بقلم هلا يوسف
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في محافظة حماة، أصدرت الأمانة العامة للمحافظة تعميماً جديداً يفرض على كافة الجهات والمديريات العامة ضرورة التنسيق المسبق مع مكتب الفعاليات قبل إقامة أي نشاط، سواء كان عاماً أو خاصاً. كما ألزم التعميم المرافق العامة والخاصة، من مدرجات ومطاعم وصالات، بعدم استقبال أي فعالية دون إبراز الموافقة الخطية الصادرة عن المكتب، تحت طائلة المساءلة.
يأتي هذا التعميم بحسب الجهات الرسمية، في إطار حرص المحافظة على تنظيم العمل المؤسسي وضمان توافق الأنشطة مع السياسة العامة والأعراف المحلية. لكنه في واقع المجتمع الحموي، لم يقابل بالترحيب، بل أثار موجة من التساؤلات والانتقادات حول جدواه ومبرراته.
فسكان حماة الذين اعتادوا على بعض الحرية في المبادرة والمشاركة في النشاطات الاجتماعية والثقافية، شعروا بأن القرار يشبه استمرار سياسة الخنق التي سبق أن مارستها أجهزة الأمن. فمن وجهة نظرهم أصبح الأمر أشبه بتحويل الرقابة على الحياة اليومية إلى “مهنة رسمية” تتولاها شعبة الفعاليات، بعد أن كانت شعبة الأمن العسكري في الماضي تقوم بدور مماثل.
ويتساءل الكثيرون: لماذا يحرم المواطن من التفاعل الحر في فعاليات لا تمس الأمن الوطني؟ وما الهدف من تدخل الدولة في تفاصيل الحياة الخاصة بهذا الشكل؟ بعض المحللين يرون أن هذا القرار يعكس خلفية بيروقراطية تركز على السيطرة أكثر من التنظيم، وأنه يأتي في وقت يواجه فيه الأهالي أزمات يومية أكثر إلحاحاً، مثل ارتفاع أسعار الغاز والمواد الأساسية، أو نقص السكن المناسب في المشاعات.
التعميم على الفعاليات: التنظيم أم الرقابة؟
بعد صدور التعميم في محافظة حماة الذي يلزم كافة الجهات والمديريات العامة والمرافق العامة والخاصة بالحصول على موافقة مسبقة من مكتب الفعاليات لإقامة أي نشاط، سواء كان عاماً أو خاصاً، كان قد سبقه منذ أشهر جدل وشكوك حول عمل الأمانة العامة للشؤون السياسية التي بدأ تأثيرها يظهر على أرض الواقع، ليس فقط من حيث التنظيم المؤسسي، بل أيضاً على حرية المجتمع المدني في ممارسة أنشطته.
إذ لم يقتصر عمل الأمانة على الفعاليات الثقافية البسيطة، بل امتد إلى المبادرات المدنية والسياسية التي تتناول موضوعات مثل المواطنة، والمركزية الإدارية، ومجلس الشعب أو الدستور. تقول سامية، ناشطة في إحدى المبادرات المدنية والثقافية في دمشق: “نريد إقامة فعالية أو جلسة حوار عن إعادة الإعمار أو الخدمات؟ لا مشكلة. أما إذا كان الموضوع يتعلق بالسياسة أو المواطنة، فقد يتطلب الأمر موافقة مسبقة، وغالباً ما يكون الرد الأول هو المنع”.
تستذكر سامية مثالاً من حماة: “قبل نحو شهرين تقدمنا بطلب لإقامة نشاط حول المواطنة والهوية والسلم الأهلي، وجاء الرفض مع التوضيح: هذه مفاهيم سياسية والأفضل أن تتولى الأمانة العامة الحديث عنها، ليكون هناك مصدر موحد للمعلومة، فلا يمكن السماح بالفوضى”.
ويشير ناشطون آخرون إلى أن الردود غالباً ليست نهائية، ويمكن النقاش والتفاوض، إلا أن مجرد الوصول إلى مرحلة الرقابة المسبقة بعد عام واحد على سقوط النظام السابق يعد مؤشراً خطيراً على توجه السلطة الجديد.
تظهر التجارب في المحافظات المختلفة تفاوتاً واضحاً: ففي دمشق وحلب، كثير من الأنشطة ذات الطابع المدني والسياسي تقام دون موافقات مسبقة، لكنها تعتمد على المكان (مقهى، فندق، مقر منظمة) وشبكات العلاقات الشخصية. بينما في محافظات مثل حماة وحمص، يصبح الأمر أكثر صعوبة، كما حدث في سلمية، حيث ألغيت ندوة حول الفكر السياسي بذريعة أن الهيئة غير مرخصة، رغم تقديم طلب الترخيص القانوني.
لعبت الأمانة العامة للشؤون السياسية التابعة لوزارة الخارجية منذ آذار 2025، دوراً مركزياً في تنظيم النشاطات السياسية داخل سوريا، مستفيدة من ممتلكات حزب البعث السابقة ومقسمة إلى ستة مكاتب: الشباب والمرأة، التعاون النقابي، الفعاليات والتنمية المجتمعية، وشؤون الطوائف، وغيرها. لكن معلوماتها العامة محدودة، وأدوار موظفيها وأماكن نفوذهم لا تزال غامضة أحياناً، وهو ما يزيد من القلق بين الناشطين والمنظمات.
تشير وفاء مديرة برنامج في منظمة مجتمع مدني بدمشق، إلى أن النشاطات في المحافظات خارج العاصمة تتطلب موافقة مسبقة، خصوصاً عند التعامل مع مواضيع سياسية. أما فاطمة من حمص فتتحدث زيادة تدخل المكتب السياسي في الأنشطة المدنية، مع التدقيق على تدريبات التثقيف السياسي، وإحراج المنظمات عند دعوة بعض أعضاء المكتب السياسي.
يبدو أن نمط الرقابة هذا مرتبط بعوامل عدة مثل المكان، والموضوع، والعلاقات الشخصية، والخلفية المناطقية أو حتى الطائفية، وحتى التوجهات السياسية السابقة للمنظمة أو الأفراد. وتشير ريم ناشطة من اللاذقية، إلى أن بعض المنظمات تعتمد على شبكات علاقاتها لتجاوز العقبات، لكن ذلك يترك مساحة محدودة للآخرين “غير محسوبين على السلطات الجديدة”.
مع ذلك ترى ناشطات أن الحل يكمن في استثمار المساحات المتاحة للعمل المدني للوصول إلى إطار قانوني واضح ومرن، يحمي المجتمع المدني ويضمن حريته واستقلاليته. فالاستمرار في عقد جلسات الحوار، حتى باستخدام عناوين مقبولة لدى الجهات الرسمية، يرسخ ثقافة النقاش المجتمعي ويصعب تقييد هذه المساحة لاحقاً.
بين التعميم الإداري والموافقة الأمنية
قبل سقوط النظام السابق، كانت الموافقة الأمنية شرط مسبق لإقامة أي فعالية أو لتسجيل أي عقار، وحتى في الحياة العامة كان يطلب موافقات أمنية. وكان هذا الإجراء واضح المعالم، وإن كان شديد الصعوبة. إذ تمنح بناءً على طلب يقدمه صاحب العلاقة إلى الفرع الأمني المختص بالمنطقة التي يريد فيها إقامة فعاليته، إما مباشرة أو عبر البريد الإداري. ويتولى الفرع دراسة الطلب بعد الاستعلام من بقية الأجهزة الأمنية للتأكد من عدم وجود ملاحقات أو استدعاءات.
غالباً ما كانت هذه الموافقات تصدر عن شعبة الأمن السياسي التابعة لوزارة الداخلية، أو عن فروع أمنية وعسكرية محددة بحسب مناطق النفوذ، كما في حالات إشراف الفرقة الرابعة على بعض المناطق، وربما أشهرها ضاحية قدسيا في دمشق. وفي أحيان أخرى، كانت إجراءات الاستعلام تتم داخل المفارز الأمنية الموجودة في القصور العدلية وتجمعات المحاكم.
أما أسباب الرفض، فكانت متعددة ولا تقتصر على الجانب الأمني البحت، إذ تشمل وجود الشخص في مناطق خارجة عن سيطرة النظام، أو ملاحقة جنائية، أو منع من السفر، أو حتى مخالفات مرورية غير مسددة، إضافة إلى الأسباب السياسية المرتبطة بالمعارضة أو المثول أمام “محكمة الإرهاب”.
لكن منذ سقوط النظام، دخل هذا الملف في منطقة رمادية. فلم تتضح بعد الجهة المسؤولة عن إصدار الموافقات الأمنية في ظل الحكومة الجديدة والأجهزة الأمنية حديثة التشكّل، ولا آلية التقديم أو معايير الدراسة أو منح الموافقة أو رفضها. ووفقاً للمصادر، لم تُجرَ أي دراسة أمنية فعلية منذ سقوط النظام وحتى تاريخه، رغم أن الموافقة الأمنية ما تزال نظرياً، شرطاً مسبقاً للكثير من الفعاليات.
هنا يبرز التشابه الجوهري مع تعميم الفعاليات في محافظة حماة: إعادة إنتاج أدوات الضبط السابقة بصيغة إدارية جديدة، من دون وضوح في الجهة المخولة، ولا في المعايير، ولا في الهدف النهائي. فالاختلاف يبدو شكلياً، بينما تستمر الوظيفة ذاتها القائمة على تقييد المجال العام، وتعليق الحقوق على موافقات غامضة، والافتقار إلى الشفافية والمساءلة.
باختصار، هناك غموض يلف مسألة التعاميم الحالية التي تتناول الحياة العامة للمواطنين. حيث تكرس شعور لدى المواطنين بتغيير الأدوات لكن الذهنية هي نفسها. فبدلاً من القبضة الأمنية الصريحة التي كانت في زمن النظام السابق، أصبح هناك تعاميم واجراءات تقوم بنفس الدور لكن تحت غطاء تنظيم الفعاليات. وهنا المشكلة ليست في الاطر التنظيمية نفسها، بل بغياب الشفافية في تنفيذها، واحتكار إعطاء الموافقات بحسب المواضيع والفعاليات التي تناسب الحكومة فقط.
اقرأ أيضاً: تجميد المرسوم 66 وسط اتهامات بالمماطلة من قبل عضو مجلس شعب سابق!