أخبار سوريا

العملة الجديدة المفقودة: خلل في التوزيع أم احتكار وتهريب؟!

العملة الجديدة المفقودة: خلل في التوزيع أم احتكار وتهريب؟!

بقلم هلا يوسف

تشهد السوق السورية شح كبير في العملة الجديدة على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على انطلاق عملية استبدال الليرة السورية القديمة بالليرة الجديدة. فهي غير موجودة في يد المواطن، ومن النادر أن يتعامل بها التاجر، وكذلك الحال بالنسبة لمكاتب الصرافة وأجهزة الصراف الآلي، التي لا تعكس ما قيل عن طرح المليارات في التداول. هذا الشح أثار استغراب الأوساط المجتمعية، ودفع بالخبراء الاقتصاديين إلى محاولة تفسيره، وطرح أسئلة جوهرية، أهمها: هل تسير عملية الاستبدال كما أُعلن عنها؟ وأين تتركز الكتلة النقدية الجديدة؟ ومن المسؤول عن غيابها الفعلي عن التداول اليومي، رغم الحاجة الماسة إليها، خصوصاً لفئة 500 ليرة؟

تكمن المشكلة الأساسية وفق مراقبين، في الفجوة الواضحة بين ما يعلن عن كميات العملة الجديدة المطروحة للتداول، وما يلمسه المواطن فعلياً عند شباك الصراف، أو في أجهزة الصراف الآلي، أو عند قبض راتبه الشهري. فبعد نحو شهر من بدء عملية الاستبدال، لا تزال الليرة القديمة هي السائدة في الأسواق، فيما بقيت الليرة الجديدة، وخاصة فئة 500 ليرة، نادرة إلى حد يثير القلق.

فرضيات شح العملة الجديدة

هذا التناقض غذى فرضيات متعددة، أبرزها أن جهات معينة تقوم بجمع الليرة الجديدة لتحقيق أرباح غير مشروعة. ووفق أبسط معايير الحوكمة النقدية، فإن غياب الشفافية في إدارة ملف بهذا الحجم يشكل خرقاً لواجب الإفصاح العام، ويقوض الثقة في السياسة النقدية في مرحلة حساسة أصلاً.

قال الخبير المصرفي والمالي الدكتور أحمد جلال الدين في هذا الخصوص أن غياب البيانات الشفافة حول الكميات المطروحة وآلية توزيعها يفتح المجال أمام ثلاث فرضيات رئيسية:

الأولى تتمثل في احتكار العملة الجديدة من قبل جهات نافذة تمتنع عن ضخها في السوق، بهدف تهريبها إلى الخارج، خاصة إلى دول الجوار، أو تسليمها لشبكات صرف غير رسمية، أو استخدامها في المضاربة على سعر الصرف، أو لاستبدال الليرات القديمة الموجودة خارج البلاد مقابل عمولات مرتفعة.

الفرضية الثانية وهي الأخطر بحسب جلال الدين، تفترض أن عملية الاستبدال قد تستخدم كبوابة لغسل أموال الفساد، من خلال استبدال أموال غير معلنة أو ناتجة عن سرقة وفساد بأوراق نقدية جديدة “نظيفة”، دون المرور عبر قنوات تدقيق فعالة.

أما الفرضية الثالثة فتتعلق بوجود خلل أو تواطؤ في مراكز الاستبدال نفسها، حيث لا يوجد سوى احتمالين: إما أن هذه المراكز لا تتلقى كميات كافية أساساً، مما يشير إلى مشكلة في التوزيع المركزي، أو أنها تتلقى الكميات لكنها لا تضخها، ما يفتح الباب أمام اتهامات بالتهريب مقابل عمولات.

ويؤكد جلال الدين أن انتشار الليرة الجديدة كان يمكن أن يتحقق بسرعة لو تم اعتماد إجراءات واضحة، مثل دفع الرواتب والأجور حصرياً بالعملة الجديدة، وإلزام مكاتب الحوالات الداخلية باستخدام الفئات الجديدة فقط، وتحويل الأرصدة النقدية في المصارف تدريجياً إلى أوراق نقدية جديدة. إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث حتى الآن.

شهادات من السوق: إحباط يومي

بحسب مصادر إعلامية رصدت الواقع الميداني في المحافظات أشارت بوضوح أن هناك محدودية في تداول العملة الجديدة. ففي أحد أسواق دمشق، يقول صاحب متجر بقالة، إن ورقة واحدة فقط من فئة 500 ليرة جديدة دخلت متجره منذ بدء الاستبدال، ووصف الأمر وكأنه عثر على “كنز نادر”، في وقت يضطر فيه للتعامل بحزم من أوراق نقدية قديمة بالية يرفضها الزبائن أحياناً.

وفي حلب تعبر موظفة حكومية عن خيبة أملها بعد أن استلمت راتبها بأوراق نقدية قديمة، بعضها ملتصق ببعض، متسائلة عن مصير “المليارات” التي قيل إنها صرفت. بينما يؤكد محامي من اللاذقية أن الظهور المحدود جداً للعملة الجديدة، خاصة فئة 500 ليرة، يتناقض مع التصريحات الرسمية، ويطرح علامات استفهام مشروعة حول مصير هذه الكميات.

الشفافية المفقودة وأزمة الثقة

تعتبر الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب أن انعدام الشفافية هو جوهر المشكلة. فعملية استبدال نقدي بهذا الحجم لا يمكن أن تدار بهذه الطريقة، وعندما لا تظهر العملة الجديدة بعد أسابيع من بدء التداول، تصبح القضية مسؤولية واضحة وليست مجرد مسألة فنية. وترى الخطيب أن غياب الإفصاح يغذي الشائعات ويقوض الثقة في العملة الوطنية، في وقت تكون فيه الثقة أهم من أي إجراء نقدي شكلي.

وتحذر الخطيب من أن أخطر ما في المشهد الحالي هو احتمال تحول عملية الاستبدال من أداة إصلاح إلى قناة للمضاربة، أو وسيلة لتهريب العملات، أو غطاء لضخ أموال غير معلنة في النظام المالي. واستمرار الاستبدال البطيء يعني عملياً أن الخطة النقدية تفقد هدفها الأساسي، وتترك الاقتصاد في حالة “إصلاح جزئي” تزيد من عدم الاستقرار والسلوك المضاربي.

اختلال التوزيع بين المصارف.. سبب إضافي لغياب الليرة الجديدة

يكشف مسؤول إداري في أحد المصارف العامة، عن خلل واضح في آلية توزيع الليرة السورية الجديدة خلال عملية الاستبدال، مشيراً إلى أن مصرف سوريا المركزي مال منذ بداية الاستبدال إلى تزويد المصارف الخاصة وشركات الصرافة بكميات تفوق بكثير ما تم تسليمه للمصارف العامة، رغم الانتشار الجغرافي الواسع للأخيرة وتعامل غالبية المواطنين معها.

وبحسب المسؤول تسلم أحد المصارف الخاصة أكثر من 105 ملايين ليرة سورية جديدة مع انطلاق عملية الاستبدال، رغم أن عدد فروعه لا يتجاوز سبعة، في حين تمتلك المصارف العامة أكثر من 40 فرعاً ومكتباً لكل مصرف، وتعد القناة الأساسية لوصول المواطنين والفعاليات الاقتصادية إلى النظام المصرفي. هذا التفاوت برأيه، يفسر جزئياً ندرة العملة الجديدة في الأسواق، خاصة أن تعامل المواطنين مع المصارف الخاصة محدود، وأن من يحصل على الليرة الجديدة يميل إلى ادخارها بدل تداولها.

وينتقد المسؤول آلية المصرف المركزي التي تشترط على المصارف العامة تسليم عملة قديمة قبل استلام الجديدة بيومين أو أكثر، واعتبر أن هذا الإجراء يعكس خللاً في الثقة، رغم أن جميع عمليات الاستبدال تكون موثقة وتعود العملة القديمة إلى المركزي مباشرة. ويضيف أن قلة الكميات المسلمة تجعل الاستبدال في المصارف العامة يقتصر على يومين في الأسبوع، قبل أن يتوقف بسبب نفاد العملة الجديدة.

ويرى أن الحل متاح ويتمثل في تزويد المصارف العامة بكميات تعادل وسطي عملياتها الشهرية دون اشتراط مسبق، مع تمديد ساعات الاستبدال، وهو ما من شأنه تسريع العملية وإنهائها خلال فترة أقصر، بدل الإبقاء على حالة الشح والإرباك في السوق.

اقرأ أيضاً: بعد الإعلان عن استبدال العملة.. كيف ستؤثر على الاقتصاد؟

رأي مخالف لما سبق؟

في مقابل هذه المخاوف يدعو الخبير الاقتصادي يونس كريم إلى قراءة أكثر توازناً. فهو يشير إلى أن العملة الجديدة لم يمضِ على تداولها سوى أقل من 28 يوماً، وهي فترة قصيرة للحكم على انتشارها، خاصة في اقتصاد يعاني من قيود سيولة مزمنة وتآكل عميق في الثقة. كما يلفت إلى أن بعض المواطنين والتجار يتجنبون التعامل بالفئات الجديدة بسبب مخاوف تتعلق بجودة الطباعة وسرعة تدهور الأوراق النقدية.

ويستند كريم إلى بيانات رسمية تشير إلى أن إجمالي ما صدر حتى الآن لا يتجاوز مليار ورقة نقدية تقريباً، في حين يحتاج السوق إلى عشرات المليارات، ما يفسر الارتباك الحالي دون الحاجة إلى افتراض سيناريوهات تهريب واسعة. كما يؤكد أن الجهات الرسمية لم تسجل أي حالات موثقة لتهريب منظم للعملة الجديدة، مشيراً إلى أن الليرة السورية لا تشكل مصدراً جذاباً للتهريب أو المضاربة خارج البلاد.

ويضيف أن استبعاد المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة من عملية الصرف، والتي يقطنها نحو أربعة ملايين شخص، أدى عملياً إلى إخراج جزء من المعروض النقدي من التداول دون استبدال فوري، ما ساهم في تعقيد المشهد. كما يرى أن إصدار العملة الجديدة يحمل أبعاداً سياسية ورمزية، تتجاوز الجانب الاقتصادي، في إطار إعادة تشكيل المشهد النقدي العام.

من جهته يرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن محدودية تداول الليرة الجديدة بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع مؤشر مقلق، ويعني أن الاستبدال، إذا استمر بهذه الوتيرة، سيستغرق سنوات. ويذهب خزام إلى أن غياب العملة الجديدة عن السوق، رغم الحديث عن طرح مليارات، لا يمكن تفسيره إلا بوجود جهات تجمعها لتحقيق أرباح، سواء عبر التهريب، أو المضاربة، أو استبدال أموال فساد غير معلنة.

ويؤكد خزام كغيره من الخبراء، أن الحلول كانت واضحة وبسيطة لكنها لم تطبق، وأن مسؤولية ما يحدث تقع إما على مراكز الاستبدال، أو على الجهات التي تتولى توزيع العملة عليها.

باختصار، لا يبدو أن شح الليرة الجديدة نتيجة قلة طباعة فقط، بل بسبب خلل في إدارة التوزيع وغياب الإفصاح. وبالرغم من اختلاف آراء الخبراء، إلا أن هناك حقيقة واحدة يتفق عليها الجميع: المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، وهو من يدفع ثمن الغموض والتباطؤ. وتبقى الأيام القادمة قادرة على كشف ما يحصل في عملية استبدال الليرة.

اقرأ أيضاً: حذف صفرين من الليرة السورية: خطوة رمزية أم إصلاح نقدي فعلي؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.