ألعاب

توأمة المدن السورية.. صداقة على الورق أم حل سحري للتحديات؟

توأمة المدن السورية.. صداقة على الورق أم حل سحري للتحديات؟

كانت التوأمة بين المدن عبر التاريخ وسيلة لتعزيز التفاهم بين الشعوب عبر الحدود، وذلك بعيداً عن التعقيدات الدبلوماسية الرسمية، وعند البحث عن علاقة المدن السورية بالمدن المجاورة لها نجد أنه كانت تجمعها معها روابط تاريخية وجغرافية عميقة، لتواجه فيما بعد تحديات غير مسبوقة نتيجة ظروف متعددة.

وفي ظل الحديث عن توأمة المدن السورية مع جيرانها، لابد من الإجابة عن مجموعة من الأسئلة من أبرزها: هل تقتصر التوأمة حقاً على تبادل الخبرات الاقتصادية والخدمية، أم أنها غالباً ما تكون غطاء لأبعاد سياسية خفية؟ ولماذا اللجوء إلى خيار التوأمة دون غيره من أنواع التعاون؟ هذا ما سوف نتحدث عنه في هذا المقال.

توأمة المدن بين النجاحات والإخفاقات

يتم تعريف التوأمة بين المدن، على أنها اتفاقية تعاون بين مدينتين في دولتين مختلفتين، تهدف بشكل أساسي إلى تعزيز التفاهم في مجالات متعددة، كما وتعتبر التوأمة أداة دبلوماسية غير رسمية، وذلك نظراً لما توفره من إمكانية التعاون بين المجتمعات المحلية، بعيداً عن الإجراءات الحكومية المعقدة.

إلا أن نجاح التوأمة يعتمد على توافر الظروف المناسبة بالإضافة إلى توافر الموارد والالتزام بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة من خلال عملية التوأمة، حيث شهد الوطن العربي العديد من تجارب التوأمة خلال السنوات الأخيرة، بعضها تمكن من تحقيق أهدافه وبعضها الآخر كان مجرد اتفاقيات رمزية لم تتمكن من الارتقاء إلى إجراءات واقعية تخدم الشعوب بشكل حقيقي.

ومن أبرز أمثلة التجارب الناجحة على توأمة المدن، نجد التجربة بين أربيل في العراق وناشفيل في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعود السبب الرئيسي في نجاح هذه التجربة إلى وجود جالية كردية كبيرة في مدينة ناشفيل الأمريكية، وهو الأمر ساهم في تعزيز التفاهم الثقافي وتطوير مشاريع مشتركة في أربيل.

وفي مثالٍ آخر على نجاح التوأمة بين مدينة عربية وأخرى أجنبية، نجد اتفاقية التوأمة بين مديني أبوظبي وشنجن الصينية، حيث وقّعت أبوظبي خلال عام 2024 اتفاقية توأمة مع مدينة شنجن الصينية، وكان الهدف الرئيسي منها هو تبادل الخبرات في مجال المدن الذكية والتكنولوجيا، وتطور أبوظبي ونجاح مشاريعها في هذا المجال ما هو إلا دليل على نجاح هذه التجربة في تحقيق أهدافها المنشودة.

ومن جهة أخرى، نجد أن هناك العديد من اتفاقيات التوأمة لم تؤتِ ثمارها قط، ومن أبرزها اتفاقية التوأمة بين دمشق وطهران خلال عام 2024 في ظل النظام السوري البائد، ويعود السبب في فشل هذه التجربة إلى أن الهدف غير المُعلن منها قد كان تعزيز النفوذ الإيراني في سوريا وتأمين مشاريع اقتصادية، بدلاً من تحقيق التنمية المحلية لمدينة دمشق وخدمة المجتمع السوري.

هذا وقد كانت هناك تجربة عربية أخرى للتوأمة لقيت الكثير من الانتقادات، وكانت هذه التجربة حين وقعت مدينة فاس في المغرب العديد من اتفاقيات التوأمة الرمزية مع مدن أوروبية عدة وكان الهدف من ذلك تأمين زيارات سياحية للمسؤولين إلى هذه المدن الأوروبية.

توأمة المدن السورية: جسر جديد لتعزيز العلاقات

لطالما كشف تاريخ المدن السورية عن علاقاتها المتجذرة مع مدن الدول التي تجاورها، وفي ظل ذلك تأتي تجربة التوأمة لتؤكد هذه الروابط المتينة، وتعمل على تسهيل التجارة والسياحة المتبادلة، وإقامة الكثير من الفعاليات المشتركة بين هذه المدن، وخصوصاً في عهد الحكومة السورية الجديدة.

ومن أبرز تجارب التوأمة في سوريا، تأتي تجربة التوأمة بين هاتاي التركية وإدلب واللاذقية لتُعيد إحياء العلاقات التاريخية بين هذه المدن، حيث تهدف بشكل رئيسي إلى تحسين جودة الحياة في المدن السورية، وذلك من خلال تعزيز التعاون المشترك وتبادل الخبرات خصوصاً في مجال الإدارة المحلية.

هذا وتُعد أيضاً العلاقة بين مدينة إربد الأردنية ومدينة درعا السورية من النماذج البارزة على العلاقات القائمة على القرب الجغرافي، ويُشار إلى وجود أكثر من 400 مستثمر سوري حالياً في إربد، وانطلاقاً من هذه العوامل فإن تجربة التوأمة بين درعا وإربد قد تكون مثالاً يُحتذى به لاتفاقيات التوأمة الناجحة التي تهدف إلى تعزز حجم الاستثمارات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

أما عن التوأمة بين مدينة حلب السورية ومدينة غازي عينتاب التركية، فإنها تحظى بأهمية خاصة كون المدينتين تلعبان دوراً صناعياً واقتصادياً هاماً في المنطقة، وتهدف اتفاقية التوأمة بينهما إلى تفعيل التعاون في مجالات التنمية المحلية والتخطيط العمراني وغيرها من نشاطات مشتركة لتعزيز التبادل الثقافي بين المدينتين.

توأمة المدن: الأهداف المعلنة والأبعاد الخفية

على الرغم من أن الأهداف المعلنة لاتفاقيات التوأمة تركز بشكل أساسي على مجالات الاقتصاد والثقافة والتنمية المحلية للمجتمع، إلا أنه من الصعب فصلها عن العلاقات السياسية بين البلدان.

ففي حين تقوم التوأمة على السماح بالتعاون تبادل الخبرات في مجالات عديدة تعتبر بشكل عام مجالات خدمية واقتصادية، إلا أنها غالباً تحمل معها أبعاداً سياسية غير معلنة، فمثلاً يمكن أن تكون التوأمة بمثابة وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي لدولة في دولة أخرى، كما كانت تجربة التوأمة بين دمشق وطهران في عهد النظام السوري البائد.

هذا وقد يتم استخدام التوأمة كغطاء لفتح قنوات دبلوماسية غير رسمية، بهدف تسهيل وصول شركات معينة إلى أسواق جديدة، أو لتعزيز تلميع نظام سياسي معين على الساحة الدولة، وبشكل عام يمكن القول إن التوأمة بين المدن لا تقتصر على الجوانب المعلنة فقط.

توأمة المدن: أكثر من مجرد تعاون

على الرغم من أن الهدف الأساسي للتوأمة يكون غالباً تحقيق التعاون والتبادل في مجالات متنوعة، إلا أنه في الحقيقة يمكن تحقيق هذه الأهداف بطرق أخرى غير التوأمة، حيث تأتي اتفاقيات التعاون الثنائية في مقدمة هذه الطرق والتي يمكن من خلالها تركيز الجهود على مشاريع عملية وملموسة محددة دون الحاجة إلى توأمة المدن بشكل كامل، مما يوفر مرونة أكبر وتجنب التعقيدات السياسية التي قد تصاحب اتفاقيات التوأمة الرسمية.

أما ما يميز عملية التوأمة عن باقي طرق التعاون الأخرى، هي أنها تهدف لتأسيس علاقة طويلة الأجل وتحمل معها علاقات رمزية وتاريخية كبيرة، حيث أن التوأمة بشكل عام تمثل إعلان رسمي عن علاقات الصداقة بين المدن، وتحمل بعداً سياسياً ودبلوماسياً لا يمكن لأنواع الاتفاقيات الأخرى تحقيقه.

على الرغم من أن التوأمة تسعى لبناء علاقات طويلة الأجل إلا أنها في الوقت نفسه تركز على تنفيذ اتفاقيات التعاون خلال زمن قصير، ذلك من خلال إزالة العقبات البيروقراطية، وتحديد أهداف مشتركة فعالة، بالإضافة إلى بناء ثقة لا تجمع فقط الحكومات المحلية وإنما تجمع العلاقات المشتركة بين الشعوب مما يعزز إمكانية تنفيذ الاتفاقيات ضمن ظروف مثالية.

اقرأ أيضاً: هيئة التخطيط الإقليمي تكثف جهودها لإعادة الإعمار والتنمية المتوازنة في سوريا

في الختام، تؤكد التوأمة بين المدن أن علاقات الشعوب ليس لها حدود، وتعتبر أداة مثالية لتخطي العقبات الاقتصادية، وفي ظروف سوريا الحالية، يبقى الأمل بأن تكون هذه الاتفاقيات جسراً يربط بين المدن السورية وجيرانها، ويفتح قنوات جديدة للتعاون المثمر بهدف تعزيز الاستقرار على كافة الأصعدة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.