بيئة

“السيحة” بين خطر الفيضان ومأزق الإدارة: هل يمكن تحويلها إلى مورد تنموي

“السيحة” بين خطر الفيضان ومأزق الإدارة: هل يمكن تحويلها إلى مورد تنموي

بقلم هلا يوسف

لم تكن السيول والفيضانات التي أغرقت المحافظات في الأسبوعين الماضيين مجرد مشاكل إدارية عابرة، بل كشفت عن نسيان بعض المناطق وتهميشها من كافة الاحترازات التي من واجب الجهات المعنية اتخاذها، لا لكونها تضر بالجوانب الجمالية للمدن، بل لكونها تمس الأمن الغذائي والمائي الذي نحن بحاجة اليوم لتوفيره بكافة السبل. ومن هنا شكل الانهيار الجزئي في الساتر الترابي لتجمع مياه “السيحة” لحظة كشفت وجود أزمة في إدارة الموارد المائية في ريفي حلب الجنوبي وشرق إدلب. فمع كل موسم مطري، تتجدد المخاوف ذاتها، وتتكرر الخسائر نفسها، مما يطرح تساؤلاً محورياً: لماذا تتحول الأمطار، التي يفترض أن تكون مصدر حياة، إلى تهديد مباشر للإنسان والزراعة؟

تشابك العوامل الطبيعية والبشرية… كيف تشكلت الأزمة؟

لفهم ما جرى، لا بد من التعرف على معنى “السيحة” وعملها بوصفها نظاماً مائياً معقداً، لا مجرد تجمع للمياه. فهي تمثل المصب النهائي لنهر قويق، الذي يجمع في مساره مياه الأمطار والسيول، إضافة إلى كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي القادمة من مدينة حلب ومحيطها. هذا التداخل يجعل من أي ارتفاع في منسوب المياه حالة حرجة، حيث تتزايد الكميات بسرعة، وتصبح السيطرة عليها أكثر صعوبة.

ومع الهطولات المطرية الغزيرة هذا العام، ارتفع منسوب المياه إلى مستويات غير مسبوقة، مما أدى إلى ضغط هائل على السواتر الترابية المحيطة، وغمر أكثر من 700 هكتار من الأراضي الزراعية التي في معظمها مزروعة بالقمح. هذه السواتر، التي أُنشئت على مراحل وبحلول مؤقتة، لم تعد قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية وزيادة التدفقات، فانفرجت في إحدى نقاطها، لتندفع المياه بسرعة نحو الأراضي الزراعية والقرى المجاورة.

تعد “السيحة الغربية” المنطقة الأكثر تضرراًجراء الفيضانات، وتشمل قرى جزاريا وتل علوش وتل الطوقان. بينما تضم “السيحة الشرقية” مناطق تل الدبان وأم الكراميل. لكن النقاش لا يقف عند حدود الطبيعة. فالمشكلة بحسب الوقائع، هي نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال. إذ بقيت مشاريع تنظيم مجرى نهر قويق غير مكتملة، وأيضاً قنوات التصريف لم تُستكمل، كما أن البنية التحتية المائية لم يتم تحديثها بما يتناسب مع المتغيرات المناخية. بالإضافة إلى ذلك خلقت سنوات الجفاف السابقة حالة من الاطمئنان الزائف، مما أدى إلى ضعف الاستعداد لمواجهة سيناريوهات الفيضانات.

ومع الأسباب السابقة، يمكن القول أن الأزمة الحالية ليست مفاجئة بقدر ما هي متوقعة، لكنها تأخرت في الظهور بهذا الحجم.

تداعيات متسارعة… من غمر الأراضي إلى تهديد الصحة العامة

أما بالنسبة لما حدث في السيحة في ريفي حلب وإدلب مع لحظة الانهيار، بدأت المياه بالتدفق نحو المناطق المنخفضة بسرعة فاقت قدرة الأهالي على التعامل معها. وخلال ساعات كانت قد غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المزروعة بمحاصيل استراتيجية مثل القمح والشعير والبقوليات، مما يعني خسارة موسم كامل لمئات العائلات التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.

ورغم محاولات الأهالي التدخل باستخدام وسائل بدائية كالأكياس الترابية وإقامة حواجز مؤقتة، إلا أن هذه الجهود لم تكن كافية أمام حجم التدفق. فالمشكلة هنا ليست في غياب الإرادة، بل في محدودية الإمكانات.

ولا تقتصر التداعيات على الجانب الزراعي فقط، بل تمتد إلى البعد الصحي والبيئي. فالمياه المتدفقة ليست نقية، بل تحمل خليطاً من الملوثات، بما في ذلك مياه الصرف الصحي. ومع تسرب هذه المياه إلى الآبار الجوفية، تتزايد المخاوف من تلوث مصادر الشرب، وما قد يترتب على ذلك من انتشار أمراض بين السكان.

كما أن القرى القريبة من مسار المياه أصبحت مهددة بشكل مباشر، مما دفع بعض الأهالي إلى مغادرة منازلهم مؤقتاً. وهنا تداخلت الأزمة المائية مع أبعاد إنسانية واجتماعية، مهددة العائلات بالاستقرار والأمن المعيشي.

بين الحلول الإسعافية والرؤية الغائبة… أين تكمن المشكلة؟

في مواجهة هذه التطورات، تحركت الجهات المعنية عبر إجراءات طارئة، مثل محاولة فتح قنوات لتصريف المياه باتجاه سدود أو مناطق أقل خطراً. حيث جاءت زيارة سريعة للجهات المعنية إلى موقع قناة الجر باتجاه سد المويلح، بهدف تقييم الوضع مباشرة واتخاذ إجراءات سريعة للحد من ارتفاع منسوب المياه في “السيحة”. وأسفرت الجولة عن قرار فتح القناة لتخفيف الضغط المائي، مع متابعة التنفيذ ميدانياً.

غير أن محدودية الطاقة الاستيعابية للقناة، إلى جانب فارق المناسيب، تطرح تساؤلات حول فعالية هذا الإجراء في مواجهة الكميات الكبيرة المتدفقة. إذ تقدر الطاقة الاستيعابية للقناة بنحو مليون متر مكعب فقط، وهي قدرة محدودة مقارنةً بحجم المياه الكبير في السيحة، وكذلك يشكل فارق المنسوب البالغ نحو 8 أمتار عاملاً مؤثراً في حركة تدفق المياه وسرعتها.

ومع الزيارة السابقة، كانت قد بدأت أعمال تدعيم السواتر في قرى مثل الطرفاوي وجزرايا واستجرار المياه نحو مناطق أخرى مثل تل سلمو، في إطار محاولات احتواء الخطر.

وهنا يبرز جوهر النقاش: هل المشكلة في نقص الحلول، أم في غياب الخطة لتنفيذها؟ في الواقع طرح الأهالي عدد كبير من الحلول مثل جر المياه نحو مناطق البادية للاستفادة منها زراعياً، وإنشاء شبكة قنوات ري لتوزيع المياه بدل تركها تتجمع بشكل عشوائي، والأهم استكمال مشروع استصلاح “السيحة” الذي يهدف إلى تجفيف المستنقعات وتحويلها إلى أراضٍ منتجة. لكن هذه المشاريع بقيت حبراً على ورق، بسبب عوامل متعددة، منها ضعف التخطيط، وغياب التمويل، وأحياناً الخلافات المحلية أو غياب القرار التنفيذي.

هل يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة تنموية؟

رغم الصورة القاتمة التي ينقلها السكان بعد فقدانهم لمحاصيلهم، تطرح الأزمة الحالية فرصة لإعادة التفكير بشكل جذري في إدارة المياه في المنطقة. فبدلاً من التعامل مع “السيحة” كمشكلة، يمكن النظر إليها كمورد مائي يمكن استثماره.

فمشروع استصلاح “السيحة” على سبيل المثال، لا يهدف فقط إلى منع الفيضانات، بل يحمل أبعاداً تنموية أوسع، منها توسيع المساحات الزراعية المروية، وتحسين جودة التربة عبر التخلص من الأملاح، ودعم الأمن الغذائي من خلال زيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، كما أنه يعمل على توفير فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة في المنطقة.

لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب انتقالاً من منطق “الاستجابة الطارئة” إلى “التخطيط الاستراتيجي”، وهو ما يبدو غائباً حتى الآن.

كما أن نجاح أي مشروع مستقبلي يعتمد على تكامل الأدوار بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي، بحيث لا تبقى المسؤولية محصورة بطرف واحد، بل تتحول إلى شراكة حقيقية في إدارة الموارد.

في الختام، تكشف أزمة “السيحة” عن حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن سوريا اليوم بحاجة لكل نقطة ماء بينما تهدر مياه الأمطار في بعض المناطق، وفي الوقت الذي تبحث فيه الجهات المعنية فرص استجرار المياه من البحر في الساحل السوري نحو دمشق، تعاني المحافظات الشمالية في ريفي حلب وإدلب من غمر المياه لأراضيهم. وهذا ما يجعلنا نفكر للحظة بأهمية وجود تخطيط سليم للحفاظ على مواردنا المائية.

اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.