منوعات

«الشعب يريد» تعود للشارع السوري.. ماذا يعني ذلك؟

«الشعب يريد» تعود للشارع السوري.. ماذا يعني ذلك؟

الكاتب: أحمد علي

هتافٌ يعرف كيف يخرج من الذاكرة إلى الحنجرة من دون استئذان.. عبارة قصيرة تتسع لما لا تتسع له الخطب الطويلة، وتستعير قوتها من بساطتها.. حين تُسمَع اليوم في سوريا، لا تبدو مجرد صدى بعيد لعام 2011، بل مؤشر حرارة لشارع يقيس السياسة بمقياس الخبز والكهرباء وأجرة الطريق إلى العمل. وما بين لاذقيةٍ تشتكي من ضغط على معلميها، وحلبٍ تتجادل حول بسطات الرزق، ودمشقٍ تقف وجهاً لوجه مع فاتورة كهرباء، يظهر سؤال أكبر وهو ماذا يريد السوريون الآن، وكيف تُترجم هذه المطالب قبل أن تتحول إلى أزمة ثقة جديدة؟

«الشعب يريد» ومعيشة على المحك

كان من الملاحظ في الشهر الأول كانون الثاني من العام الجاري 2026، عودة شعار «الشعب يريد» إلى التداول لا باعتباره قالباً سياسياً جاهزاً، بل كجملة مرنة تُلبس مطلباً محدداً ثوباً مفهوماً. لذلك تظهر، وفق المقاطع المرئية المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي صيغ مثل “الشعب يريد إسقاط القرار” في احتجاجات مرتبطة بقرارات خدمية ومعيشية، خصوصاً الكهرباء.

وهذا التحول لا يلغي الأبعاد السياسية للشعار، لكنه يوضح أن المدخل المعيشي صار بوابة التعبير الأكثر انتشاراً، لأن الحديث عن الراتب والفاتورة هو حديث عن السلطة من دون خطب ولا شعارات كبيرة.

وتشير قراءة أخرى إلى أن «الشعب يريد» يلتقط ما يسميه كثيرون “الواقع المعيشي” بوصفه نقطة التقاء بين فئات متباعدة. الموظف الذي ينتظر راتبه، وصاحب البسطة الذي ينتظر زبونه، والمعلم الذي ينتظر حافلة تقلّه إلى مدرسة بعيدة، قد يختلفون في أشياء كثيرة، لكنهم يتشابهون حين تُصبح تفاصيل الحياة أغلى من قدرتهم على الاحتمال.

هنا يبدأ الشعار كجملة جامعة، ثم يضيف الشارع تتمته بحسب القصة التي تشتعل في يومها.

اللاذقية ومعلمون بلا بدائل

ملف التعليم في اللاذقية يقدّم مثالاً على كيف تتحول القرارات الإدارية إلى قضية عامة حين تصطدم بواقع الناس. وتحدثت تقارير محلية عن احتجاجات لمعلمین أمام مديرية التربية في اللاذقية رفضاً لقرارات تتعلق بمراكز العمل وإعادتهم إلى مناطقهم الأصلية، وهو ما رآه المشاركون عبئاً جديداً على أسرهم ومعيشتهم.

وفي أواخر 2025 ظهر جدل آخر حول تعميم يلزم المدرسين بالدوام الكامل تحت طائلة المساءلة، وسط شكاوى من تكاليف النقل وضعف الرواتب وصعوبات العمل المدرسي.

قد يبدو الأمر شأناً مهنياً، لكنه في اقتصاد منهك يتحول سريعاً إلى حكاية بيتية. حين يُطلب من المدرس البقاء في المدرسة حتى في أيام لا نصاب له فيها، لا تُضاف ساعات على ورق فقط، بل تُضاف مصاريف نقل ووقت.

المفارقة أن “استقرار العملية التعليمية” يُستدعى أحياناً بصوت أعلى من استقرار ميزانية المعلم. لذلك يعود «الشعب يريد» هنا بمعنى قريب من الناس، خدمة عامة تعمل من دون أن تُدار على حساب من يقدمها.

حلب بين التنظيم واللقمة

في حلب، تبدو قصة البسطات كأنها صورة مكبرة للصراع بين تنظيم المدينة وحماية الرزق. إذ رصدت تقارير إعلامية تظاهرة في حي سيف الدولة أواخر 2025 احتجاجاً على قرار إزالة بسطات من شوارع رئيسية، وركزت الشعارات على “العيش بكرامة” واعتبار البسطة مصدر دخل لا بديل عنه.

في المقابل، يرى مؤيدو الإزالة أن الأرصفة لم تعد أرصفة، وأن الازدحام وفوضى المرور صارت كلفة يدفعها الجميع.

اللافت أن الطرفين يقدمان حججاً تبدو منطقية إذا سُمعت وحدها. من يريد المرور بسلاسة لا يريد أن يمشي في سوق مفتوح على الرصيف، ومن يريد لقمة عيش لا يريد أن يختفي دخله بقرار سريع.

وبينهما امتحان بلدي صعب، هل تُزال البسطات ثم يُبحث عن بديل، أم يُصنع البديل أولاً؟ أي حل لا يضع بديلاً واقعياً قد يربح تنظيماً مؤقتاً ويخسر ثقة طويلة، وهنا يخرج «الشعب يريد» بنبرة أقرب إلى سؤال لا إلى تحدّ.

دمشق وفاتورة كهرباء تتضخم

أكثر ما يعيد الهتافات إلى الشارع هو اللحظة التي تشعر فيها الأغلبية أنها تدفع مقابل خدمة لا تصل. في 29 كانون الثاني 2026، تجمع عشرات المواطنين أمام وزارة الطاقة في دمشق احتجاجاً على ارتفاع فواتير الكهرباء، ورفع المحتجون شعارات من بينها “الكهرباء حق وليست رفاهية” و”راتبي لا يكفي للخبز” و”ما مندفع”.

ونُقلت عن مشاركين شكاوى من انقطاعات طويلة وقراءات عدادات لا تعكس الاستهلاك الحقيقي، ما يجعل الاعتراض موجهاً إلى المنطق قبل السعر.

وربما لهذا السبب صار الشعار يُعاد تدويره على مقاس اللحظة، فتظهر صيغة “الشعب يريد إسقاط القرار” في وقفة بمنطقة كفرسوسة رفضاً لرفع أسعار الكهرباء، وكأن الشارع يقول إنه لا يطالب بمعجزات، بل يطالب أن تكون المعادلة عادلة.

رسالة الشارع لصنّاع القرار

التشابه مع بدايات 2011 لا يأتي من تكرار التفاصيل بحرفيتها، بل من منطق تراكم الضيق وعدم الرضا. قبل خمسة عشر عاماً، انطلقت احتجاجات على خلفيات متنوعة، وكان من بينها ضيق اقتصادي وسوء خدمات وشعور متزايد بأن القرار بعيد عن الناس، ثم اتسعت الأسئلة.

اليوم، تختلف سوريا كثيراً عما كانت عليه، لكن ما لا يختلف هو أن تجاهل الصوت اليومي للناس يخلق فراغاً يمتلئ بالغضب يوماً بعد يوم. لذلك يحذر بعض المراقبين من أن استمرار تهميش شرائح واسعة، سواء في ملفات العمل أو الكهرباء أو سبل العيش، قد يدفع المشهد نحو توترات أشد، حتى لو اختلفت عناوينها.

الرسالة الأوضح في عودة «الشعب يريد» بصيغ معيشية هي دعوة إلى فتح قنوات واضحة للاعتراض والمعالجة، لا إلى انتظار أن تتحول كل مشكلة إلى تجمّع في الشارع. والإصغاء هنا ليس رفاهية، بل سياسة وقاية، فحين يشعر المعلم أن شكواه لا تُسمع، وحين يشعر بائع البسطة أن رزقه بلا بديل، وحين يشعر الموظف أن فاتورة الكهرباء أكبر من راتبه، تتسع دائرة المتضررين وتضيق مساحة الصبر.

في الخلاصة، «الشعب يريد» لا تقول إن التاريخ سيعيد نفسه حتماً، لكنها توحي بأن التاريخ من الممكن أن يعيد نفسه في حال ترك وحده دون أن تعالج مشكلاته. وتقول بشكل واضح إن شروط القلق والغضب الاجتماعي وعدم الرضا موجودة، وأن أبسط طرق تهدئته تبدأ بالشفافية والبدائل الواقعية والالتفاف لمصالح الناس…

اقرأ أيضاً: كلمتان عن أسعار الكهرباء والاحتجاجات.. و«صبر الشارع الاستراتيجي»!

المصادر

  1. https://www.alaraby.co.uk/economy/%D8%BA%D8%B6%D8%A8-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D8
  2. https://nabd.com/s/167384452-e09638/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8-%D9%8A
  3. https://almalsyria.com/2026/01/25/%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%81%D8
  4. https://syria-360.com/2025/11/27/%D8%AD%D9%84%D8%A8-%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9- /
  5. https://www.syria.tv/%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8
  6. https://www.alaraby.co.uk/society/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8
  7. https://www.syriahr.com/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B5%D
  8. https://www.syria.tv/%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9
  9. https://fanack.com/ar/syria/history-of-syria/the-syrian-crisis/the-syrian-revolution-justifications-and-outbreak
  10. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2016/3/7/%D8%A7%D9
رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.