بقلم هلا يوسف
تشهد محافظة السويداء مرحلة حساسة تتداخل فيها الجوانب السياسية والأمنية والاجتماعية، مع ظهور تباين واضح في المواقف والخيارات المطروحة لمستقبل المحافظة وعلاقتها بالدولة السورية. وبين تحركات خارجية لنقل صورة ما يجري، وتصاعد دعوات محلية تطالب بتقرير المصير، برز في المقابل مسار ثالث يحاول تقديم حل وسطي يهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى. في هذا المقال ننقل لكم آخر ما يجري في السويداء.
زيارة سليمان عبد الباقي لواشنطن ومجرياتها
قال سليمان عبد الباقي مدير أمن السويداء، إنه تلقى دعوة رسمية من منظمة “مواطنون” ومن الجالية السورية الأمريكية، للمشاركة في لقاءات تهدف إلى شرح الواقع السوري بشكل عام، وما جرى في محافظة السويداء بشكل خاص. وأوضح أن الهدف الأساسي من الزيارة كان إيصال الحقيقة كاملة حول ما شهدته المحافظة من أحداث، بعيداً عن التعتيم الإعلامي، وشرح الأسباب التي أدت إلى وصول الأوضاع إلى حالة التصعيد والاقتتال.
وأشار عبد الباقي إلى أنه قبل التوجه إلى واشنطن، تم الاتفاق على نقل رسالة واضحة قوامها الصدق والشفافية، مؤكداً أن ما يحدث في السويداء لا يمكن فصله عن محاولات جر المحافظة إلى صراع داخلي يخدم أجندات محددة. وخلال الزيارة التقى عبد الباقي بعدد كبير من صناع القرار في الولايات المتحدة، من بينهم ثلاثة عشر عضواً من مجلس الشيوخ ومجلس الكونغرس، إضافة إلى لقاء مع نحو ستة أعضاء من لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، واجتماعات مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” والبيت الأبيض، عدا عن جلسات نقاش في معهد واشنطن للدراسات والمعهد الأطلسي.
وخلال هذه اللقاءات تركز الحديث على مسار عمل الدولة السورية، وعلى تفاصيل الأحداث التي شهدتها السويداء، بما في ذلك المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين، والجهات التي دفعت باتجاه الاقتتال الداخلي. كما تطرق عبد الباقي إلى زيارة أول وفد من السويداء إلى الرئاسة السورية الجديدة عقب سقوط النظام السابق، موضحاً أن الرئيس السوري أحمد الشرع أكد خلال اللقاء أن بني معروف مكون أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في بناء الدولة، وأن تضحياتهم جزء لا يتجزأ من التاريخ الوطني، مع التشديد على ضرورة التكاتف لإعادة بناء سوريا.
وتابع عبد الباقي أن الاجتماعات شملت أيضاً شرح ما جرى في اللقاءات اللاحقة مع الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى ما وصفه بغدر حكمت الهجري بالاتفاقات التي تم التوصل إليها مع الحكومة السورية، وتنصله المتكرر منها، إضافة إلى دوره في عرقلة عمل مؤسسات الدولة واستقطاب مجموعات مسلحة أدت إلى جر المدينة نحو الاقتتال. وأكد أنه نقل هذه الوقائع كما هي، دون تزييف أو مبالغة، إلى جميع الجهات التي التقاها.
وبحسب عبد الباقي كان موقف المسؤولين الأمريكيين الذين اجتمع بهم واضحاً، حيث أكدوا دعمهم لسوريا موحدة، ودعمهم لمسار الدولة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع. كما أشار إلى أنه أوضح لهم أن السويداء باتت في المرحلة الأخيرة، مرتهنة لعصابات مسلحة ارتكبت جرائم بحق شخصيات دينية واجتماعية بارزة، مثل الشيخ ماهر فلحوط والشيخ رائد المتني، ورفعت شعارات تدعو للانفصال وتخون كل من يعارض حكمت الهجري.
وأضاف عبد الباقي أنه حصل على التزامات من أعضاء في الكونغرس ومن المسؤولين عن الملف السوري في البنتاغون للعمل على وقف التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري، ووقف دعم إسرائيل لحكمت الهجري، مع تقديم ضمانات أمريكية لدعم عمل الدولة السورية بعيداً عن التصعيد. كما أشار إلى التأكيد على وجود شخصيات متورطة في ملف الكبتاغون ومن بقايا النظام السابق، موضحاً أن الدولة السورية لن تحاسب من دافع عن نفسه أو عن أرضه وعرضه، بل ستوجه المحاسبة نحو الخونة والعصابات التي زجت بأهالي السويداء في مواجهة مع الدولة.
وختم عبد الباقي حديثه بالإشارة إلى أنه تمت دعوته لحضور جلسة مرتقبة في الكونغرس تتناول ملف الأقليات بشكل عام، مؤكداً أنه شدد في كل لقاءاته على أهمية استمرار عمل مؤسسات الدولة وتطبيق القانون كمدخل أساسي لإعادة الاستقرار وكشف الحقيقة.
مظاهرات مطالبة بالانفصال
بالتزامن مع هذه التحركات السياسية، نقل موقع 24 الإسرائيلي خبر خروج مظاهرات في ساحة الكرامة بمدينة السويداء، استجابة لدعوات محلية وخارجية، رُفعت خلالها شعارات من بينها “نكون أو لا نكون”. ووجه المشاركون في التظاهرة رسائل مباشرة إلى السلطات السورية، مطالبين بما وصفوه بحق تقرير المصير، ومؤكدين تمسكهم بقيادة الشيخ حكمت الهجري.
وجاءت هذه التظاهرة بدعوة من “المنظمة الدرزية العالمية” وحركة “تقرير المصير”، إضافة إلى اللوبي الدرزي وفعاليات محلية وجهات من خارج السويداء. وأكد المحتجون رفضهم أي حوار أو مصالحة مع حكومة دمشق، مشددين على ما وصفوه بدور “الحرس الوطني” في حماية الأرض والعرض، ومعلنين دعمهم الكامل لحكمت الهجري باعتباره الممثل الشرعي لدروز السويداء.
وتزامنت هذه التحركات مع استعداد وفود من السويداء للمشاركة في مؤتمر الحوار المقرر عقده في بروكسل مطلع الشهر الجاري، إلى جانب المشاركة في مؤتمر حوار الأديان في واشنطن، واجتماع مرتقب مع مجلس الشيوخ الفرنسي في باريس، ما يعكس تصاعد الحراك الخارجي المرتبط بالملف السويداوي وتعدد مساراته.
التيار الثالث.. حل وسطي
في ظل هذا الانقسام الحاد بين مسار يدعم الدولة ومسار آخر يدعو إلى القطيعة والانفصال، أعلن أكاديميون ومثقفون من أبناء السويداء إطلاق مبادرة حملت اسم “التيار الثالث”، وصفوها بأنها محاولة لتقديم خارطة طريق تحمي المجتمع وتمنع انزلاق المحافظة نحو الفوضى الشاملة. وتقوم المبادرة على إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، بوصفها إطاراً مدنياً وطنياً غير حزبي وغير مسلح، ينطلق من المجتمع ويعمل لخدمته دون ادعاء تمثيل أو وصاية.
وفي بيان وجه إلى أهالي السويداء، أوضح القائمون على المبادرة أن ظهور “التيار الثالث” جاء نتيجة حالة الاستعصاء التي تعيشها المحافظة، وما رافقها من مجازر وتهجير وتهميش، في ظل انسداد الطريق السياسي ووجود خطاب مركزي تجاهل معاناة السكان. وأكد البيان أن أصحاب المبادرة لا يدعون امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يسعون إلى تقديم خطوات عملية تحول الواقع الراهن إلى مسار مدني وطني يحفظ الكرامة ويؤمن الاستقرار.
وأكدت المبادرة أن الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في السويداء تمثل جرائم أخلاقية وسياسية جسيمة، لا يمكن تبريرها أو تجاوزها بالصمت، مشددة على أن المسؤولية فردية ولا حصانة لأي جهة أو شخص متورط. وطالبت بمسار محاسبة علني ومستقل وغير مسيس، يترافق مع جبر الضرر وتعويض المتضررين مادياً ومعنوياً، باعتبار أن العدالة شرط أساسي للاستقرار وليست أداة للانتقام.
كما حمل البيان الدولة المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين خلال أحداث تموز الدامية، معتبراً أن تحميل المسؤولية لا يعني تبرئة الأطراف الأخرى، بل الاعتراف بأن غياب الحماية أو سوء إدارة الملف ساهم في تفاقم المأساة. وفي الوقت نفسه شدد التيار الثالث على أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، مستنداً إلى تاريخ المحافظة ونضال أبنائها، وعلى رأسه ناريخ الثورة السورية الكبرى، مع التأكيد على رفض أي مشاريع تقسيم أو عزل أو توظيف خارجي لمعاناة الأهالي.
وتناول البيان ضرورة عودة المهجرين إلى قراهم بكرامة وأمان، والإفراج الفوري عن المختطفين، ووضع آليات واضحة لتعويض المتضررين، إلى جانب حماية حق الطلاب في التعليم وضمان وصولهم الآمن إلى الجامعات وتعويض الفاقد التعليمي. كما أكد أهمية تحييد السويداء عن الصراعات الإقليمية، ورفض استخدام السلاح في الخلافات الداخلية، والدعوة إلى حوار مدني قائم على الاحترام المتبادل ورفض التخوين.
وربط القائمون على المبادرة بين طرحهم الحالي وبين ما عرف سابقاً “بخارطة طريق السويداء”، التي تم الإعلان عنها في بيان سوري أمريكي أردني مشترك في أيلول 2025، والتي أكدت بدورها أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن معالجة فجوة الثقة بين الدولة والسكان تتطلب خطوات متدرجة لإعادة دمج المحافظة في مؤسسات الدولة، وضمان الأمن، وإطلاق مسار محاسبة شفاف، ودعم المصالحة المجتمعية.
في النهاية، بين زيارة رسمية هدفت إلى نقل رواية الدولة وما جرى في السويداء إلى مراكز القرار الدولي، ومظاهرات رفعت سقف المطالب إلى حد الدعوة لتقرير المصير، ومحاولة ثالثة لتقديم حل وسطي يحمي المجتمع ويضع معاناة الأهالي كأولوية، تبدو السويداء اليوم أمام مفترق طريق حاسم. وباختصار، مستقبل المحافظة مرهون بقوة أبنائها وقدرتهم على تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الأخرى، وأيضاً قدرة الدولة السورية بناء جسور الثقة والحوار مع السويداء، مما يجنبها المزيد من الانقسام والاقتتال.
اقرأ أيضاً: التوتر الأخير في السويداء.. انقلاب على الهجري أم ماذا؟!