بقلم هلا يوسف
أثار اجتماع محافظ دمشق مع عدد من الإعلاميين وصناع الرأي أمس الكثير من الجدل نتيجة حديثه عن عدد من المشاكل والقضايا التي لا يزال بعضها عالق منذ التحرير، وبعضها حصل بسبب الإجراءات التي اتخذتها المحافظة سابقاً كإزالة البسطات في العديد من الطرق الحيوية. ويبدو أن خروج أصحاب البسطات في احتجاج أمام مبنى المحافظة منذ أيام جعل من الاستجابة ضرورة، فبالنسبة إلى العاملين على البسطات، يجب محاولة إيجاد حلول أفضل من الاكتفاء بإزالة إشغالاتهم. حضرت “سوريا اليوم 24” هذا الاجتماع المغلق، وسننقل لكم ما قاله المحافظ عن موضوع البسطات في هذا المقال، مع الاطلاع على آراء عدد من أصحاب البسطات به، وكيفية إيجاد صيغة تنظيمية مناسبة بناءً على تجارب دول أخرى.
عرض محافظ دمشق مروان الإدلبي في اجتماع مغلق مع عدد من صناع الرأي والإعلاميين ملامح توجه جديد لمعالجة ظاهرة البسطات، بعد أن تعثرت محاولات سابقة لنقل البسطات إلى مواقع بديلة خصصت لها داخل المدينة.
وبحسب ما تم طرحه في الاجتماع، فإن المحافظة كانت قد وفرت بالفعل أماكن مهيأة في عدة مناطق داخل دمشق سابقاً، إلا أن هذه المواقع لم تلقَ قبولاً من أصحاب البسطات، مما دفع الجهات المعنية إلى التفكير بصيغة تنظيم مختلفة تقوم على فكرة “البازارات المتنقلة” بدل الإبقاء على البسطة في مكان ثابت أو نقلها إلى سوق بعيد لا يحقق الحركة التجارية المطلوبة.
تفاصيل المقترح الجديد: “بازارات متنقلة” داخل أحياء دمشق
يقوم المقترح الجديد على إعادة توزيع نشاط البسطات بشكل دوري ومنظم داخل المدينة، بحيث لا يكون للبائع مكان ثابت طوال الأسبوع، بل ينتقل وفق جدول زمني بين عدة نقاط حيوية داخل دمشق.
فمثلاً يمكن لبائع البسطة أن يعمل في سوق الحميدية ليوم واحد في الأسبوع، ثم ينتقل في اليوم التالي إلى منطقة أخرى ذات كثافة سكانية أو حركة تجارية نشطة، ضمن نظام دورات أسبوعية محددة تنظمها المحافظة. والهدف من هذا التوزيع هو منع التكدس في منطقة واحدة، وفي الوقت نفسه ضمان وصول الباعة إلى أماكن يرتادها الناس بشكل مستمر.
ويرى القائمون على هذا الطرح أن التجربة قد تحقق عدة أهداف في آن واحد، من بينها تنظيم الشارع العام، وتخفيف الفوضى البصرية، ومنح الباعة فرصة عادلة للوصول إلى الزبائن، بدل حصرهم في مواقع بعيدة عن الحركة التجارية. كما يتضمن المقترح إمكانية تحديد أوقات تشغيل مرنة، وتجهيز ساحات أو نقاط بيع مؤقتة يمكن استخدامها بشكل دوري، مع إشراف إداري مباشر لضبط العملية.
وقد جاء الاقتراح بعد الانتهاء من تجهيز عدد من المواقع البديلة داخل دمشق، والتي طلب من أصحاب البسطات الانتقال إليها، إلا أن العاملين لم يستجيبوا مما دفع المحافظة للبحث عن حل أكثر مرونة يتناسب مع طبيعة السوق الشعبي في المدينة.
آراء أصحاب البسطات بالمشروع المقترح
قوبل المقترح الجديد بآراء متباينة بين أصحاب البسطات، حيث يرى البعض أنه محاولة لتنظيم السوق الشعبي بدل إزالته، بينما يعتبره آخرون غير قابل للتطبيق عملياً في ظل الظروف الحالية.
حيث يرى بعض الباعة أن فكرة التنقل المستمر بين المواقع قد تكون مرهقة وغير مجدية، خاصة أن أغلبهم يعتمد على معدات بسيطة وبضائع تحتاج إلى تثبيت يومي في مكان واحد، ففي الواقع معظم أصحاب البسطات يتركون بضائعهم داخل الأبنية القريبة على مواقعهم. كما يشيرون إلى أن تكاليف النقل اليومية، سواء عبر السيارات أو وسائل المواصلات، قد تشكل عبئاً إضافياً لا يمكن تحمله، في ظل انخفاض هامش الربح أساساً.
بينما هناك من يعتبر أن المشكلة ليست في الفكرة بحد ذاتها، بل في كيفية تطبيقها. فمن النواحي الإيجابية للاقتراح سيكون تنظيم البسطات ضمن جدول واضح مما يخلق نوعاً من العدالة بين الباعة، ويمنع التنافس العشوائي على المواقع الحيوية. لكن يحتاج نجاح الاقتراح إلى توفير بنية مناسبة، مثل ساحات مجهزة، ومظلات، وخدمات أساسية، حتى لا يتحول المشروع إلى عبء جديد على العاملين فيه.
كما برزت آراء أخرى أكثر تشدداً، ترى أن أي حل لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي للباعة سيبقى ناقصاً، وأن الأولوية يجب أن تكون لتأمين مواقع قريبة من التجمعات السكنية والأسواق الرئيسية، بدل نقلهم إلى أطراف المدينة أو مناطق أقل حركة.
تجارب دولية ناجحة في تنظيم البسطات
عند النظر إلى تجارب دولية في هذا المجال، نجد أن العديد من الدول اعتمدت نماذج مختلفة لتنظيم الباعة الجوالين والبسطات، مع اختلاف في مستوى التطبيق والبنية التحتية. ففي تركيا التي معظم المعلومات تشير إلى اتباع المحافظة نفس نهجها، تعتمد البلديات نظام “البازارات الأسبوعية”، حيث يتم تخصيص أيام محددة لكل حي أو منطقة، ويتم السماح للباعة بالعمل في أماكن منظمة مقابل رسوم رمزية. وتكون هذه الأسواق عادة ضمن شوارع أو ساحات معروفة، وتخضع لإشراف مباشر من البلدية من حيث النظافة والتنظيم، وغالباً ما تتحول إلى وجهة تسوق أساسية لسكان الحي.
أما في المغرب، فقد تم اعتماد نموذج مختلف يعتمد على إنشاء أسواق مغطاة أو شبه منظمة للباعة غير النظاميين، حيث يتم تهيئة أكشاك صغيرة ضمن مساحات محددة، مما يضمن انتقال الباعة من الفوضى في الشارع إلى بيئة مستقرة نوعاً ما، مع دعم جزئي من البلديات وجهات تمويل خارجية.
وفي مصر، تم التوجه نحو تنظيم عربات الطعام والبسطات عبر منح تراخيص رسمية وتحديد أماكن مخصصة لها في بعض المناطق، مع فرض رقابة على الجودة والنظافة، وإدخالها تدريجياً ضمن الاقتصاد الرسمي بدل بقائها في نطاق غير منظم.
وهنا نستنتج أن التجارب السابقة بالرغم من اختلافها، تشترك في فكرة أساسية وهي أن تنظيم البسطات لا يقوم على الإزالة، بل على الإدماج التدريجي ضمن إطار قانوني وخدمي واضح، مع توفير أماكن قريبة من حركة الناس، ودعم لوجستي يساعد الباعة على الاستمرار بدل دفعهم للخروج من السوق.
في النهاية، يبدو أن ملف البسطات في دمشق ما زال مفتوحاً على أكثر من احتمال، فبينما تحاول محافظة دمشق تقديم مقترحات تنظيمية مرنة، يقيس أصحاب البسطات أي مقترح على مدى الاستفادة التي يجنونها، خصوصاً وأن أرباحهم قليلة. ومن الأفضل لأي مقترح أن يتم دراسة تأثيراته السلبية قبل الإيجابية حتى لا تستمر حالة الضياع لدى هذه الفئات الهشة.
اقرأ أيضاً: صرخة الناس بدنا نعيش تتعالى.. لكن كيف تحمي نفسها من الانتهازيين؟