بقلم: ريم ريّا
بعد التحرير شهد قطاع الخدمات العامة تحولات عديدة في ملفات حساسة، أبرزها ملف التأمين الصحي، أحد أكثر الملفات تأثيراً على الاستقرار الوظيفي. تم توقيع عقد التأمين الصحي الجديد للعاملين في الشركة السورية للاتصالات مطلع الأسبوع الجاري، ما أدخل الملف في مرحلة جديدة تحمل في طياتها مؤشرات على تغيير في سياسة إدارة الرعاية الصحية للموظفين الحكوميين.
هذا التطور اللافت يتجاوز كونه تطور خدمي فحسب، بل هو جزء من توجه أوسع يسعى لإعادة تنظيم العلاقة بين العامل والدولة، وتحسين بيئة العمل في القطاعات والحيوية في البلاد، وفي مقدمتها قطاع الاتصالات. سنعرض التفاصيل في المقال.
تفاصيل التأمين الصحي الجديد ومجالات التغطية
ينص عقد التأمين الصحي الجديد، على شمول نحو 11.500 موظف من العاملين في الشركة السورية للاتصالات ضمن مظلة تأمينية موسعة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الرعاية الصحية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة لهم. العقد الجديد، يعتمد على نظام التغطية المزدوجة، سواء داخل المشافي أوخارجها، مع بعض الفروقات الواضحة في سقوف الإنفاق وطبيعة الخدمات.
بخصوص العلاج داخل المشافي، يوفر العقد الجديد تغطية تصل إلى 11 مليون ليرة سورية لكل موظف، بلا أي نسبة تحمل، ما يعني إعفاء العامل بشكل كلي من أي مساهمة مالية ضمن هذا النطق. أما خارج المشافي، فقد تم تحديد سقف التغطية بمليون ونصف ليرة سورية، ويشمل ذلك زيارات الأطباء والفحوص المخبرية، وخدمات التصوير الطبي، فضلاً عن الأدوية وتغطية التحاليل المهنية مثل “معايرة الرصاص”، بفعل طبيعة عمل موظفي الاتصالات.
كما يحوي العقد على بنود خاصة ترتبط بطبيعة عمل الموظفين، ما يعكس محاولة ربط التأمين بالمخاطر المحدقة والفعلية المتعلقة ببيئة العمل.
اقرأ أيضاً: هل تنقذ الإصلاحات الحكومية التأمين الصحي؟
التأمين الصحي الجديد بين الإصلاح والرهان على التنفيذ
في الحقيقة، توقيع هذا العقد ينم عن توجه حكومي واسع النطاق لإصلاح منظومة التأمين الصحي في القطاع العام، إذ تشير التصريحات الرسمية إلى وجود توجه واضح لتوسيع نطاق التغطية وتحسين جودة الخدمات المقدمة، ليس فقط للعامليين الحاليين، بل للمتقاعدين كذلك.
هذه الخطوة تختلف عن نمط التأمين التقليدي المحدود، وتعكس تحولاً إلى نموذج أكثر شمولاً يقوم على التنافسية في التعاقد، وفرض معايير أداء على الجهات المقدمة للخدمة، إلى جانب وجود لجان إشراف ومتابعة من أجل ضمان الالتزام ببنود العقد ومعالجة شكاوى المستفيدين.
كذلك، هذه الخطوة تمثل أهمية، كونها تحمل في طياتها خطط أوسع لإصلاح القطاع بشكل جذري، من خلال دراسة إدخال المتقاعدين ضمن منظومة التأمين، وتوسيع المظلة الصحية لتشمل شرائح أكبر من العاملين في الدولة، ما يعني أن العقد الحالي قد يكون مجرد مرحلة أولى أو خطوة البداية في مسار إصلاحي أطول وأكثر شمولاً.
أرقام تكشف حجم التحول بين التأمين الجديد والسابق
بعد العودة إلى واقع التأمين الصحي لموظفي الشركة السورية للاتصالات في السنوات السابقة، كشفت لنا المعطيات مرور الملف بتحولات وتعثرات ومراحل طويلة من عدم الاستقرار، إن كان على مستوى الكلفة أو وجود التغطية.
في عام 2018، شهد عقد التأمين الصحي تحولاً لافتاً بعد خروج المؤسسة العامة السورية للتأمين باتجاه شركة خاصة، بسبب وجود خلافات مالية حادة، أبرزها رفع قيمة الأقساط بنسبة تجاوزت 100% مقارنةً بالعقود السابقة، تزامن ذلك مع إعلان المؤسسة عن خسائر تجاوزت 300 مليون ليرة في هذا العقد.
مع العلم أن حجم الاعتمادات المرصودة للعقد آنذاك، كانت مقدرة بنحو 600 مليون ليرة بالمقارنة ب 840 مليون ليرة في عقود سابقة، هذا بحد ذاته يعكس حجم عدم التوازن بين التغطية والكلفة، ويفتح الباب أمام استفسارات حول كفاءة إدارة الملف آنذاك.
كما تشير بيانات عام 2023، إلى أن نسبة المؤمن عليهم صحياً في سوريا لم تتجاوز 5% من إجمالي السكان، مع نحو 927 ألف مستفيد فقط، وهو رقم يعكس محدودية انتشار التأمين الصحي وضعف شموليته، رغم أن نسبة الاستفادة ضمن هذه الشريحة بلغت 64%. هذه الأرقام تضع التأمين الصحي في إطار خدمة محدودة التأثير، أكثر منها نظام حماية اجتماعية متكامل.
في المقابل، أتت المقاربة في العقد الجديد عام 2026، من حيث القيم المالية والبنية، إذ بلغت تغطيته 11 مليون ليرة داخل المشافي ومليون ونصف خارجها، بلا أي نسبة تحمل ضمن الخدمات الاستشفائية، بالمقارنة مع نماذج سابقة كانت تعتمد على سقوف أقل وتحمل تكاليف جزئي يتم رميها على الموظف. كما يتضمن العقد تغطيات نوعية لم تكن دائماً مضمونة سابقاً، مثل علاج السرطان، والعمليات الجراحية الباردة، والنظارات الطبية، وإصابات العمل.
بالمقارنة بين ما كان سابقاً واليوم، لوحظ أن الفارق لا يقتصر على الأرقام وحسب، بل يصل إلى طبيعة العلاقة التعاقدية بحد ذاتها، إذ أن العقد الجديد تضمن التأكيد على اعتماد معايير تنافسية، وإدارة للعلاقة بين الشركة والمؤسسة تقوم على أسس تجارية واضحة، مع وجود لجان للإشراف ومعالجة الشكاوى والتنفيذ، ما يشير إلى محاولة لتجاوز مشكلات سابقة مرتبطة بالهدر وضعف الرقابة وسوء الاستخدام.
بالمقارنة، لا مجال للتشابه الكبير، بل بدت الفروقات أوضح بين نظامي التأمين القديم والجديد. لذلك يمكن القول إن الانتقال من نموذج عام 2018 القائم على تبدلات تعاقدية ومراحل متخبطة غير مستقرة وأزمات مالية، إلى نموذج 2026 الحالي القائم على شمولية التغطية تقريباً ورفع سقفها مع توسيع نطاق الخدمات، يعكس تحولاً ملحوظاً ولافتاً في إدارة التأمين الصحي. لكن هذا التحول يبقى مشروطاً بانتقاله من الورق والتوقيع إلى التنفيذ والنتائج، خاصةً بعد التاريخ الطويل من الاختلالات في هذا القطاع.