الكاتب: أحمد علي
يبدأ القمح من حقل صغير، لكنه لا يبقى هناك. سرعان ما يتحول إلى رقم في الموازنة، وإلى رغيف على الطاولة، وإلى سؤال سياسي لا يمكن تأجيله طويلاً. لذلك لم يكن الخلاف على تسعيرة القمح السوري لموسم 2026 مجرد نقاش بين جهة شراء ومزارعين غاضبين. كان نقاشاً حول حدود ما تستطيع الدولة دفعه، وحول الحد الأدنى الذي يجعل الفلاح قادراً على العودة إلى أرضه في الموسم التالي.
السعر الذي لا يحسم المسألة
حددت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى المشوّل بمبلغ 46 ألف ليرة سورية جديدة، أي 4.6 ملايين ليرة قديمة. وبعد اعتراضات اتسعت في الرقة ودير الزور ودرعا ومناطق أخرى، صدر المرسوم رقم 120 لعام 2026، مانحاً مكافأة تشجيعية قدرها 9 آلاف ليرة سورية جديدة عن كل طن يُسلّم إلى المؤسسة السورية للحبوب. بهذا الحساب، تصبح القيمة الإجمالية 55 ألف ليرة جديدة للطن الواحد.
القرار خفف حدة المشهد، لكنه لم يغلق السؤال. فالمكافأة جاءت فوق السعر، لا بدلاً من إعادة تسعيره من الجذر. والاعتراض الأساسي لدى المزارعين بقي قائماً: هل يغطي الرقم الجديد كلفة الإنتاج؟ تقارير محلية وصحفية نقلت مطالب برفع السعر إلى نحو 500 دولار للطن، في حين قُدّر السعر المعلن قبل المكافأة بنحو 330 إلى 335 دولاراً. الفارق هنا ليس تفصيلاً حسابياً. إنه المسافة بين أن يرى المزارع في القمح محصولاً قابلاً للاستمرار، أو عبئاً يزرعه مرة ويتردد في زراعته لاحقاً.
في 2025، كان السعر الرسمي للقمح القاسي من الدرجة الأولى 320 دولاراً للطن، مع مكافأة تشجيعية قدرها 130 دولاراً لكل طن يُسلّم إلى المؤسسة السورية للحبوب. أما في 2026، فانتقلت المعادلة إلى الليرة الجديدة. هذا التحول قد يكون مفهوماً ضمن محاولة ترتيب السياسة النقدية والمالية، لكنه لا يلغي واقعاً يعرفه المزارعون جيداً: جزء كبير من المدخلات ما زال يتحرك على إيقاع السوق وسعر الصرف، من المحروقات إلى السماد والنقل والحصاد.
موسم يتحسن على أرض مرهقة
تقول الأرقام الرسمية إن خطة زراعة القمح لموسم 2026 بلغت نحو 1.4 مليون هكتار، منها 640 ألف هكتار مروي و830 ألف هكتار بعلي. وبلغت المساحة المنفذة نحو 1.2 مليون هكتار، بنسبة تقارب 86 بالمئة. وظهرت تقديرات بإمكان إنتاج نحو 2.3 مليون طن إذا بقيت الظروف المناخية مناسبة حتى الحصاد.
هذه أرقام تمنح بعض الأمل، لكنها لا تكفي وحدها لبناء الطمأنينة. فالموسم السابق كان شديد القسوة. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة قدّرت إنتاج الحبوب في سوريا عام 2025 بنحو 1.2 مليون طن فقط، أي أقل بأكثر من 60 بالمئة من المتوسط، نتيجة الجفاف الشديد وانخفاض الأمطار بأكثر من 50 بالمئة عن معدلها الطويل خلال الموسم. معنى ذلك أن 2026 لا يبدأ من أرض مستقرة، بل من محاولة لتعويض خسارة كبيرة في الإنتاج والثقة والدخل.
القمح في سوريا ليس سلعة عادية. قبل الحرب، كان حاضراً في معنى الاكتفاء، وفي علاقة الدولة بالفلاح، وفي فكرة الخبز المدعوم. بعد الحرب تغيّرت الخريطة. تضررت شبكات الري، ارتفعت كلفة الوقود، تداخلت مناطق السيطرة والإدارة، وتراجعت قدرة المؤسسات على ضبط الإنتاج والتسويق والتخزين. لذلك تبدو أي زيادة في المساحات المزروعة خطوة مهمة، لكنها تبقى معلقة على سؤال التسويق: هل يسلّم المزارع محصوله للدولة إذا لم يرَ في السعر عدالة كافية؟
هنا لا يتعلق الأمر بالموسم الحالي فقط. حين يحتج المزارع اليوم، فهو يرسل إشارة عن الموسم المقبل أيضاً. وإذا شعر أن القمح لا يحميه من الخسارة، فقد يخفف المساحة، أو يبدل المحصول، أو يترك الأرض لمنطق السوق القصير. عندها تصبح المشكلة أوسع من طن يُسلّم أو لا يُسلّم. تصبح مشكلة في قدرة الدولة على إبقاء محصول استراتيجي داخل الحساب الاقتصادي للفلاح.
الأمن الغذائي يبدأ قبل الصومعة
تقدم الحكومة المكافأة بوصفها حافزاً لتوريد القمح إلى المؤسسة السورية للحبوب. وهذا مفهوم. فالدولة تحتاج إلى شراء منظم، وإلى مخزون يمكن الاعتماد عليه، وإلى تقليل فاتورة الاستيراد قدر الإمكان. كما أعلنت المؤسسة استعدادها لموسم الاستلام، وتحدثت تقارير عن منصة رقمية لتنظيم حجز وتوريد الأقماح، بما قد يخفف الازدحام في المراكز ويحد من الفوضى المعتادة عند بدء التسليم.
لكن الأمن الغذائي لا يبدأ عند بوابة الصومعة. يبدأ قبل ذلك بكثير. يبدأ من البذار الجيد، ومن توفر المازوت في موعده، ومن السماد، ومن القروض الزراعية، ومن قنوات الري، ومن سرعة دفع المستحقات. فإذا تأخر الدفع تآكلت قيمة السعر. وإذا كانت مراكز الاستلام بعيدة ارتفعت كلفة النقل. وإذا بقيت معايير الفرز غير واضحة، دخل الفلاح في نزاع جديد عند الميزان لا في الحقل.
الدولة، في المقابل، ليست خارج الضغط. رفع سعر الشراء كثيراً يعني زيادة كلفة تأمين القمح وربما زيادة العبء على دعم الخبز. إبقاء السعر دون توقعات المزارعين يعني احتمال ضعف التسليم الرسمي، أو تراجع الحماس للزراعة في الموسم التالي. المسألة إذن ليست اختياراً سهلاً بين فلاح وخزينة. إنها معادلة تحتاج إلى سعر واضح، وكلفة مدخلات أخف، ودفع سريع، وإدارة استلام لا تجعل المزارع يشعر أنه يعاقب لأنه سلّم محصوله للدولة.
المكافأة الحكومية خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. يمكنها أن تمتص جزءاً من الغضب، وأن تحسن سعر التوريد، لكنها لا تبني سياسة قمح مستقرة. الأمن الغذائي يحتاج إلى علاقة أكثر صراحة مع المزارعين: ما الذي تكلفه الزراعة فعلاً، وما الذي تستطيع الدولة دفعه، وما الدعم الذي يجب أن يسبق الحصاد لا أن يأتي بعد الاحتجاج.
الخلاصة أن القمح السوري يقف هذا العام عند مفترق دقيق. موسم أفضل قد يفتح فرصة لتقليل الفجوة بين الحاجة والإنتاج، لكن ضياع ثقة الفلاح قد يبدد هذه الفرصة سريعاً. فالصوامع لا تمتلئ بالقرارات وحدها. تمتلئ عندما يقتنع من يزرع القمح أن بقاءه في الحقل ليس خسارة مؤجلة.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: تسعيرة القمح اللا مرئية