بقلم هلا يوسف
تعيش العاصمة دمشق حالة من الفوضى في قطاع النقل الخاص بسيارات الأجرة “التكاسي”، حيث يشتكي السائق والمواطن في نفس الوقت من أسباب عديدة، وعلى الرغم من اختلافها إلا أنها تصب في فكرة واحدة وهي “تطبيقات النقل الخاص”. هذه التطبيقات على الرغم من فوائدها وتقبل الناس لها، إلا أنها ضرت بشكل كبير سائقي سيارات الأجرة. لذلك جاءت الإجراءات التنظيمية الأخيرة من قبل المؤسسة العامة لنقل الركاب ضبط عمل سيارات الأجرة وتعزيز الشفافية في الأسعار، مع توفير خدمة أكثر أماناً وموثوقية للمواطنين.
تشمل الجهود التنظيمية بحسب ما أعلن عنها المدير العام للمؤسسة العامة لنقل الركاب عمر قطان، تحسين جودة الخدمات المقدمة وتنظيم هذا القطاع الحيوي عبر مجموعة من الإجراءات أبرزها وضع لصاقات تعريفية رسمية على سيارات الأجرة المرخصة، بما يسهل التعرف على المركبات القانونية وملاحقة المخالفين، وهو أمر من شأنه أن يحد من العمل غير النظامي الذي يعاني منه السائقون بالأساس ويجعل الرقابة أكثر فعالية. ولمكافحة ظاهرة المساومة على تكلفة الأجرة واستغلال بعض السائقين للمواطنين سيجري اعتماد عدادات إلكترونية ذكية مرتبطة بتطبيق خاص، يتيح احتساب الأجرة بدقة ويضمن شفافية الأسعار، عدا عن توثيق الرحلات ومتابعتها عبر نظام GPS لضمان متابعة دقيقة لكل مركبة وسائق. عملياً، الإجراءات السابقة تحول مواصفات السيارات العمومية إلى نفس المواصفات التي ينجذب لها المواطنين في تطبيقات النقل الخاصة.
التحديات التي تواجه سائقي التكاسي
تأتي هذه الإجراءات في وقت علت فيه أصوات سائقي التكاسي العمومية نحو الجهات المعنية لمساعدتهم في مواجهة التحديات التي تعرقل عملهم. إذ يشير العديد منهم إلى أن تطبيقات النقل أثرت بشكل كبير على عملهم، سواء من حيث الدخل أو من حيث المنافسة المباشرة، خاصة أن هذه التطبيقات لا تتحمل الضرائب أو التكاليف الإضافية مثل التأمينات الاجتماعية أو تركيب أجهزة GPS. كما يشتكي السائقون أيضاً من الازدحام الكبير في شوارع المدينة، حيث تعمل سيارات من خارج المحافظة ضمن التطبيقات، بالإضافة إلى انتشار الدراجات النارية التي تقدم خدمة التوصيل، مما يزيد من المنافسة غير المتكافئة ويصعب عليهم كسب رزقهم بشكل منتظم.
وفي الحقيقة عكس ذلك تغيراً في تفضيلات الركاب، فبعدما كان الراكب يذهب للبحث عن تكسي لنقله، أصبح بكبسة زر تأتي السيارة لجانبه، عدا عن أن تطبيقات التوصيل أصبحت خياراً مفضلاً للنساء لاعتبارات الأمان، بينما يمثل الشباب الشريحة الأكبر من مستخدمي سيارات الأجرة التقليدية. ويمثل هذا التغير في الطلب تحدياً إضافياً للسائقين، الذين يشعرون أن جهودهم المبذولة في العمل الطويل لساعات تصل أحياناً إلى أكثر من 13 ساعة يومياً لا تترجم إلى دخل كافٍ، في حين توفر التطبيقات أحياناً طلبات أسرع وأجوراً تبدو أفضل أو أكثر مرونة، حتى وإن كانت أقل من الأسعار المعتمدة في سيارات الأجرة التقليدية.
وبينما يعبر السائقون عن استياءهم من الفجوة الكبيرة بين تكاليف العمل في سيارات الأجرة والتطبيقات، يرى عدد من المواطنين أن تطبيقات النقل توفر حلولاً عملية في ثلاث نقاط أساسية، وهي سهولة الطلب، وضوح التكلفة، والشعور بالأمان. فمع ضغطة زر واحدة، يمكن تحديد نقطة الانطلاق والوجهة ومعرفة السعر المتوقع ووقت وصول السيارة، مما يجعل تجربة النقل أكثر راحة وشفافية، خاصة في ظل الازدحام الكبير في دمشق. ومع ذلك، لا يخلو هذا الواقع من مشاكل تقنية أحياناً، مثل ضعف الإنترنت أو أخطاء نظام GPS، التي تؤدي إلى تأخيرات وإحباطات للركاب والسائقين على حد سواء.
لا تقتصر الفجوة بين التكاسي العمومية وتطبيقات التوصيل على الخدمات فقط، بل تتعداه إلى أجور النقل التي تشكل عامل أساسي آخر لاختيار الركاب لتطبيقات التوصيل. إذ أظهرت تجارب ميدانية أن أجرة تكسي من دمشق القديمة إلى كفرسوسة تصل إلى أربعين ألف ليرة، بينما يقدم التطبيق نفس الرحلة بثلاثين ألف ليرة، بينما تتقارب الأسعار أحياناً في مناطق أخرى. وقد انعكس هذا التفاوت على الحالة النفسية للسائقين، الذين نظموا احتجاجات للتعبير عن رفضهم لانتشار سيارات التطبيقات الخاصة، معتبرين أن هذه الأخيرة أصبحت غزواً صامتاً لمهنتهم، إذ تعمل دون الالتزام بالضرائب أو الشروط القانونية نفسها التي تخضع لها سيارات الأجرة التقليدية.
وبينما يسعى المسؤولون إلى تنظيم القطاع من خلال اللصاقات والعدادات الإلكترونية، يقترح البعض من السائقين حلولاً عملية، مثل السماح لسيارات الأجرة بالانضمام إلى المنصات الرقمية نفسها أو تطوير تطبيق خاص بها لضمان الوصول إلى الطلبات الإضافية، وهو ما قد يخلق توازناً بين مصالح المواطنين وحقوق السائقين. وبنظرة أوسع للموضوع يبدو أن الحل الأمثل يكمن في تحسين التزام سيارات الأجرة بالمعايير الجديدة، وضبط الأسعار بشكل شفاف، مع تنظيم حركة المرور والحد من الفوضى التي تسببها المركبات الخاصة والتطبيقات، بما يضمن لكل طرف حقه دون الإضرار بالآخر.
في النهاية، من المؤكد أن تطبيقات التوصيل موجودة في كل دول العالم، إلا أن مهمة الجهات المعنية اليوم التوجه نحو تنظيم قطاع التكاسي ليوازي في خدماته تطبيقات التوصيل، والعمل على تفوقها لكونها مرتبطة بالدولة بنظام تأمينات وضرائب وغيرها.
اقرأ أيضاً: أزمة النقل في ريف دمشق .. هل من حلول؟