولة ورفاهية الشعب بل وكبرياء الأمة أيضا و لابد من تكرار السؤال " هل التعليم هو الصورة المصغرة للمجتمع ؟ " أيضا نوضح ما هي الفجوة الرقمية للمهارات؟
و للاجابة عن هذا السؤال نطرح عدد من الامثلة التوضيحية , ان طالب الدراسات العليا و خريج الجامعة - فى ظل كم المعلومات الاكاديمية الهائلة و المهمة التى يحصل عليها - قد يجد صعوبة لممارسة تخصصه بسهولة و يسر فى ظل التغيرات التكنولوجية الحديثة طالما ان المناهج التى يقوم بدراستها لا تحتوى و لا تتماشى مع طبيعة سوق العمل الحالية و ما تتطلبه من خلفية تكنولوجية لجميع خريجى الجامعات بكامل تخصصاتهم .
فمثلا طالب الصيدلة و الذى تخرج من احد جامعة مصر العريقة, هذا الطالب يستطيع ان يستكمل دراسته بأروبا او امريكا و الحصول على الماجستير و الدكتوراة , بل يستطيع ان يكون استاذا بالجامعات الاوروبية والامريكية . و هذا الطالب نفسه قد يجد صعوبة فى ادارة صيدلية صغيرة بأروبا اوامريكا تعتمد على اسلوب التشغيل الرقمى . فهو من الناحية الاكاديمية و العلمية موثوق فى قدراته و لذلك يستطيع ان يكون استاذا بالجامعات الاوروبية والامريكية اما من ناحية الخلفية التكنولجية فى مجال تخصصه فانه يعانى من فجوة رقمية بين ما هو به الان و ما المفروض ان يكون عليه فى ظل التغيرات التكنولوجية الحديثه .
ايضا خريجى كليات التجارة قسم المحاسبة مثلا , فى ظل المستجدات الحديثة و متطلبات سوق العمل قد يواجه هؤلاء الخريجين صعوبة بالغة فى ممارسة تخصصم وعدم قدرتهم على مجاراة الحياة ومتطلبات سوق العمل . ومن أهم هذه المستجدات النمو السريع في المعرفة، والثورة العلمية والتكنولوجية في الآلات والحاسبات والأدوات ونظم ووسائل الاتصال والانتقال والمعلومات و شيوع استخدام نظم و تطبيقات المحاسبة الرقمية المتكاملة و التى تعتمد على تكنولوجيا المعلومات و التى تعمل فى بيئة تشغيلية متكاملة مع النظم الفرعية الاخرى , هذا بالاضافة الى انتشار الاتفاقيات والتكتلات الاقتصادية العالمية والإقليمية، وانتشار أوسع للشركات متعددة الجنسية والمشتركة فضلا عن التغيرات السريعة في طبيعة المهن في سوق العمل كل هذا يجعل من خريج قسم المحاسبة يجد صعوبة كبيرة فى مجاراة معطيات العصر و يكون فريسة للفجوة الرقمية
بالتأكيد وجود عدة اعتبارات اخرى تجعلنا نحتاج الى إعادة النظر فيما نحن عليه الان مثل الاتفاقيات الاقتصادية الدولية الحديثة و التى تسمح بنقل السلع و الخدمات و الافراد و التى سوف يكون لها تأثير كبير على سوق العمل الدولى , فالتأثير سيكون سلبا على خريجى الجامعات ذو الخلفية الاكاديمية القوية و الخلفية التكنولوجية الضعيفة و سيكون التأثير ايجابيا على خريجى الجامعات ذو الخلفية التكلنولجية القوية , و تكون المفاضلة فى سوق العمل على اساس الكيفية التى تعلم بها الطالب , كما هو الحال لطالب التجارة خريج شعبة المحاسبة لن يجد فرصة العمل المناسبة له فى الشركات التى تعتمد على النظم الرقمية المتكامل للنظام المحاسبى , اذن السؤال الاخر الذى يطرح نفسه هو ما مدى كفاءة خريجى الجامعات؟ ومن هو المفروض ان يطالب برفع مستوى كفاءتهم ليجاروا عصرهم ؟ هل المناهج التي يدرسها الخريج كافية لتحقيق المستوى المطلوب و سد الفجوة التكنولوجية التى يعانوا منها ؟ أم أن الأمر يحتاج إلى تطوير؟ وهل يمكن ان نعتبر التطوير نمط عام لجميع الكليات و التخصصات ام انه يختلف من كلية إلى أخرى؟ هذا السؤال الاخر تم مناقشته مع كثير من أساتذة الجامعات و رغم قناعتهم بالمشكلة الا انه لم يعطوا الوقت لمناقشة الحل و كان السبب دائما هو ضيق الوقت.
وفى النهاية تبقى كلمة
ان اسلوب التعامل مع مشكلة الفجوة التكنولوجية يمكن ان نعتبره نمط عام يمكن تطبيقة على جميع تخصصات الجامعات و لكن قد يختلف اسلوب التطبيق حسب التخصصات فمثلا طالب الكلية العملية مثل الطب والهندسة قد يحتاج الى اسلوب يختلف عن طالب الكليات النظرية , لكن مهما اختلفت الاساليب فان الهدف دائما يكون تقديم المناهج التى تساعد الخريج للتعامل مع التقدم السريع فى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
دكتور فكري فؤاد استاذ النظم والتحول الرقمي