منوعات

الزيتون السوري يبحث عن طريقه للأسواق العالمية عبر بوابة إسبانيا.. فهل يجدها؟!

الزيتون السوري يبحث عن طريقه للأسواق العالمية عبر بوابة إسبانيا.. فهل يجدها؟!

يعرف السوريون شجرة الزيتون أكثر مما يعرفون كثيراً من عناوين الاقتصاد. هي ليست محصولاً عابراً في الذاكرة الزراعية، ولا رقماً صغيراً في الريف. لكنها، حين تخرج من الحقل إلى السوق العالمية، تدخل امتحاناً آخر. هناك لا تكفي السمعة القديمة. ولا يكفي القول إن الزيت السوري عريق وجيد. السوق تسأل عن المواصفة، وعن المختبر، وعن العبوة، وعن قدرة المنتج على الوصول كل موسم بالجودة نفسها.

بوابة إسبانيا.. اعتراف لا يكفي وحده

من هذه الزاوية يمكن قراءة المشاركة السورية في الدورة الثانية والعشرين بعد المئة للمجلس الدولي للزيتون في مدينة قرطبة الإسبانية خلال تشرين الثاني 2025. الحدث جاء ضمن مناسبة اليوم العالمي لشجرة الزيتون، وشهد اعتماد «إعلان قرطبة» بوصفه وثيقة تتحدث عن الاستدامة، والأمن الغذائي، وحماية التنوع الحيوي، ومكافحة التصحر، والتكيف مع تغير المناخ. الكلام واسع، لكنه يضع الزيتون السوري أمام سؤال محدد: هل يستطيع أن يعود إلى العالم من باب المعايير، لا من باب الحنين؟

إسبانيا هنا ليست تفصيلاً في العنوان. هي مركز ثقل في اقتصاد الزيتون، والمجلس الدولي للزيتون يتخذ من مدريد مقراً. لذلك تبدو قرطبة أقرب إلى بوابة اعتراف فني ومؤسسي. لكنها لا تفتح الطريق تلقائياً. من يريد دخول الأسواق الأكثر تشدداً يحتاج إلى ملف كامل، لا إلى عينة جيدة فقط.

من وفرة الإنتاج إلى ضيق المواصفة

الأرقام السورية تمنح القطاع حجماً لا يمكن تجاهله. وفق تصريحات رسمية عام 2024، بلغت المساحة المزروعة بالزيتون نحو 674 ألف هكتار، أي ما يعادل 12 بالمئة من إجمالي المساحة المزروعة في البلاد. وبلغ إنتاج الزيتون النهائي في ذلك الموسم 761,764 طناً، خُصص 20 بالمئة منها لزيتون المائدة و80 بالمئة لاستخراج الزيت. أما إنتاج زيت الزيتون فبلغ 122 ألف طن، مع استهلاك محلي مقدر بنحو 100 ألف طن وفائض للتصدير يقارب 22 ألف طن.

هذه ليست أرقام محصول صغير يبحث عن مكان على الهامش. لكنها تكشف أيضاً أن المشكلة لا تقف عند الإنتاج. توجد في سوريا 35 شركة فلترة وتعبئة لزيت الزيتون، وتصدر إلى أسواق عربية وأجنبية، وفي مقدمتها السعودية وقطر والإمارات. هذا حضور فعلي، لكنه لا يعني أن المنتج صار مستقراً في الأسواق العالمية الأشد رقابة. الفارق كبير بين سوق تعرف المنتج وتسامح بعض تفاوتاته، وسوق تطلب تتبعاً دقيقاً لكل حلقة من الحقل إلى الرف.

بيانات المجلس الدولي للزيتون تضيف طبقة أخرى من التعقيد. في ميزان 2023/2024 النهائي، قُدر إنتاج سوريا من زيت الزيتون بنحو 122 ألف طن، مع صادرات بلغت 69 ألف طن واستهلاك 60 ألف طن. وفي ميزان 2024/2025 التقديري، هبط الإنتاج إلى 105 آلاف طن، وتراجعت الصادرات إلى 37 ألف طن، والاستهلاك إلى 58.5 ألف طن. قد يفسر اختلاف الأرقام بتباين السنة التسويقية وطرق القياس، لكنه يذكّر بأن البيانات نفسها جزء من معركة الثقة.

السوق لا تحب الغموض. وإذا كانت سوريا تريد عبوراً أوسع عبر بوابة إسبانيا والمجلس الدولي، فإنها تحتاج إلى أرقام مستقرة بقدر حاجتها إلى زيت جيد.

الجودة قبل الذاكرة.. والسوق لا تنتظر طويلاً

برزت خلال الفترة الماضية نقاشات حول جودة زيت الزيتون السوري ومدى مطابقته لبعض المعايير الدولية. وتحدثت تقارير إعلامية عن ملاحظات تتعلق بتجميع الثمار وتأخير عصرها، وطرق العصر، ونوعية العبوات، والرقابة على مراحل الغسل والتخزين. وفي شباط 2026، ترأست سوريا مجموعة عمل إلكترونية ضمن لجنة الزيوت والدهون التابعة لدستور الغذاء العالمي «CODEX» لتحديث مواصفة زيت الزيتون الدولية، مع توجه لجمع بيانات جديدة حول المعايير الأساسية للزيت.

هذا تطور مهم، لا لأنه يحل المشكلة فوراً، بل لأنه ينقل سوريا من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في نقاش المواصفة. لكنه يضع عليها عبئاً أكبر. لا يمكن الدفاع عن تعديل المعايير دولياً إذا بقيت السلسلة الداخلية ضعيفة. الجودة تبدأ من موعد القطاف، ومن سرعة نقل الثمار إلى المعصرة، ومن نظافة الخزانات، ومن العبوة التي لا تفسد ما أنقذه الحقل.

ثم يأتي الجفاف. تشير البيانات الرسمية إلى أن 85 بالمئة من زراعة الزيتون في سوريا زراعة بعلية، أي أنها شديدة الحساسية لتذبذب المطر. ومع ارتفاع تكاليف النقل والعصر والعمالة والأسمدة، يصبح الزيت مرتفع الثمن على المستهلك، من دون أن يعني ذلك دائماً أن المزارع رابح. هنا تظهر الحلقة التي تضيع فيها القيمة. المنتج يدفع أكثر، والمستهلك يدفع أكثر، والسوق الخارجية لا ترى إلا المنتج النهائي ومطابقته.

لهذا لا تكفي قرطبة وحدها، ولا تكفي صورة الوفد، ولا يكفي الحديث عن تاريخ الزيتون السوري. الطريق إلى الأسواق العالمية يمر من مختبر داخلي قبل أن يمر من ميناء خارجي. ويمر من تنظيم المعاصر، ومن توحيد التصنيف، ومن حماية الاسم التجاري، ومن قدرة المصدر على أن يقول للمشتري أين قُطف الزيتون ومتى عُصر وكيف خُزن.

الزيتون السوري يملك حجماً وتاريخاً وأسواقاً قريبة. هذه عناصر قوة. لكن السوق العالمية لا تشتري الذاكرة إلا إذا رافقتها ثقة قابلة للقياس. فإذا تحولت المشاركة في إسبانيا والعمل مع المجلس الدولي والفاو ومسارات المواصفة إلى ضبط فعلي لسلسلة الإنتاج، فقد يجد الزيت السوري طريقه. أما إذا بقيت البوابة الإسبانية عنواناً جميلاً فقط، فسيبقى السؤال مفتوحاً: الزيت موجود، لكن هل بات جاهزاً لعبور السوق؟

اقرأ أيضاً: أزمة الزيتون في سوريا.. تراجع الإنتاج وسط استراتيجيات حكومية للإنقاذ

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.