بقلم هلا يوسف
ليس من السهل أن يتخيل القارئ أن آلاف المنشآت الصناعية يمكن أن تكون قائمة على الورق أو الجدران، لكنها لا تعمل فعلياً أو تعمل بشكل متقطع، حيث يعيش القطاع الكيميائي هذه الصورة المتناقضة بين إمكانات كبيرة تبدو واضحة في الأرقام، وبين واقع إنتاجي لا يعكس دائماً حجم هذه الإمكانات. فبين منشآت تعمل وأخرى متوقفة، وبين مشاريع مرخصة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، تتشكل ملامح قطاع قادر على النهوض، لكنه ما يزال يبحث عن شروط الاستقرار والتشغيل الحقيقي.
واقع المنشآت الصناعية والحرفية ومستوى التشغيل
تشير البيانات إلى أن إجمالي عدد المنشآت الصناعية والحرفية في سوريا يبلغ نحو 128,549 منشأة، يعمل منها أكثر من 81 ألف منشأة بنسبة تقارب 63 بالمئة، بينما تبقى النسبة المتبقية خارج التشغيل الكامل أو تعمل بشكل متقطع. هذا التفاوت يعكس أن وجود المنشأة لا يعني بالضرورة استمرارية الإنتاج، بل إن جزءاً منها يتوقف بسبب صعوبات تشغيلية أو مالية أو تتعلق بتأمين مستلزمات الإنتاج.
وفي القطاع الكيميائي تظهر الصورة بشكل أكثر تفصيلاً، إذ يبلغ عدد المنشآت الحرفية العاملة 6,203 منشأة، في حين يصل عدد المنشآت الحرفية المتوقفة إلى 7,781 منشأة، وهو ما يعني أن عدد المتوقف منها يفوق العامل بشكل واضح. أما في القطاع الصناعي الكيميائي، فإن عدد المنشآت العاملة يبلغ 5,226 منشأة مقابل 3,232 منشأة متوقفة، وهو ما يشير إلى أن جزءاً من الطاقة الإنتاجية لا يزال معطلاً رغم توفر البنية الأساسية. هذه الأرقام تعكس أن القطاع لا يعاني فقط من ضعف في التوسع، بل أيضاً من تحديات في استمرارية التشغيل واستقرار الإنتاج.
الفجوة بين التراخيص والإنتاج الفعلي
تظهر بيانات وزارة الاقتصاد والصناعة أن هناك فجوة كبيرة بين عدد المشاريع المرخصة وتلك التي دخلت فعلياً مرحلة الإنتاج، وهو ما يشكل أحد أبرز التحديات أمام القطاع الصناعي الكيميائي.
في عام 2025 بلغ عدد المنشآت الصناعية الكيميائية المرخصة 979 منشأة، إلا أن عدد المنشآت التي وصلت إلى مرحلة الإنتاج الفعلي لم يتجاوز 137 منشأة، وهو ما يعني أن جزءاً كبيراً من المشاريع المرخصة بقي في مرحلة الورق دون تنفيذ فعلي. كما أن المشاريع الاستثمارية التي تم إقرارها ضمن قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 لم تتجاوز مشروعين فقط، وهو رقم محدود جداً مقارنة بحجم التراخيص.
وفي القطاع الحرفي، تم تسجيل 159 مشروعاً مرخصاً، لكن عدد المشاريع التي تم تنفيذها فعلياً لم يتجاوز تسعة مشاريع فقط، وهو ما يشير إلى بطء شديد في الانتقال من مرحلة الترخيص إلى مرحلة التشغيل. أما داخل المدن الصناعية، فقد كانت النتائج أكثر وضوحاً في ضعف التنفيذ، حيث لم يتم تسجيل أي مشروع حرفي منفذ رغم وجود مشاريع مرخصة، وهو ما يعكس وجود عوائق تتعلق بالبنية التحتية أو التمويل أو الإجراءات الإدارية.
وعلى مستوى المدن الصناعية بشكل عام، بلغ عدد المشاريع المرخصة 237 مشروعاً، في حين لم يتجاوز عدد المشاريع المنفذة مشروعين فقط، وهو ما يعزز صورة الفجوة الكبيرة بين التخطيط والتنفيذ، ويشير إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بالقطاع الكيميائي بل يمتد إلى البيئة الصناعية بشكل عام.
رؤية الخبراء وتحليل واقع الصناعة الكيميائية
توضح عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها ورئيسة القطاع الكيميائي المهندسة وفاء أبو لبدة أن الصناعة الكيميائية في سوريا تمتلك بنية إنتاجية قديمة لكنها ما تزال قادرة على التطور إذا ما توفرت ظروف تشغيل مناسبة. وتشير إلى أن هذا القطاع قادر على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة قد تتراوح بين 40 و80 بالمئة، وهو ما يعكس إمكانية تحقيق أرباح اقتصادية مهمة في حال تشغيل الطاقات المعطلة بشكل كامل.
وتضيف أن الإنتاج الفعلي الحالي للمنشآت لا يتجاوز بين 30 و60 بالمئة من طاقتها، مما يعني أن هناك جزءاً كبيراً من الإمكانات غير المستثمرة. هذا النقص في الاستغلال لا يرتبط فقط بالإنتاج، بل أيضاً بضعف في استمرارية التشغيل وصعوبة تأمين بعض مستلزمات الإنتاج، إضافة إلى تحديات تتعلق بتكاليف الطاقة والتمويل.
كما تشير إلى أن الصناعات البلاستيكية تمثل حلقة أساسية في دعم العديد من القطاعات الأخرى، خاصة في مجالات التعبئة والتغليف، حيث تساهم بشكل مباشر في تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الكلفة النهائية للمنتجات، مما ينعكس على رفع القيمة المضافة داخل سلسلة الصناعة الكيميائية.
ومن جانبه، يوضح رئيس لجنة صناعة المنظفات في غرفة صناعة دمشق وريفها المهندس محمود المفتي أن الصناعات الكيميائية السورية مثل المنظفات والصابون والجلود والأدوية ومواد التجميل ما تزال تمتلك قدرة على المنافسة في الأسواق العربية والدولية، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويشير إلى أن هذه الصناعات تمكنت من إثبات حضورها من خلال مشاركتها في المعارض الخارجية، حيث أظهرت قدرة على تلبية جزء من المواصفات العالمية، مما يعكس وجود خبرة تراكمية في هذا القطاع. كما يلفت إلى أن انخفاض كلفة اليد العاملة في سوريا ساعد جزئياً في التخفيف من أثر ارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما منح بعض المنتجات فرصة للاستمرار في المنافسة، حتى وإن كان ذلك ضمن حدود ضيقة مقارنة بالأسواق الإقليمية.
في النهاية، تبدو الصورة أقرب إلى قطاع يملك كل المقومات تقريباً، لكنه لا يزال يواجه صعوبة في تحويل هذه المقومات إلى إنتاج حقيقي ومستمر. فالأرقام الكبيرة للمنشآت والتراخيص تعطي انطباعاً بالقوة، لكن الواقع يكشف عن جزء كبير من هذه الطاقة وهو خارج التشغيل أو يعمل بأقل من طاقته. ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول هذه المشاريع من فكرة على الورق إلى مصانع تعمل وتنتج وتفتح فرص عمل، لأن ذلك هو الطريق الحقيقي ليشعر هذا القطاع بقيمته، ويشعر الناس معه أن الاقتصاد يمكن أن يتحرك خطوة إلى الأمام رغم كل التحديات.
اقرأ أيضاً: الصناعات النسيجية في سوريا.. ما حالها وأين وصلت الآن؟!