روايات

المرسوم الرئاسي 95.. طلاب الجامعات المنقطعين في سوريا بين الامتنان والاستغراب!

المرسوم الرئاسي 95.. طلاب الجامعات المنقطعين في سوريا بين الامتنان والاستغراب!

بقلم: ريم ريّا

كانت سنوات الانقطاع القسري عن الدراسة لدى آلاف الطلاب الجامعيين في سوريا، أثقل بكثير من مجرد توقف عن حضور المحاضرات. فكثير من هؤلاء الشباب لم يتخيلوا يوماً بأنهم سيُبعدون عن الحياة الجامعية والأكاديمية، لكن الأحداث التي عصفت ببلادهم أجبرتهم على مغادرة مقاعد الدراسة: اعتقالات، ملاحقات أمنية، فصل من الجامعة، تهجير قسري، أو السفر للخارج بلا قدرة على إيقاف القيد الجامعي. طوال هذه السنوات ظل حلم العودة إلى الجامعة بعيداً عن متناول اليد، يراوح بين الواقع المرير وأمل ضعيف بالكاد يلوح في الأفق. حتى جاء المرسوم الرئاسي رقم 95 لعام 2025 وأعطاهم بارقةً من الأمل، لكنها سرعان ما اصطدمت بالتطبيق المتعثر والمتأخر. في هذا المقال سنعرض المرسوم، ونناقش شكاوى الطلاب ونبحث عن الحلول.

المرسوم الرئاسي الخاص بطلاب الجامعات.. نص واضح وتطبيق متباين

في عام 2025، أصدر الرئيس “أحمد الشرع“، المرسوم رقم 95، الذي فتح الباب أمام طلاب المرحلة الجامعية الأولى، وطلاب الدراسات العليا الذين انقطعوا عن الدراسة منذ العام الدراسي 2010 – 2011 بسبب الثورة. لكي يتقدموا بطلبات إعادة قيدهم في الجامعات العامة والخاصة، استئناف الدراسة من حيث توقفوا.

يتضمن المرسوم شروطاً واضحة، منه تعبئة نموذج من وزارة التعليم العالي، دفع رسوم التسجيل بحسب سنة الانقطاع، وتعهد بعدم حصول الطالب على شهادة جامعية أخرى خلال فترة الانقطاع، إذا انقطع لأسباب مرتبطة بالثورة أو بالمواقف السياسية أو بفعل الملاحقات الأمنية.

النص القانوني للمرسوم كان واضحاً في حق عودة الطلاب، لكن تطبيق هذا الحق على أرض الواقع داخل الجامعات ظهر مختلفاً ومتبايناً. بعض اللجان الإدارية في كليات متعددة واجهت الطلبات بتفسيرات متفاوتة، وصفت بأنها حدّت من حق الطلاب بدل منحه.

اقرأ أيضاً: الجامعات الخاصة في سوريا… هل من جديد بعد تحديثات وزارة التعليم العالي؟

شهادات طلاب الجامعات في سوريا بين الامتنان والاستغراب

تشير تقديرات غير حكومية ومصادر إعلامية إلى وجود ما بين 5 آلاف و15 ألف طالب جامعي منقطع عن الدراسة منذ عام 2011، لأسباب تتعلق بالثورة والملاحقات الأمنية، يعيش بعضهم داخل سوريا وفي مناطق “المحرر” سابقاً، ويعيش كثيرون منهم خارج البلاد، إما في دول الجوار أو في أوروبا.

لكن بالمقابل، تشير بعض المؤسسات الأكاديمية، إلى وجود نحو 20 ألف طالب من جامعة دمشق وحدها، قد تأثروا بهذا المسار في برامج الدمج الأكاديمي، لكن نسبة العائدين الفعلية تبقى أقل بكثير من هذا العدد، وتختلف من كلية إلى أخرى، حسب طبيعة تطبيق المرسوم.

من بين الطلاب الذين تحدثوا عن تجربتهم، يقوم “محمد“، أنه تقدم إلى مكتب الشؤون في كلية الحقوق بجامعة دمشق بناءً على المرسوم، لكنه عند عودته لاستكمال الإجراءات أخبروه أنه يمكنه الدراسة لسنة واحدة فقط، بدعوى أن القرار استثنائي ومؤقت، وأن عليه انتظار مرسوم آخر بعد ذلك. محمد عبر عن استغرابه من هذا التطبيق الذي لم يأخذ بعين الاعتبار ظروف الثورة التي أوقفت دراسته، وهو الذي انقطع عنه لأسباب قسرية بين الحصار والاعتقال.

من زاوية أخرى، يتحدث “فؤاد“، عن وجود لجنة في كلية العلوم، رفضت عدداً كبيراً من طلبات الماجستير والدكتوراه بحجة “استنفد السنوات”، رغم أن معظم هؤلاء الطلاب تركوا الدراسة لأسباب خارجة عن إرادتهم، من بينها الخوف من التجنيد الإجباري في السنوات الماضية.

في شهادة أخرى، تقول “ليندا“، إنها عادت من السفر وهي تطمح لاستكمال سنتها الأخيرة، ليخبرها الموظف أن سنواتها استنفدت، وأن القرار يسمح لها فقط “بسنة واحدة”!، وإذا رسبت في مادة عليها انتظار مرسوم جديد. كما أشارت ليندا إلى أن المعاملة داخل المكتب لم تختلف كثيراً عن العهد السابق، وأن الأمل الذي أعطاها إياه المرسوم بدأ يتلاشى أمام مواقف إدارية مناهضة للنص.

أبرز الشكاوى التي أجمع عليها طلاب الجامعات وأسباب بطء التطبيق

من الصعوبات الملموسة والمجمع عليها من قبل طلاب الجامعات المنقطعين في سوريا، والتي واجهها أغلبهم عند تقدمهم لاستكمال أوراق العودة إلى جامعاتهم، تمثلت أولها في التباين الواضح في تفسير نص المرسوم بين الموظفين والإدارات، حتى داخل الجامعة الواحدة.

هذا الاختلاف انعكس على قرارات القبول والرفض، حيث رُفضت طلبات بعض الطلاب بحجة “استنفاد السنوات”، رغم أن انقطاعهم كان قسرياً وخارجاً عن إرادتهم ومرتبطاً بظروف أمنية وسياسية معروفة للجميع. وأشار الطلاب كذلك إلى غياب معايير موحدة وواضحة لدراسة الطلبات، ما يجعل مصيرها خاضعاً لاجتهادات شخصية من لجان لا تمتلك في أغلب الأحيان فهماً كافياً لخصوصية ظروف الثورة وما رافقها من اعتقال وملاحقة وتهجير. كذلك، اشتكى بعض الطلاب من تأخر الجهات الرسمية في تقديم توضيحات أو ردود حول آليات التطبيق، وسبل الاعتراض والمساءلة في حال مخالفة نص المرسوم.

مجمل هذه الشكاوى عكس فجوة بين الحق القانوني المعلن في القرار الرئاسي والواقع العملي لتطبيقه داخل المؤسسات التعليمية، وهو ما دفع الطلاب للمطالبة بتطبيق المرسوم بروحه لا بنصه فقط، وبمقاربة أكثر إنصافً تراعي الظروف الاستثنائية التي مروا بها.

نحو حلول واقعية لطلاب الجامعات المنقطعين في سوريا

من الواضح، وبالرغم من أن صدور المرسوم شكل خطوة مهمة في اتجاه إنصاف الطلاب الذين انقطعوا قسراً عن دراستهم، إلا أن نجاحه يبقى مرتبطاً بآليات تطبيقه داخل الجامعات. ويبدو أن تجاوز الإشكالات القائمة يتطلب بعض الخطوات، منها:

  • توحيد الإجراءات بين كل الكليات والجامعات، ويفضل أن تصدر بقرار موحد.
  • وضع معايير وضحة وملزمة لدراسة الطلبات بما ينسجم مع روح المرسوم ونصه.
  • تشكيل لجان قادرة على فهم خصوصية ظروف الانقطاع المرتبطة بالثورة، ومراقبة عملها بعيداً عن الاجتهادات الفردية والتفسيرات الجامدة.
  • إتاحة مسارات واضحة للاعتراض والمساءلة، فضلاً عن تقديم تفسيرات رسمية وشفافة للطلاب.
  • توفير دعم أكاديمي ونفسي للطلاب العائدين، لمساعدتهم على التكيف مع الدراسة بعد ما يقارب العقد عن الانقطاع.
رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.