اقتصاد

بين عاطفة الانتماء وتردد المنطق .. كيف يرى المستثمر السوري المغترب بلاده اليوم؟

بين عاطفة الانتماء وتردد المنطق .. كيف يرى المستثمر السوري المغترب بلاده اليوم؟

بقلم: ديانا الصالح

ما بين عاطفة الانتماء وقرار العودة إلى سوريا، تبرز مسألة أكثر أهمية وهي الحاجة إلى خطط مدروسة تتجاوز مسألة الحنين، فالقضية هنا تتعدى كونها مشروعاً عادياً يُستثمر كغيره، فهي متعلقة ببلد يحاول النهوض من جديد بعد سنوات طويلة من النزاع، وهنا تكمن الميزة الفاصلة بين المستثمر الأجنبي والسوري، وهي الارتباط الاجتماعي، فمسؤولية الأخير تجاه المجتمع تجعل من استمرارية العمل التزاماً أخلاقياً قبل أن يكون إحدى أهداف الربح الذاتي.

وعلى الرغم من ثقل هذه المسؤولية، تطلّ عدة دوافع استراتيجية أخرى تحثّ المستثمر السوري على العودة ولكن بحذر، وفي هذا السياق تثور عدة تساؤلات هامة: كيف يرى رائد الأعمال المغترب الفرص الاستثمارية في سوريا وكيفية انتهازها؟ وما هي التحديات المُحتملة؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

طبيعة عودة المستثمر السوري

يتميز المستثمر السوري عن الأجنبي بقاعدته الاجتماعية وارتباطه بجذور الوطن، وهذا ما يفسر تحمل فئة من هؤلاء المستثمرين مسؤوليات اجتماعية واقتصادية أعمق، إلى جانب أهدافهم في تحقيق الربح واستدامة مشاريعهم، وما إن تراودهم أفكار العودة والمساهمة بإعمار بلادهم وانتهاز الفرص الاستثمارية، يضعون نصب أعينهم أبناء مجتمعهم وسمعتهم الاستثمارية، لذلك يسعون نحو وضع استراتيجيات لضمان استمرارية العمل والحفاظ على رواتب العاملين، كجزء من رد الدين للبلد الأم.

أي أن الارتباط العاطفي المدفوع بالمسؤولية الاجتماعية والالتزام الأخلاقي، يكون محركاً أساسياً لاتخاذ قرار العودة إلى الوطن بعد انتهاء النزاع لدى عدد من رواد الأعمال المغتربين، وهذا ما تتحدث عنه دراسة بحثية منشورة بعنوان “العودة المقررة وإعادة الاندماج في مجتمع ما بعد النزاع” “لآيدا إبريتشيفيتش”، حيث تؤكد أن مسألة عودة المستثمرين إلى وطنهم بعد النزاع تكون نتيجة لمزيج متكامل من الدوافع الاقتصادية والعاطفية والاجتماعية، مع شعور قوي بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع المحلي.

وتلك هي الغاية الأولى والمرجوة من المستثمرين المغتربين لدفع عجلة إعادة الإعمار في سوريا، والاستثمار في مشاريع من شأنها توفير فرص عمل لأبناء البلد، وتوطين الخبرات المعرفية والتكنولوجية التي اكتسبها رواد الأعمال من الخارج، عبر إقامة دورات تدريب وتأهيل للقوى العاملة المحلية، وصولاً إلى المساهمة الحقيقية في التنمية المجتمعية النابعة من الارتباط والمسؤولية الاجتماعية تجاه الوطن.

دراسةٌ منطقيةٌ مسبقة

ما بين المسؤولية الاجتماعية والأهمية الاقتصادية تبرز مسألة حساسة يلتزم بها غالبية المستثمرين الذين يفكرون بالعودة إلى وطنهم، فمنطقية القرار هي أساس كل عمل ناجح، وهي دراسة مدى توافق مشروعهم الاستثماري في الخارج مع مقومات الداخل، على سبيل المثال في حال كانت شركته الخارجية خاصة بالدراجات والسيارات الكهربائية فهي لن تتماشى مع الواقع السوري وسط الأزمات المتتالية التي تعانيها البلاد وعلى رأسها الكهرباء، فالمستثمر يعود ليطبّق لا ليجرب.

كما تُعد البيئة الآمنة للاستثمار أولوية لدى غالبية المستثمرين، فالأمان المدفوع بالاستقرار السياسي والاقتصادي أهم من الربح السريع، كونه نقطة الانطلاق الأساسية لضمان استدامة التشغيل وحماية المشروع وحقوق عماله على حدٍّ سواء، بالتالي عدم اليقين بتوفر الأمان سينعكس على قرار العودة مهما كانت المغريات النظرية.

علاوة على ذلك، دراسة المنافسين والفرص المتاحة لها أهمية كبرى ودور بارز في المضي قدماً نحو الاستثمار في البلاد، إلى جانب التأكد من القدرة على بناء شراكات فعالة ضامنة لاستمرار المشروع دون توقف وهذا يستند على علاقاته الاجتماعية التي تتيح له التعرف على وجوه بارزة ذات نفوذ في السوق، فشبكة العلاقات لها تأثير كبير على اختيار الشراكات الصحيحة.

إضافة إلى ما سبق، يُعتبر نقص اليد العاملة الماهرة تحدياً يفرض نفسه على الساحة السورية، فهجرة الكفاءات والقوى العاملة الناجمة عن سنوات الصراع الطويلة عقبة كبيرة أمام إعادة الإعمار والاستثمار، لا سيما ضمن القطاعات الخدمية والصناعية التي تحتاج إلى مهارات وخبرات متقدمة، وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام المستثمر السوري العائد من خلال اعتماده نهج الصبر لتحقيق الاستدامة فذلك النقص يتطلب منه إعداد برامج تدريب وتأهيل للعاملين المحليين، ضماناً لاستدامة مشاريعه وتحقيق الأثر الاجتماعي الإيجابي الملموس.

كيفية تحقيق الأثر المستدام

هناك عدة أوجه لتحقيق غاية الاستثمار في البلاد، منها العمل على مشاريع تلبي احتياجات المجتمع المحلي، على سبيل المثال الاستثمار في مصنع تحويل للحمضيات في اللاذقية، على اعتبار أن تلك المنطقة تعاني من العجز عن تحويل تلك المنتجات إلى مواد متنوعة ترفع من قيمتها السعرية، مما يضطرهم إلى بيع الفاكهة بشكلها الخام بالتالي ربح قليل وغير مستدام، وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية عوائد موسم الحمضيات في تلك المنطقة على الإنتاج المحلي الإجمالي والتي تشكل نسبة 77%.

وهذا يعني أن أي مشروع قادر على محاكاة آمال واحتياجات المجتمع السوري، سيكون دفعاً حقيقياً لعجلة إعادة الإعمار، لما يوفره أيضاً من فرص عمل للسكان المحليين وتحسينٍ لسبل العيش بشكل عام، مع انتشال الأمن الغذائي من الوقوع في هاوية الانعدام.

كما ذكرنا سابقاً، فإن نقل الخبرات والمعرفة إلى الداخل إلى جانب الاهتمام بالاستدامة المجتمعية قبل الربح، وتدريب القوى العاملة، تُعتبر من أهم الركائز التي يقوم عليها نجاح الاستثمارات في سوريا.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاستثمار في البلاد بعد سنوات النزاع عبارة عن مغامرة تتطلب العقلانية، وذلك من خلال البدء بمشروع صغير وبتكاليف مناسبة كنقطة انطلاق لمشاريع أكبر، وذلك لضمان الأرضية وأمان الخطوات المدروسة.

وفي هذا السياق يؤكد الباحث الاقتصادي حسن غرة أهمية البدء باستثمارات ذات مخاطر محدودة، أبرزها الاستثمار الزراعي، مشيراً إلى ضرورة العمل على تفعيل برامج استثمارية تستهدف استصلاح الأراضي الزراعية في البلاد.

غالباً ما يعتمد المستثمر السوري المغترب على جهده الشخصي في البحث والتأكد عن مدى صحة التقارير والدراسات حول السوق السورية والوضع العام، فقرار العودة لا يمكن أن يكون وليد اللحظة، كما يضع في عين الاعتبار أهمية وضع استراتيجية مناسبة لتخطي التعقيدات الإدارية وضمان تجنب الفساد الذي يعطل حركة الاستثمار، وذلك من خلال اليقين بالقوانين الواضحة وعدم تذبذبها كما كانت في السابق.

وفي هذا الصدد، يوضح الباحث الاقتصادي رائد المصري أن السوريين لديهم نطاق استثمارات واسع داخل الدول الخليجية، بالتالي عودتهم يمكن أن تشكل الشرارة الأولى للنهوض اقتصادياً خلال سنة واحدة فقط، مشدداً على ضرورة الثبات السياسي والمؤسسات الدستورية الحقيقية لتعزيز الاستقرار الأمني لما له من تأثير بالغ في تحقيق أفضل النتائج الاستثمارية.

كما يشيد المصري بقدرات السوريين التشغيلية القوية، التي تؤهلهم بجدارة لإدارة الشؤون الاقتصادية والعمل على إعادة هيكلة الاقتصاد في وطنهم بشكل حقيقي وفعال، إلا أن ذلك يحتاج إلى وضوح التشريعات الاقتصادية والقوانين، بما يضمن حقوق المستثمرين ومشاريعهم، وفق رأيه.

غير ذلك، تعتبر المزايا المقدمة للمستثمرين نقطة جاذبة غاية في الأهمية، والتي تتجسد بتقديم التسهيلات الحوافز كالإعفاءات والتخفيض الضريبي، إضافة إلى تجنب تعقيدات التراخيص والتسجيل، وغيرها من السياسات التي تجذب المستثمرين وتعزز من فرص تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.

يبقى الارتباط بجذور الوطن والمسؤولية الاجتماعية كردّ الجميل للوطن، محفوظة في قلوب العديد من الراغبين بالعودة بعد انتهاء الحرب، ولكن منطقية القرار يحدده الواقع السياسي والاقتصادي للبلاد، فالمغامرة الاستثمارية يمكن أن تُبنى على أنقاض الدمار وتهالك البنى التحتية، ولكنها لم ولن تُبنى على أنقاض التشريعات والقوانين المتذبذبة (ما هو مسموح اليوم يكون ممنوعاً غداً)، وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للإدارة السورية الجديدة.

اقرأ أيضاً: مضاعفة إنتاج الغاز في 2026: الأرقام طموحة لكن ماذا عن الحقول والاستثمارات؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.