بقلم هلا يوسف
لم تعد مشكلة القمح اليوم خاصة بالأمن الغذائي فقط، بل بسعر شراء المحصول من الفلاحين مقارنة بتكاليف إنتاجه المرتفعة. فقد أصبح الفلاح يدفع مبالغ كبيرة على البذار والأسمدة والمحروقات والنقل، بينما يباع القمح بسعر لا يغطي هذه التكاليف بشكل كافٍ. هذا الوضع أدى إلى حالة من الغضب بين المزارعين في عدة مناطق، وفتح ملف عدالة التسعيرة الحالية وقدرتها على دعم استمرار زراعة هذا المحصول المهم. ومع ارتباط القمح مباشرة بالأمن الغذائي في البلاد، فإن أي خلل في إنتاجه أو تسويقه لا ينعكس فقط على الفلاحين، بل يمتد ليؤثر على حياة الناس جميعاً واستقرار السوق المحلي.
وخلال الموسم الحالي، أثار قرار الحكومة السورية تحديد سعر شراء القمح من المزارعين بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن موجة واسعة من الغضب بين الفلاحين، الذين اعتبروا أن السعر لا يتناسب مع التكاليف الحقيقية للزراعة بعد الارتفاع الكبير في أسعار البذار والأسمدة والمحروقات والنقل وأجور العمال. وقد خرجت احتجاجات في عدة محافظات سورية رفضًا للتسعيرة الجديدة، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه السياسة قد يدفع كثيرًا من المزارعين إلى تقليص زراعة القمح أو تركها بشكل كامل في المواسم القادمة.
ارتفاع تكاليف الزراعة واعتراضات المزارعين
جاء قرار التسعير بالتزامن مع إعلان المؤسسة السورية للحبوب إطلاق منصة رقمية جديدة لتنظيم عمليات استلام القمح وتخفيف الازدحام في مراكز التسويق، إلا أن المزارعين رأوا أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بطريقة التسليم، بل بالسعر الذي يحصل عليه الفلاح مقابل محصوله.
وبحسب السعر الرسمي وسعر الصرف الذي يقارب 13,800 ليرة سورية للدولار الواحد، فإن سعر طن القمح يعادل نحو 333 دولار فقط، بينما يؤكد المزارعون أن أغلب مستلزمات الإنتاج الزراعي أصبحت مرتبطة بالدولار، سواء من حيث البذار أو السماد أو المحروقات أو أجور النقل والحصاد.
وقد شهدت مدن الرقة والحسكة ودير الزور احتجاجات واسعة نظمها المزارعون رفضاً للتسعيرة الجديدة، حيث قام بعض المحتجين بقطع الطرقات والتجمع أمام المؤسسات الحكومية للمطالبة برفع السعر. كما ظهرت دعوات لوقفات احتجاجية في مناطق أخرى مثل سهل الغاب والسقيلبية، في مؤشر على اتساع حالة الغضب داخل الأوساط الزراعية.
ويرى المزارعون بشكل عام أن السعر الحالي لا يغطي حتى الحد الأدنى من تكاليف الإنتاج، إذ تشير تقديراتهم إلى أن السعر العادل للطن يجب أن يتراوح بين 450 و500 دولار حتى يتمكن الفلاح من تغطية نفقاته وتحقيق ربح بسيط يساعده على الاستمرار في الزراعة.
وتوضح الأرقام حجم الأزمة بشكل أكبر، إذ يقدر بعض المزارعين أن تكلفة زراعة الدونم الواحد تصل إلى نحو 900 ألف ليرة سورية، تشمل إيجار الأرض والحراثة والبذار والسماد والحصاد. وبما أن إنتاج طن واحد يحتاج إلى نحو خمسة دونمات، فإن تكلفة إنتاج الطن الواحد تصل إلى حوالي 4.5 ملايين ليرة سورية، بينما تستلم الحكومة الطن بسعر يقارب 4.6 ملايين ليرة فقط، أي بهامش ربح لا يتجاوز 100 ألف ليرة، وهو مبلغ يعتبره الفلاحون غير كافٍ مقارنة بحجم التعب والديون والمخاطر التي يتحملونها طوال الموسم الزراعي.
كما يشتكي المزارعون من ارتفاع تكاليف التعبئة والنقل. فتكلفة الشوال الواحد تصل إلى نحو دولارين، ما يعني خسارة تقارب 20 دولار عن كل طن من القمح المشول، قبل احتساب تكاليف النقل والتحميل وأجور العمال والحصاد.
وتزداد المشكلة بالنسبة للأراضي المروية، لأن تشغيل مضخات المياه يحتاج إلى كميات كبيرة من المازوت، الذي ارتفعت أسعاره بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة. لذلك يعتبر كثير من المزارعين أن الزراعة المروية أصبحت مغامرة مكلفة، خاصة مع غياب الدعم الحكومي المباشر للمحروقات والأسمدة.
ومن أكثر النقاط التي أثارت غضب الفلاحين أن وزارة الاقتصاد حددت سعر بيع بذار القمح للموسم الزراعي 2025-2026 عند نحو 500 دولار للطن الواحد، في حين حددت سعر شراء القمح المنتج بأقل من ذلك بكثير. ويرى المزارعون أن هذا الأمر غير منطقي اقتصاديًا، لأن الفلاح يدفع ثمن البذار بسعر أعلى من السعر الذي سيبيع به المحصول النهائي.
كما أشار كثير من المزارعين إلى أنهم اضطروا هذا الموسم إلى الاستدانة من أجل شراء البذار والأسمدة والمحروقات، ما يعني أن الأرباح القليلة التي سيحصلون عليها لن تكفي حتى لتسديد الديون أو التحضير للموسم القادم.
آراء الخبراء وتحذيرات من تراجع الإنتاج المحلي
يرى الخبير الاقتصادي سامر الحسين أن تسعير القمح بالليرة السورية في ظل عدم استقرار سعر الصرف يشكل ظلماً للفلاح، لأن معظم مستلزمات الإنتاج مرتبطة بالدولار، بينما يباع المحصول بالعملة المحلية. ويوضح أن الفلاح يدفع تكاليف مرتفعة تتغير مع ارتفاع سعر الدولار، لكنه يبيع محصوله بسعر ثابت، ما يؤدي إلى تراجع القيمة الحقيقية لدخله.
وأشار الحسين إلى أن محافظة الحسكة وحدها قد تنتج أكثر من مليون طن من القمح خلال الموسم الحالي، مما يعني ضخ كميات كبيرة من الليرة السورية في السوق، الأمر الذي قد يسبب ضغوطاً إضافية على سعر الصرف ويؤثر في الاقتصاد المحلي.
أما الخبير الاقتصادي ملهم جزماتي فيرى أن المشكلة لا تتعلق بالرقم المعلن فقط، بل بمدى قدرته على تغطية تكاليف الإنتاج الحقيقية. ويؤكد أن الفلاح السوري اليوم يعمل في ظروف صعبة جداً بسبب ارتفاع أسعار الوقود والسماد والبذار، بالإضافة إلى مخاطر الجفاف وتغير المناخ.
ويحذر جزماتي من أن استمرار هذه السياسة سيدفع كثيراً من الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة بالقمح أو التحول إلى محاصيل أخرى أكثر ربحاً وأقل تكلفة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الهجرة من الريف إلى المدن.
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي مجدي جاموس أن القمح لا يجب أن يعامل كسلعة تجارية عادية، بل كمحصول استراتيجي مرتبط بالأمن الغذائي والسيادة الوطنية. ويوضح أن كثيراً من دول العالم تشتري القمح من مزارعيها بأسعار أعلى من الأسعار العالمية بهدف حماية القطاع الزراعي والحفاظ على استمرار الإنتاج المحلي.
كما أشار جاموس إلى أن اعتماد الحكومة المتزايد على استيراد القمح من الخارج، وخاصة من أوكرانيا وتركيا، قد يؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف الزراعة المحلية، خاصة مع غياب الدعم الكافي للفلاحين.
بدوره، أوضح الدكتور عبد الرحمن محمد أن المشكلة الأساسية تكمن في الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق السوداء، لأن الفلاح يشتري مستلزمات الزراعة بأسعار مرتفعة مرتبطة بالدولار، بينما يجبر على بيع محصوله وفق تسعيرة تعتمد على سعر صرف أقل من القيمة الحقيقية.
ويرى عبد الرحمن محمد أن هذه السياسة تفرض ما يشبه ضريبة غير مباشرة على الفلاح، لأنها تؤدي إلى تآكل أرباحه الحقيقية مع كل ارتفاع جديد في سعر الدولار.
مخاوف على الأمن الغذائي ومستقبل الزراعة
لا تتوقف آثار أزمة القمح عند خسائر المزارعين فقط، بل تمتد إلى مستقبل الأمن الغذائي في سوريا. فبحسب تقديرات المؤسسة السورية للحبوب، تحتاج البلاد سنوياً إلى نحو 2.55 مليون طن من القمح، بينما تشير التوقعات إلى أن إنتاج موسم 2026 قد يتراوح بين 2.3 و2.5 مليون طن فقط، ما يعني وجود فجوة غذائية قد تصل إلى 250 ألف طن سنوياً.
ويحذر الخبراء من أن أي تراجع إضافي في إنتاج القمح سيزيد اعتماد سوريا على الاستيراد الخارجي، وهو أمر يحمل مخاطر اقتصادية كبيرة في ظل الأزمات المالية وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
كما أن أي صعوبة في تمويل استيراد القمح قد تؤدي إلى أزمة خبز، خاصة أن الخبز ما يزال المادة الغذائية الأساسية الأكثر حساسية بالنسبة للسوريين.
ويرى الخبراء أن دعم القمح المحلي أقل تكلفة على المدى الطويل من الاعتماد على الاستيراد، لأن شراء المحصول من الفلاح المحلي يساعد في دعم الاقتصاد الريفي وتوفير فرص العمل والحفاظ على استقرار المناطق الزراعية.
باختصار، الفارق بين سعر الشراء وتكاليف الإنتاج أصبحت كبيرة، وبالتالي جعل الفلاحين غير قادرين على تحقيق أرباح تغطي جهودهم أو حتى نفقاتهم الأساسية. هذا الوضع لا يهدد دخل المزارعين فقط، بل ينعكس أيضاً على مستقبل زراعة القمح نفسها، وفي حال استمرت هذه السياسة دون تعديل أو دعم حقيقي للتكاليف الزراعية، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على الأمن الغذائي في البلاد. لذلك يبدو من الضروري إعادة النظر في التسعيرة وربطها بشكل عادل بتكاليف الإنتاج، لأن تجاهل هذه المشكلة قد يقود إلى أزمة أكبر في المستقبل يصعب تداركها.
اقرأ أيضاً: القمح حتى منتصف 2027: هل ينجح الأمن الغذائي السوري في حماية سعر الرغيف؟